|
محمد باقر الصدر بين الشاتمين والشامتين .. الاسباب
الشارحة المغيبة .. البغدادي وجاسوسية مهدي الحكيم !!
المفكر العراقي عادل رؤوف
إننا في الواقع عندما نسرد هذه النصوص المطولة كلها،
والتي قطعاً ستثير ربما تساؤلات القارئ.. فإننا ننشرها ليس
دفاعاً عن اسم السيد محمد الحسني البغدادي، بل دفاعاً عن مقدار
جهده وجهوده تحت عنوان الإسلام والعراق، ولا نثيرها لأنها كانت
إجابات «شافية ووافية» حول ذات «فتوى البغدادي» التي «وجهت»
صراعياً ضد السيد محسن الحكيم.. بل لأنها نصوص متشابكة بما له
علاقة لا بالصراع المرجعي الحاد آنذاك فحسب، وإنما بما يقدم
توصيفاً مسهباً لدور «المرجع الأعلى» وأثره على مصير الأمة،
سواء ملأ هذا الموقع السيد محسن الحكيم، أم السيد الخوئي، وحال
الشهيد محمد باقر الصدر في ظل كلا الاسمين أو «المرجعيتين»
فالصدر انتقل من قسوة «الحكيم» الإقصائية لمشروعه الإسلامي
التأسيسي إلى قسوة أكثر إيلاماً واستهدافاً وطعناً، فهو ومن
أين ما نظرت له نظرة مقارنه مع «المرجعيات» أو مع حزب الدعوة
الإسلامية، أو مع خصوم الحكيم، أو في ظل ملابسات علاقته مع
الثورة الإسلامية، التي مررنا عليها، ستلاحظ مرارة هذه القسوة
تصب عليها صباً بلا انقطاع.. وفي مراحل حياته ومن الجهات كلها،
مع تفاوت درجاتها ودوافعها ونواياها... ونعيد القول بان
«شماتة» خصوم الحكيم به كنمط من أنماط هذه القسوة التي
عاناها.. لم يكن بدافع الإيذاء، وإنما كان نابعاً من «التصنيف
السطحي له على أنه انسجم مع محسن الحكيم» ونابعاً من غياب
المعيار المعرفي الذي عالجناه سابقاً في النظر إليه.
ومهما يكن من أمر فإن من يعيد النظر بالتساؤلات، التي
أثارتها النصوص المطولة تلك، لابد أنه سيتوقف على الحشد
الموقفي الوثائقي الهائل(1) لمواقف السيد الخوئي التي دفع
ثمنها المرة تلو الأخرى الشهيد محمد باقر الصدر، وعودة إلى
التباسات قصة «الفتوى» ذاتها لمحمد الحسني البغدادي المتزامنة
مع اتهام مهدي الحكيم بالعمالة، فإن تلك النصوص بإسهابها إلا
أنها جاءت «دفاعية» واعتمد الإسهاب فيها أدوات دفاعية مشروعة
ومفيدة ومهمة وكاشفة للكثير من المخبوء، لكننا نرى أنها «تهرب»
ربما عن دفاع يرتكز إلى أدوات أكثر فاعلية في ما يرتبط
بالتباسات الفتوى ذاتها، فالنصوص المطولة المذكورة رغم
«تحدياتها المكرورة» للكاتب ـ الخرسان ـ الذي عالج الموضوع
بطريقة مشوهة وربما قصدية، إلا أنها تحاشت المباشرة «الهاجمة»
على الموضوع بأدواته ذاتها، لا الأدوات الأخرى، فأدوات القصة ـ
الفتوى ـ تبقى أكثر من فردية لدحض «قصدية الكاتب» في تزوير
التاريخ... ولا نعتقد أن «الهروب» من أدوات القصة ذاتها كان
هروباً «عفويا»... لا بل هو هروب يقع في سياق التردد من المنهج
الاقتحامي للرد في ظل مرحلة سقط في ظلها كل تردد، وتفرض فرضاً
شرعياً الكشف الفاضح لما دار في الماضي من تزوير لتاريخ
«الحوزة» المعاصر في النجف.. في ظل حاضر علني وصارخ ومدان في
تعاطي الرموز «المرجعية لهذه الحوزة» مع الاحتلال الأميركي..
وهو تعاطي دفع الشعب العراقي ثمنه ولايزال يدفعه أنهاراً من
دماء الأبرياء، فرموز «الحوزة» العليا ونهر الدم العراقي
الجاري في الفترة التي نتحدث عنها باتا لصيقين، كسبب ونتيجة..
كسبب أول في قائمة الأسباب الأخرى كلها، وكنتيجة عراقية تفرض
ذاتها سؤالاً مخجلاً ليس في العراق فحسب.. بل في العالم العربي
والإسلامي كله.
فلِم يتردد إذن كاتب هذهِ النصوص في اختيار أدوات
الرد؟ وإلى متى يبقى هذا الشعب العراقي مشروعاً لدورات الموت
والذبح المتنوع في ظل غياب ما أسميناه المنهج الاقتحامي،
بأدوات الموضوع المباشرة؟ إن أول ما يجب قوله في فك التباسات
تلك الفتوى ـ وفق أدوات موضوعها ـ هو سكوت السيد محمد الحسني
البغدادي في حينها عن توظيف السلطة لها، وثاني ما يثار في فك
تلك الالتباسات هو عدم استقوائه في حينه بخلفيات فتواه.
... ومن الواضح أو من المقطوع فيه، وفق النص، الذي
قاله البغدادي وخلفياته ـ نحتفظ به مسجلاً ـ هو أنه سئل من قبل
وفد من العاملين في الإذاعة العراقية آنذاك، زاره إلى بيته قبل
اتهام السيد مهدي الحكيم بالتجسس من قبل السلطة. بثلاثة أشهر،
سئل عن الموقف الإسلامي أو «الحكم الإسلامي» بحق من يقوم
بالتجسس على بلده.
فأجاب جوابه المعروف:
﴿اِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ
وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَن
يُقَتّلُوَاْ أو يُصَلّبُوَاْ أو تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلافٍ أو يُنفَوْاْ مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ
لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدّنْيَا وَلَهُمْ فِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾.
وقطعاً أن السؤال كان عاماً عن الجاسوسية، كما أنه
أجري قبل ثلاثة أشهر من اتهام النظام لمهدي الحكيم بالتجسس،
والسيد البغدادي لم يعرف في حينها أن السلطة إنما أجرت معه هذا
اللقاء وهي تنوي وتبيت استخدامه لاحقاً ضد أحد، سواء كان مهدي
الحكيم أم غيره. ولذا فإن السؤال المركزي، الذي يطرح ذاته بقوة
ولم تجب عنه أو تعالجه تلك النصوص المطولة، هو لماذا سكت محمد
الحسني البغدادي إزاء توظيف السلطة للقاء عام أجرته معه قبل
ثلاثة أشهر، وبما يدخله ـ أي البغدادي ـ في المحاذير التي كان
يتحاشاها؟ والمتوقع في مثل هذه الحالة، ووفق السياق الصراعي،
الذي حكم «الحوزة» قبل تلك الفتوى، ومنهج تعاطيه مع هذه
الصراعات، التي يلحظ الدارس لحياته ودوره أنه يحذر في مثل
الأمور... المتوقع أن يصدر البغدادي بياناً توضيحياً لخلفيات
هذه «الفتوى»، وطبيعة توظيف السلطة لها للرأي العام العراقي
والإسلامي.. إلا أن هذا المتوقع لم يحصل، ولم يصدر البغدادي
بياناً توضيحياً إزاء ذلك، بما «يكرس» اتهاماتهم «المعروفة» له
بأنه كان على «تفاهم مع الأنظمة» وهو واحد من الاتهامات
العديدة التي اعتادت «الحوزة» أن تقذف بها أي موقع رموزي ثوري
حقيقي خارج دائرة الارتباط بالخارج... فهذه «الحوزة» وباعتراف
أبرز رموزها الإمام الخميني، الذي قضى ثلاثة عشر عاماً في
العراق تفبرك التهم الجاهزة، وتوزعها وتشيعها عبر أجهزة إشاعة
معدة وحاضرة لذلك، فتقذف أحدهم ـ الرموز الثورية ـ بتهمة
الإلحاد، وتقذف الثاني، بتهمة الوهابية، والثالث بتهمة
«التسنن» والرابع بتهمة «التعاون مع السلطة»...الخ من
الاتهامات، ولم يسلم طوال أكثر من قرن ثائر أو مفكر «حوزوي» من
تهمة أو أكثر من هذه التهم القاسية والملفقة و«التسقيطية»
لهالة هذه الرموز، لم يسلم من ذلك عبد الكريم الزنجاني، ولا
محمد الخالصي، ولا السيد البغدادي، ولا الشهيد محمد باقر
الصدر، ولا الشهيد محمد محمد صادق الصدر ولا أي رمز ثوري آخر.
وكان واضحاً أن التهمة، التي حورب بها محمد الحسني
البغدادي، هي تهمة «التعامل مع الأنظمة الحاكمة» وهي تهمة
نقيضة للواقع تماماً، كما أن التهم الأخرى إزاء الآخرين مخالفة
للواقع، حيث أن «المواقع المرجعية العليا» هي التي تتعامل مع
هذه الأنظمة كل على طريقته، وبالتالي تقلب التهمة وترمى على من
يراد استهدافه في سياق هذه الصراعات من الرموز الثورية
«الفقهية» النظيفة، التي أثبتت الوقائع أنها عاشت حياتها تكابد
وتعاني حتى في واقعها المعاشي ـ المالي( ).... وترفض عروض
الأنظمة المالية..
نعود لنقول لماذا لم يصدر البغدادي بياناً توضيحياً
حول خلفيات فتواه تلك، وهو الذي عرف عنه أنه لم يخش أية سلطة
إذا ما ارتبط الأمر بمثل ما ارتبط في توظيف السلطة لهذا «الفخ»
الذي أوقعت البغدادي فيه ـ حسب رأيها ـ؟ بينما كانت السلطة ترى
أنها أدت دورها ونجحت في نصب «الفخ» فإن البغدادي الذي لم يكن
يخشى التوضيح ما كان يرى بما حصل «فخاً» وما كان يرى أن الموقف
كله يحتاج إلى إيضاح خلفيات هذا «الفخ» وهذه «الفتوى»!! لا
لأنها كما ورد في النصوص المارة الذكر غير موجهة ضد مهدي
الحكيم، وبأنها فتوى عامة... لا، ليس لهذا السبب وحده، وإنما
البغدادي وجد نفسه في تلك اللحظة أمام خيارين ـ في أكثر
الاحتمالات ـ خيار توضيح الخلفيات ـ خلفيات الفتوى ـ وخيار
السكوت حول توظيف السلطة لها، إذا ما أخذنا الأمر من الناحية
الشرعية، فإن خيار توضيح الخلفيات سيفهم على أنه تبرئة لساحة
مهدي الحكيم من تهمة التجسس.. وهذا ما يخالف الواقع الذي كان
معروفاً للجميع في تلك المرحلة، وأكثر العارفين به هو السيد
البغدادي فقد يكون هنالك كلام حول كلمة أو مفردة التجسس، إلا
أن المسألة أكبر من مسألة الكلام حول المفردة في ظل واقع معروف
ومعاش للقاصي والداني حول ارتباط «مرجعية» محسن الحكيم بشاه
إيران، وارتباط بعض أولاده به، لاسيما السيد مهدي الحكيم في
تلك المرحلة.
"السكوت من الرضا»
البغدادي ــ الخميني
جاسوسية مهدي الحكيم
عاشت «حوزة النجف» في ظل جدل تلك المرحلة ووجود الإمام
الخميني فيها، وموقف «المرجعيات» منه كثائر ضد شاه إيران، وكان
البغدادي يكاد يكون الوحيد في النجف، الذي لم يخش أية سلطة لا
سلطة العارفين ولا سلطة البكر ـ صدام حسين في إبداء وقوفه
العلني إلى جانب الإمام الخميني الثوري، والدفاع عنه، لا بما
ينسجم مع توجهات هذه الأنظمة السياسية، التي أرادت أن تجعل من
الإمام الخميني ورقة ضد الشاه، فان الإمام الخميني لم يسمح
لأحد من هذه الأنظمة أن يستخدمه ورقة في صراعه مع شاه إيران،
بقدر ما هو استخدم الأنظمة كورقة لتمرير أهدافه في محاربة
الشاه، وان السيد البغدادي لم يكن دعمه واحتضانه للإمام
الخميني من الطراز الذي يلبي حاجات سلطة ما، بقدر ما كان هذا
الدعم والاحتضان مؤذياً ومزعجاً لهذه السلطة ومنسجماً مع منهجه
«الفقهي ـ الثوري» ولا أحد بإمكانه أن يزوِّر هذه الحقائق
لاسيما بعد نجاح ثورة الإمام الخميني.
إن دعم البغدادي «المنفرد» للإمام الخميني، لم ينطلق
أيضاً من خصومته مع الحكيم، الذي كان ضد الخميني، وحليف شاه
إيران.. وإنما كان نابعاً من قناعاته الشرعية ومنهجه الخاص
به.. والا فإن أبواب الشاه التي كانت مفتوحة ليس فقط لمحسن
الحكيم، وإنما لغيره من «المراجع»... كانت مفتوحة أمام
البغدادي أيضاً لو أراد ذلك والدليل الأقوى الذي يجعل من منهج
السيد البغدادي منسجما مع المسؤولية الشرعية.. وليس من منطلق
«الصراعات المرجعية» هو أن أبواب الأنظمة العراقية، بما فيها
باب نظام البكر ـ صدام كان مفتوحاً أمام البغدادي لكي يواجه
محسن الحكيم بعقلية «الصراعات الحوزوية» والتحالفات القصدية...
لكن وبما أنه رفض الدخول من أبواب شاه إيران، والدخول من أبواب
الأنظمة العراقية بوجه محسن الحكيم المدعوم من شاه إيران، فإن
وقوفه مع الإمام الخميني كان بالتأكيد ينطلق من المسؤولية
الشرعية، لا غير.
إن تاريخ البغدادي هذا مع الإمام الخميني لا يمكن لأحد
أن يزوره ممن عاشوا تلك المرحلة، بما فيهم خصومه الذين «اتهموه
بالعمل مع الأنظمة» ظلماً وعدواناً، فهم يغمزون ويلمزون في
كتابتهم لهذا التاريخ، لكنهم لم يجرؤوا إطلاقاً على فتح
ملفاته، لأنها ملفات أصبحت أكبر من التزوير بعدما حفظت كتاريخ
مكتوب من قبل رجال الثورة الإسلامية بزعامة الإمام الخميني.
إذن ووفق هذه الخلفيات كلها التي حكمت علاقة البغدادي
بالخميني على أساس الواجب الشرعي، ومنهج البغدادي «الثوري»، لا
المنهج الصراعي «الحوزوي».. كان واضحاً أمام البغدادي بأن عليه
أن لا يتعامل مع قضية «فتواه» بطريقة «الفخ» الذي رسمته السلطة
له حسب اعتقاده من الناحية الشرعية أيضاً، حتى وأن استغلها
خصومه، فهو إذا ما أصدر توضيحاً حول خلفيات هذه الفتوى، فإن
توضيحه سيفهم من قبل الرأي العام بأنه «تبرئة» للسيد مهدي
الحكيم.. وهذا ما يخالف الواقع الشائع المعروف في الوسط
«الحوزوي» ويخالف الواجب الشرعي الملقى عليه. إذ كيف يعطي «صك
براءة» لإنسان يعرف البغدادي علاقاته مع شاه إيران، الذي كان
عدواً لدوداً للإسلام ورموزه وثواره آنذاك؟ هل يوضح الخلفيات
و«الفخ» السلطوي لكي لا يساء فهم فتواه وتوضيحها وتوظيفها حتى
لو أدى ذلك به إلى مخالفة شرعية قد تنعكس على مسار الحركة
الإسلامية في إيران، وقد تفهم على أنها إعطاء شرعية لعلاقات
شاه إيران مع رموز «الحوزة» النجفية المرتبطة معه، وقد تترك
أثراً حتى على المعارضة الإيرانية الإسلامية بزعامة الإمام
الخميني المقيمة آنذاك في العراق.
إن أي توضيح من السيد محمد الحسني البغدادي آنذاك إزاء
خلفيات تلك الفتوى واستغلالها وتوظيفها كان له آثار خطيرة،
فضلاً عن جانبها «الشرعي»... وعليه فإن إتباعه خيار السكوت كان
يترجم مسؤوليته الشرعية، وينسجم مع منهجه «الثوري الجهادي»
وكان ينم عن وعي حساسية أي كلام «توضيحي» لـ «فتواه»
وانعكاساته على واقع الحركة الإسلامية في إيران وزعاماتها
الموجودة في العراق، كما أنه كان ينم عن دقة في تشخيص
الاستفادة أو عدمها بالنسبة لما يقول، سواء كان شاه إيران، أم
من هو على ارتباط معه في العراق.
... في ظل هذين الخيارين لمحمد الحسني البغدادي أمام
«فخ» السلطة لأخذ الفتوى منه وتوظيفها في ما بعد.. خيار السكوت
على توظيف السلطة لهذه الفتوى، وبالتالي إشكالياتها للاستفادة
منها.. وخيار توضيح الخلفيات لهذهِ الفتوى، التي أسهبنا في
إشكالياتها، كان لابد للبغدادي أن يفضل خيار السكوت على خيار
التوضيح، فبالإضافة إلى مضاره ومحاذيره، التي مررنا عليها...
فإنه يبدو خياراً غير ذي منطق لأسباب عديدة أيضاً.. فإذا ما
كان المرجع الأعلى نفسه والد مهدي الحكيم حياً، فمن الأولى أن
يمارس هذا «المرجع الأعلى» دوره وسلطته وهالته «الدينية» بوجه
السلطة، لاسيما وأن توجيه الضربة له من خلال اتهام ولده
بالتجسس لم يأت من فراغ في مثل تلك المرحلة.. وإنما جاء بعد
أحداث مشهورة متوجة بسفر السيد محسن الحكيم إلى بغداد لقيادة
فعل ما ضد السلطة آنذاك..
... وكان جزء من الأمة حاضراً إلى جانب هذه «المرجعية»
والدفاع عنها... وعندما انتهت تلك الأحداث المعروفة بنكسة كبرى
لـ «مرجعية الحكيم» وانعكست إحباطاً لدى شرائح من الأمة، وجد
النظام الحاكم في حينها الفرصة سانحة لكي يوجه ضربته الأقسى
لهذه «المرجعية» من خلال اتهام مهدي الحكيم بالتجسس... وقطعاً
أن السيد محمد الحسني البغدادي، والإمام الخميني وغيرهم كانوا
سيقفون بوجه السلطة لولا تراجع السيد الحكيم... قطعاً إنهم
سيطوون ملف الماضي الصراعي مع السيد محسن الحكيم، وسيقفون إلى
جانبه لو كان الأخير استغل حضور الأمة من جانب، وضعف السلطة من
جانب آخر، لكن لأن شخصية السيد محسن الحكيم كما وصفناها في
أكثر من مكان هي شخصية مترددة، فكان يصعب الرهان عليها، لكي
تستغل مثل تلك الفرصة، فهي مرجعية قد ضيعت قبل ذلك فرصاً أكبر،
وكان تحركها السياسي مشروطاً ومرتبطاً بالخارج الشاهنشاهي قبل
تلك السلطة.. وبالتالي فإنه لا محمد الحسني البغدادي كان يرى
بأن السيد محسن الحكيم سيستثمر تلك الفرصة في ظل معرفته
الدقيقة لشخصيته، وصداقته الشبابية القديمة له، ولا الإمام
الخميني كان يرى فيه مؤهلاً لمواصلة المشوار... ولذا فإن
الاثنين البغدادي والخميني كانا يدركان تماماً بأن شخصية السيد
الحكيم غير قادرة على استثمار أية فرصة... فمثلما أن للبغدادي
قصصاً وتجارب معه، فإن للإمام الخميني قصة وتجربة مريرة معه
أيضاً.. وعليه كان قدرهما أن يتجرعا ألماً جديداً، وهما شاهدان
على مرحلة ستجر العراق إلى ويلات وويلات لاحقة... ولذا فإن
سكوت البغدادي على تلك الفتوى الالتباسية، الذي كان يرى فيه
أيضاً درساً لمن يتعظ لاحقاً لمن تحدثهم أنفسهم بمواصلة
الارتباط بالخارج عبر شاه إيران، توج بسكوت ثان غير التباسي
ومغاير عن السكوت الأول، وهو سكوت الإمام الخميني على اتهام
السلطة لمهدي الحكيم بالتجسس.. وعدم الدفاع عنه... فلسكوت
الخميني دلالات خطيرة، وهي الأخرى غير نابعة من موقف الحكيم
منه في العراق، ولا من علاقة الأخير بشاه إيران... وإنما هي
نابعة أيضاً من موقفه الشرعي، الذي قدره على ضوء فهمه هو الآخر
لطابع التردد لشخصية السيد محسن الحكيم، الذي أدى إلى ما أدى
إليه من تأثيرات مرعبة على مسار الحركة الإسلامية في كل من
العراق وإيران.
البغدادي قيد المساءلة
... نعم إن الكلام النقدي عن السيد محمد الحسني
البغدادي، لا يندرج في إطار فتواه تلك، التي كان السكوت فيها،
هو السكوت الصح، الذي يعبر عن منهجه «الثوري» كما عبر عنه
بوقوفه المشهود مع الإمام الخميني وبسيرته الذاتية الشخصية،
وببعض كتاباته، لاسيما كتابه المشهور «وجوب النهضة»... إلا أن
ما يمكن أن يثار من نقد حول هذا «المنهج الثوري» هو «السكوت
النقيض»، أو «السكوت الأصل» في مسار حياة السيد محمد الحسني
البغدادي، وهي حياة حافلة وطويلة، وعايشت عهوداً سياسية متعددة
في العراق كما عايشت أنماطاً من أطوار «المرجعيات العليا»، ثم
عاشت صخب «الحوزة النجفية»، و«ثورية» البغدادي التي تحدثنا
عنها، والتي عكستها مجمل كتاباته ومواقفه وجرأته ونظافته،
ترجمت استثناءً «ميدانياً»... فقد طغى على حياته واقع العزلة
«النسبية» إزاء الانحرافات، التي عايشها «حوزوياً» و«سياسياً»،
أو «العزلة الاجتماعية» الممزوجة بصراحته( ) في كشف هذا
الواقع، إلا أنها «صراحة ديوان»، لا صراحة «درس حوزوي» أو «درس
فقهي» أو «بحث خارج» يعطيها صفة الشمولية، ويحولها إلى «صراع
فقهي» ايجابي مقابل «دروس وبحوث الآخرين»، لكي تشكل ظاهرة لها
امتدادها الوطني، فالبغدادي بحكم صراحته المعروفة ووطنيته،
التي لا غبار عليها، وكونه ضليعاً في «الفقه التقليدي» كان
قادراً على كسر طوق الحصار المفروض عليه، وأن يواجه التهم
الكاذبة، التي تطعنه وتطعن كل الخط الرموزي الثوري المعرفي..
البغدادي بحكم هذه العوامل والصفات وأخرى غيرها كان قادراً على
إيجاد ظاهرة لـ «البحث الخارج» ذات الجدل الذي يوازن كثيراً من
جدل «الدروس الفقهية» التقليدية السطحية... فهو يملك كل أدوات
هذه الظاهرة، التي كان بإمكانها أن تحد من سلبيات «حوزة النجف»
على أكثر من صعيد...
... إلا أن عدم تصديه لهذه الظاهرة لا يعود فقط إلى
عامل الأموال الذي حاصر «المرجعيات الثورية» كلها... بل إلى
عوامل إحباط أخرى... وربما عوامل «معرفية ـ فقهية» إشكالية
جعلته متردداً في الإقدام على ذلك.. وقد مررنا في كتابنا
«صناعة العقول» على رأي البغدادي، الذي يرى في «التقليد» أنه
لا دليل على «وجوبه الشرعي» أو أنه «لا أصل له» ـ حسب عبارته ـ
كمبنى معرفي ساد عبر التاريخ في سياق نظام إسلامي معرفي بشري
موروث، وإذا ما أضيف إلى رأيه هذا، آراء أخرى حول «علم أصول
الفقه».. و«الفقه»، والـ «الأعلمية» ومجالات أخرى، يمكن القول
بأنه كان يعيش صراعاً معرفياً داخلياً سيتحول إلى عوامل إحباط
له يدفعه إلى عدم الاهتمام بـ «طبع رسالة عملية» جادة، أو
التصدي لمثل تلك الظاهرة ـ «البحث الخارج» ـ الذي يمكن له أن
يوازن بعمقه «المعرفي الكلاسيكي» بحوثاً سطحية كانت تملأ مساجد
النجف...
إن السيد محمد الحسني البغدادي كان «مدركاً» خلل
النظام المعرفي البشري الديني الموروث، وصراعه الذاتي انتهى به
إلى ذلك «الإدراك».. وواقعه أبقاه في موقع «المراوحة»
الميدانية، فلا هو كان مهيأً نفسياً لان يوظف صراحته وشجاعته
وتقواه بوجه «أمراض الحوزة».. ولا كان في موقع العزلة التامة
السلبية، فاختار «الممكن» ـ من وجهة نظره ـ من موقع «مرجعي» له
«رسالة عملية رمزية».. ومنهج «تفريغ» صراحته وألمه، ونظافته
كآمر بالمعروف وناه عن المنكر، عبر «ندوته العلمية الشهيرة»،
وما تشهده من «نقاشات عالية المستوى» لكنها «ضيقة الدائرة»،
موازناً ذلك بما يكتبه عن «الفقه الجهادي»، وبمساندته لما يراه
صحيحاً، ويصب في خدمة الإسلام، كوقوفه المشهور مع الإمام
الخميني في النجف الأشرف في وقت كان فيه الأخير يعيش عزله
قاسية، وحربا شعواء.
كان من الممكن للبغدادي أن لا يقضي حياته في هذا
الموقع «الممكن» الذي ارتآه أو استقر عليه، وكانت صراحته
وشجاعته ونظافته و«أعلميته» تؤهله للتفكير في انتزاع فرص، أو
ايجاد ممكنات، تؤثر في مسار «الحوزة النجفية» وتقتحم الواقع
السياسي للسلطة والأمة.. لو انه استطاع أن يتجاوز رتابة
الموروث المستقر في عقله حول «علاقة الفقيه بالسلطة»، إذ لم
يكن قدراً للبغدادي أن «يقاطع» الأنظمة السياسية أو يتعاطى
معها بـ «حذر» في بعض المنعطفات التي يرى لزاماً عليه أن يتدخل
فيها.. كما لم يكن قدراً عليه، أن يقود مواجهة علنية ضد هذه
الأنظمة التي اتهم ظلماً وعدواناً بأنه يتعامل معها، والتي
شكلت قيداً نفسياً إضافياً عليه في هذا المجال. وكان مفروضاً
له أن يوظف صراحته وشجاعته و«أعلميته»، ويكسر الأطواق التي
فرضت عليه، وأن يفكر بإيجاد مؤثر سياسي محلي على «الحوزة»
النجفية، وأن لا يتركها تحت تأثير شاه إيران، وينزل إلى العمل
في الميدان، وينتزع فرصا، وهذا ما لم يفعله، وما يمكن أن يكون
مجالاً لنقد السيد محمد الحسني البغدادي، فقد ضاعت صراحته
وشجاعته و«أعلميته» ودفعت الأمة ثمن ضياعها غالياً.
وإذا كان آخرون غيره، قد اقتحموا الميدان، ولم يؤثروا
التأثير المطلوب، فإن «عروبة» أو بالأحرى «عراقية» البغدادي
المحضة، كان بإمكانها أن تضاف إلى مكونات شخصيته، وتجعل من نمط
تأثيره في الواقع أكبر من تأثير الآخرين، كما أن موقعه النجفي
يمكن أن يضاف إلى مكونات شخصيته تلك كعامل آخر، ويمكن أن يكون
عامل قوة له، وليس عامل ضعف، إذ إن موقعية النجف وجدلها
«الحوزوي»، يغاير واقع كربلاء وواقع الكاظمية كأماكن مقدسة،
وحواضن ثانوية لـ «المرجعية».
إذ بخلاف ما كان يرى من أن وجوده في النجف الأشرف كان
يشكل قيداً على تحركه انطلاقاً من وعيه الحاد باستهداف النجف
الخارجي والداخلي الاستثنائي، التي تجعل من مهمة التصدي لدور
ما «أمراً مستحيلاً».. كانت وجهة نظر ولده السيد كاظم الحسني
البغدادي بإمكانية كسر والده للأطواق المفروضة عليه وعلى النجف
الأشرف، وإمكانية قيامه بدور ما... وربما استسلام البغدادي ـ
الكبير ـ بقناعته المارة الذكر هو من وضع السيد كاظم الحسني
البغدادي في موقع «ردة الفعل» على الواقع «الحوزوي» السائد،
و«التمرد» عليه، لكن أيضاً دون تخطيط... لان عدم استجابة والده
له تجعله فاقداً لعناصر هذا التخطيط... ومهما يكن من أمر فمع
وجهة نظره بتحريك والده في النجف الأشرف بغض النظر عن آليات
هذا التحريك، التي أشرنا إليها فإن البغدادي (الابن) انتهت به
الحال إلى أن يعمل بـ «ردة فعل» في أحيان كثيرة، وبما يجعل من
هذه الآليات مرفوضة، وأول رافضيها هو البغدادي ـ الكبير ـ.
مقتطفات من كتاب
أنبياء وأصنام
حوزة الأرض والوطن
حوزة الوافدين الى الوطن
عادل رؤوف
ط: المركز العراقي للإعلام والدراسات 2009م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إن كتاب صلاح الخرسان حول «حزب الدعوة الإسلامية»
الذي ترد عليه تلك النصوص المطولة لـ «المرجع» علي البغدادي..
هو كتاب جاء صدوره في سياق الصراع اللامعلن بين حزب الدعوة
الإسلامية، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، ولذا
فان بعض «موظفي» صحيفة «نداء الرافدين» التابعة للمجلس ـ مكتب
دمشق ـ قاموا بما يشبه «حملة عمل شعبي» من أجل مساعدة الكاتب،
وتسريع صدور الكتاب الذي كان بيان جبر «باقر صولاغ» مسؤول مكتب
دمشق متحمساً لصدوره بأسرع وقت، فأمر بعض موظفيه بهذه
«الحملة»... ووقع عقداً مع المحرر الذي يعمل بصحيفته حول «حقوق
التأليف» انظر نص وصورة الصفحة الأولى والصفحة الثالثة لمسودة
هذا العقد الاولية في الملاحق، ملحق رقم (2)، ولم يدرك في حينه
لا باقر صولاغ، ولا المحرر نفسه، بأنه قدم «خدمة» كبرى لحزب
الدعوة بذلك الكتاب، الأمر الذي دفع هذا الأخير شراء مجموعة
نسخ منه وتوزيعه مجانا، وانتبه صولاغ بوقت متأخر إلى خطئه
الفادح.. وثم دفعه هذا الخطأ الذي حوله حزب الدعوة إلى «نغاز»
استفزازي له.. دفعه إلى المماطلة من اجل عدم إعادة طبع الكتاب
كما يقضي اتفاقه مع الكاتب ودخوله خلافاً حاداً معه، مما دفع
بالكاتب إلي أن يعرض إعادة طبع الكتاب وإجراء التعديلات
المطلوبة من قبل حزب الدعوة عليه، وحسب ما يرونه، واجتمع بعدها
مع حسن شبر ونوري المالكي، عارضاً عليهم استعداده لذلك نكاية
بباقر صولاغ.. إلا أن حزب الدعوة رفض استعداد الخرسان نكاية به
وبباقر صولاغ والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق...
وأثر هذا الخلاف زارني الخرسان، مؤلف الكتاب، في «المركز
العراقي للإعلام والدراسات» عارضاً عليّ العمل في المركز وفي
مجلة «دراسات عراقية» إلا أنني وجهت الحديث إليه باتجاه
«الصلح» مع باقر صولاغ والعودة إلى العمل معه.
(2) إن الفرق الكبير والهائل في الإمكانات المادية لـ
«المرجع الأعلى» والآخرين من «خصومه» الثوار، هو أمر واضح
ومعروف من قبل كل أوساط «الحوزة النجفية»... وما يخص السيد
محسن الحكيم، فكان الأمر أوضح بعد تصديه لـ «المرجعية» للمرة
الأولى... وبعد تصديه لـ «الإصلاح المحدود» في نهاية الخمسينات
وبعدها... لأن دعم شاه إيران له كان لا يخفى على أحد، ويعترف
به حتى السيد محسن الحكيم ذاته ـ وهذا ما له قصة أخرى ـ ولعل
النجفيون يعرفون أن عدد البيوت الخاصة بأسرة السيد محسن الحكيم
كانت بعدد أولاده... وهذا العامل المادي الذي كان يسم إلى
جوانب عوامل أخرى حياة «المرجعيات» بما يرتبط بواقعها الثوري
والسياسي، كان قد «ضغط» بشدة على السيد محمد باقر الحكيم
«الثوري» أثناء إقامته في إيران، فحاول أن «يعالجه» بصورة
خالطة للمراحل: خالطة بين مراحل الفقر والعوز قبل تصدي والده
لـ «المرجعية» ليسحبها على مراحل لاحقة بعد تصديه، ولذا فإنه
كان يركز على «حياة الفقر» للسيد الحكيم، ومما قاله في هذا
الصدد في كراس باسم «(لمحات عن مرجعية السيد الحكيم)، ص11 ـ 12
ـ 13 قسم الإعلام، مكتب السيد الحكيم 1454 هـ ق ط1»، بقلمه هو
ـ أي السيد محمد باقر الحكيم ـ عندما كان ناطقاً للمجلس الأعلى
للثورة الإسلامية في العراق ـ وكان هذا الكراس في الأصل محاضرة
ألقاها في صلاة الوحدة بمؤسسة الشهيد الصدر بتاريخ 3 / 3 /1363
هـ.ق. جاء فيها ما يلي: «الحياة الخاصة للسيد الحكيم: فقد كان
السيد الحكيم ولعل الكثير لا يعرف ذلك، يعيش في عائلة فقيرة،
فقد توفي أبوه وعمره ستة سنوات، وغاب عن أبيه وعمره ثلاث سنوات
حيث توفي في المهجر في لبنان، وكان يعيش في أسرة فقيرة غاية
الفقر، كان يحدثنا في بعض الأحيان عن حياته المعيشية الخاصة
ويقول انه كانت تمر علينا عدة أيام يكون غذائنا الوحيد فيها هو
الخبز واللبن ونكتفي بهذا الغذاء، والفقر ليس عيباً كما
تعرفون، وإنما هو كرامة للإنسان اذا تحمل هذا الإنسان ظروف
الفقر وأوضاع الفقر، والأسرة العامة للسيد الحكيم لم تكن من
الأسر العلمية بالمعنى العام. نعم في تاريخها يوجد الكثير من
العلماء، لكن بشكل عام كانت هذه الأسرة تتعاهد خدمة الحرم
الحيدري، وإنما كان يوجد فيها القليل من العلماء، من جملتهم
والد السيد الحكيم وجده كانا من العلماء وبعض أرحامه الذين لا
يتجاوزون الواحد أو الاثنين، فلم تكن أسرة علمية، وكان يعيش
هذه الظروف الفقيرة، وقد ظلت هذه الظروف تحكم حياة السيد
الحكيم حتى الأيام القريبة وهي التي عرفت الحياة فيها، فقد كنا
نعيش هذا الوضع الفقير، يعني وضع الفقر. أنا أتذكر انه في
بداية أيامنا بعد الحرب العالمية الثانية بعد سنوات كنا في
الصباح نتناول الخبز البائت الذي ينقع في الشاي والسكر الأحمر،
لأنه رخيص جداً وكان غذاؤنا في كثير من الأحيان التمر والراشي
والخبز بالرغم من توسع مرجعيته، وبالرغم من وجود الأموال
الطائلة تحت يده، ويتمكن أن يصنع الأشياء الكثيرة. أنا أتذكر
أنه عندما كان في الكوفة وهو مقره الأخير، الذي كان يستقر فيه،
ويعيش فيه أكثر أوقاته لأنه عندما كان يأتي إلى النجف كان يأتي
للعمل، فقد كان هذا المقر مفروشاً بقطعة سجاد هي اقرب إلى
البساط منها إلى السجاد كانت ملكاً لوالدتي حصلت عليها بمناسبة
زواجها من السيد الحكيم أيضاً، وكانت هذه الزولية لا يتمكن
الإنسان أن يميز بينها وبين البساط من كثرة تآكلها، لكن كان
هذا هو فراشه الذي يستعمله، بالرغم من هذه الظروف، نجد السيد
الحكيم أنه يرى أن قضية الحوزة العلمية وقضية خط المرجعية هي
القضية الأصلية في وجوده وفي حياته.»!!!
(3) من الممكن الاطلاع على مقابلة واحدة مع السيد محمد
الحسني البغدادي أن توضح الفارق في الصراحة والجرأة، بينه وبين
غيره من «المراجع» الذين عاصروه، لكن بـ «شرط» أن تكون هذه
المقابلة ليس مع صحيفة «عراقية»، قد تقود للقيل والقال،
والرشوة والمال، بل مع صحيفة «عربية» بحيث يجب وضع «شرط» آخر
عليها و«الشرط» هو أن تكون المقابلة معه ضمن مجموعة مقابلات مع
أمثاله من «المرجعيات» لكي يأخذ الكلام طابعه العفوي
والمصداقي، ويعطي الفرصة المقارنة بين ما يمكن أن ينفرد به من
الصفات «الصراحة والجرأة هنا» عن غيره. وبناء على ذلك يمكن أن
ندرج هنا نص مقابلة من هذا القبيل أجرتها مجلة (الصياد
الأسبوعية اللبنانية) الصادرة في 18 ـ 25 / سبتمبر / 1969، مع
عدد من «المرجعيات» النجفية وهنا جزء من هذه المقابلة: «ـ عبر
الأزقة ذاتها انتقلنا لزيارة بعض أبناء المرجع الأعلى لـ
(الطائفة الشيعة) آية الله العظمى وحجة الإسلام سماحة العلامة
المجتهد الأكبر السيد محسن الحكيم. سألنا السيد محمد رضا السيد
محسن الحكيم عن لبنان الذي يحبه والذي جاءه سبع مرات من قبل
وعرف سائر نواحيه.. وسألنا عن الحكومة التي عز علينا
تشكيلها... ثم انطلق يروي لنا بعض ذكرياته اللبنانية التي تعود
بتاريخها إلى العام 1947، أيام كانت فلسطين ما تزال فلسطين.
قلت للسيد محمد رضا: ـ ترى هل يسعدنا حظنا بالسلام على سماحة
المرجع الأعلى.. قال: ـ والله، (السيد) محتجب. إنه ممتنع عن
مقابلة أي كان عدانا نحن أولاده. لقد جاء الكثير لمقابلته،
ولكنه ظل على قراره.
ـ وكيف صحته؟
ـ الحمد لله، إنه بخير حال..
ـ عساه مرتاحا..
ـ الحمد لله، ولا حمد ولا شكر لغير الله.. ونسأله
تعالى أن يهدينا سواء السبيل لمقاتلة عدونا وعدوه، ومدنس
حرماتنا، والمعتدي على ديارنا المقدسة، والمشرد نسائنا
وأطفالنا في فلسطين، وحارق المسجد الأقصى، هذا الدخيل الصهيوني
الأثيم. طرقنا على أحد البابين الخشبيين الذين كتب عليهما
بالطبشور أو ببعض أنواع الدهان اسم (الخوئي)، ففتح لنا، ودخلنا
لنغرق وسط مجموعة من طلبة العلم بينهم كهول وشبان وفتية لم
تنبت ذقونهم بعد. كان آية الله العظمى وحجة الإسلام، المرجع
الديني، سماحة السيد أبو القاسم الخوئي فوق فراشه في زاوية
الحجرة، على يسار الداخل. سلمنا وجلسنا مأخوذين بهيبة هذا
العلامة الذي تجاوز الثمانين من عمره، والذي يعتبر التالي بعد
السيد محسن الحكيم في الأهمية والفضل والعلم. سألناه عن حاله،
وعن صحته، فحمد الله وشكره، بينما تولى طلبته الكلام نيابة
عنه، إذ يتعبه الكلام.. وسألناه عن الأحوال عامة فلم يزد على
شكر الله وتمنى الهداية والخير للمسلمين، والصمود لمحاولات
الإيقاع بهم.. في الزيارة الأخيرة كان علي أن اسمع ما لا
يرضيني.. ذلك أن حجة الإسلام، آية الله العظمى، سماحة السيد
محمد الحسني البغدادي لا يجامل ولا يداري.. بادرني سماحته
هاتفا: ـ ماذا تريدون منا، انتم في لبنان؟ ماذا تريد منا صحفهم
تلك التي تردد ما يقوله راديو الأهواز من افتراءات ومحاولات
للدس والفتنة؟ لا تحاول إقناعي بان تلك الصحف إنما تدافع عن
الدين وعن رجاله.. إنها تدافع عن الاستعمار ومصالحه في
المنطقة.. لم اعلق، فهتف بي: ـ لماذا لا ترد علي؟ لماذا لا
تجيب؟ هل بوسعك أن تدافع عن موقف هذه الصحف، أو عن موقف
السلطات الرسمية في لبنان منها؟
ارتفع صوته أكثر فأكثر وهو يقول: ـ لقد عرفت أن بعض من
سمع كلامي حاول اتهامي بممالاة السلطات الحاكمة. تصور أن اهتم،
انا، بان يرضى عني هذا الحاكم أو ذاك!. وماذا تراني أريد من
الحكام، أنا المنصرف لخدمة ربي وديني؟ ظللت ساكتا أتامل الوجه
السمح رغم التجاعيد وغضون الثمانين سنة أو يزيد، حينما أكمل
سماحته فقال:
ـ إنهم لا يريدون لهذه الأمة الخير، إنهم يشيعون بين
أبنائها عوامل الفتنة وصرف أنظارها عن معركتها الأساسية على
ارض فلسطين، الم تر يمينك قبة الروضة الحسينية المطهرة سليمة
من أي أذى، الم تلتق برجال الدين فتتيقن بنفسك بأنهم يتابعون
مجهوداتهم وأعمالهم كالمعتاد، أم انك رأيت عشرات القتلى
والجرحى في الشوارع والميادين وحتى داخل المقامات المقدسة؟!
حرام، هذا الكذب. وكفر وخروج على دين الله. كل هذا بينما القدس
تحترق! ترى ماذا أصابنا حتى ضللنا طريقنا فلم نعد قادرين على
التمييز بين العدو والصديق؟ وقمنا نودع حجة الإسلام السيد
البغدادي فقال: ـ طمئنهم في لبنان أننا بألف خير، وعسى أن
يهديهم الله حتى يميزوا بين ما ينفع عباده وبين ما ينفع فقط
العدو الدخيل والمستعمر المتربص بنا. في طريق العودة كنا
نستعيد تلك (النوادر) الطريفة التي تفضل بها راديو الأهواز على
العرب والمسلمين، وأهل العراق خاصة، ومنها: حكاية (القصاب)، أو
(اللحام) الذي تحول بقدرة قادر إلى (حجة إسلام) و(مجتهد
أكبر).. ثم حكاية (رشيد السائل بباب الروضة الحيدرية المطهرة)
ولقد صار فجأة آية الله العظمى، وصار مرضه تجسيد الاعتداءات
(الحكم الغاشم في العراق) على الشيعة وعلى العتبات المقدسة.
ويبدو أننا يجب أن نحاكم كل تلك الأقوال، على أنها نوادر
وطرائف وأعمال سحرة... فعندها فقط تستقيم الأمور، ونصبح قادرين
على إصدار الأحكام الصحيحة، حتى لو أغرتنا بعكسها مناشير الليل
وكتابات النهار وإذاعات ما بينهما!».
|