أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

عادل رؤوف ... ظاهرة ثقافية وفكرية مميزة وفريدة قراءة أولية في كتابه الأخير  «أنبياء وأصنام» الحلقة السابعة

 

بعد الصدرين ...

ماذا ابقينا من رموز للشهادة

 

 

 

أود في البداية ان التمس العذر من القراء الكرام لتأخري في كتابة هذه الحلقة ما يزيد عن ثلاثة أسابيع عن موعدها المقرر، وقد جاء ذلك التأخير لظروف قاهرة مرت بي.

المفكر والكاتب العراقي عادل رؤوف تعرض للكثير من الاتهامات من خصومه وبعض الحاقدين على عمقه المعرفي اياً كان اتجاهه او لونه، فمنهم من اتهمه بالهوس بموضوع «الحوزة» وكأنهم يريد ابلاغنا بأن«الحوزة» هي موضوع يخص فقط (المؤسسة الدينية) والمهتمين بها حصراً، وهو امر ثانوي وغير ذي بال في الشأن الإسلامي العام أو الشأن العراقي بشكل خاص، ولا نعلم هل ان رأيهم هذا لا زال كما هو بعد ان شاهدوا ولمسوا وخبروا بأنفسهم ما قامت به هذه «الحوزة» في حاضنتها النجفية بمهادنة الإحتلال، بل وموالاتها له في الكثير من المحطات، وتعطيلها لأحد أهم أركان الاسلام وهو الجهاد من اجل عيون المحتل وأعوانه المحليين وحلفاء «الحوزة» الإقليميين. ونفس الشيء يمكن أن يقال على الجناح الآخر لـ «الحوزة» ونقصد هنا الحاضنة «القمية» فهي تتحمل من اللوم ما تستحقه نظيرتها «النجفية» فهي لم تتصدى لموضوع الجهاد او مقاومة المحتل الأمريكي في العراق وهي حتى لم تعارض «الحوزة النجفية» في سلوكها الغريب عن القيم الاسلامية بمنظورها العلوي-الحسيني. ولا نعلم هل ان رأيهم هذا لا زال كما هو بعد ان شاهدوا ولمسوا وخبروا بأنفسهم ما قمت به هذه «الحوزة»  ، ولا نعلم هل سيكون هذا هو رأيها أو موقفها «المهادن» إذا ما إجتاحت قوى الاستكبار الانكلو-صهيوني ايران وفتكت بشعبها وأذلت مواطنيها ودمرت بناها التحتية وقامت بتفتيت وتقسيم شعبها وتحويلها الى ملل ونحل وطوائف واثنيات واعراق متناحرة كل يسعى لنهب ما يستطيع من الغنائم وكأنهم في حرب لا تنتهي مع الذات والوجود؟. لا يمكن لأي عاقل ان يفهم لماذا قامت الاحزاب التي تحالفت مع «الحوزة» بتلك الحرب الشعواء على المواطن العراقي البسيط واخترعت في تعذيبه كل تلك الوسائل الإجرامية الرهيبة من ثقب الأجساد والرؤوس بالمثاقب الكهربائية وسواه مما لا يخطر في بال الشيطان بنفسه، وسنت تلك السنة السيئة في القتل على الهوية أو على الإسم، والإغتيال غدراً والتعذيب حتى الموت، ورمي الجثث في الشوارع ومكبات النفايات. أي مذهب يمكن ان يسوغ ذلك؟، بل أي مذهب أو دين أو فكر ديني أو دنيوي يمكن أن يبرر لتلك المجزرة التي حدثت في العراق منذ 2003 وحتى الآن، وكيف يمكن فوق ذلك كله ان تقول هذه «الحوزة» بأنها لا تجد من وسيلة لرد هذا الظلم العظيم الذي حل بالعراق سوى أن نقوم بمقاومته «سياسياً»، وتفتي بكفر من لا يشارك بالانتخابات التي تجري تحت رعاية المحتل الكافر، ولا تفتي بجهاده ومقاومته بالسلاح بل هي تستكين «وادعة» بحماية دبابات الشيطان الأكبر.

لا يمكننا أن نتخيل (مجرد تخيل) ان يأتي من يلوم عادل رؤوف وهو يتصدى لموضوع «الحوزة»، بعد ان علمنا كل ما علمناه من دورها في تعطيل دور الإسلام بمفهومه الحركي المندك في عمق مشاكل الناس وحركة الشعوب الإسلامية وتوقها الى الإنعتاق والحرية، المتناسيةً النموذج الثوري الحسيني، بل والمتجاهلة لنموذج إستشهاد الحسين (ع) وتحويله من علامة تاريخية فارقة الى مجرد مناسبات سنوية  «عاشورائية»، وشعائر احتفالية، جنائزية، بعد ان شابها الكثير من المظاهر الوثنية في مفرداتها «الطقوسية» ولا قيمة مبدئية حقيقية فيها في اعادة استذكار تلك الملحمة الإستشهادية. ولصبحت تقتصر على اللطم والتطبير والبكائيات بدلاً من أن تستغل تلك المناسبات لإستذكار الإضافة القيمية والتي اغنتنا بها الثورة الخالدة للإمام الحسين (ع)، وأثرها العميق على مسيرة الإسلام والبشرية على وجه العموم. لقد علمنا ايضاً من خلال كتابات رؤوف كيف تعاملت نفس تلك «الحوزة» النجفية، مع نماذج من العلماء المجددين ومن الحركيين واصحاب الفكر الرسالي، منذ ثورة العشرين وما قبلها ووصولاً الى اللحظة الراهنة، مع بعض الإستثناءات النادرة والتي طمست بشدة وكأنها لم تكن. لذا لم نعد «نستغرب» ما فعلته نفس تلك الحوزة في تعاملها مع «واقع» الاحتلال.

اذن نحن نقول انه إذا كان عادل رؤوف يصنف من قبل البعض على انه «مهووس» بالشأن الحوزوي فنحن نقول بأن هذا «الهوس» هو الذي اضاء لنا الطريق بتلك «المقدمات»، وهي التي زودتنا بفهم افضل للواقع «الحوزوي»، بل وجعلتنا اكثر قدرة على فهم الأسباب، وبغض النظر عن قبولنا أو رفضنا لها. وكذلك في منحنا إمكانية، ولو نظرياً، لـ «توقع» سلوك هذه «الحوزة» إتجاه الأمور المصيرية بالنسبة للأمة وللإسلام عموماً.

اما «المأخذ» الثاني الذي يسجلونه على كتابات عادل رؤوف هو ولاؤه الفكري وإعجابه الشديد بفكر ومنهج وسيرة الصدر الأول إلى حد (التعصب)حسب قولهم، بل يأخذون عليه إعتباره (اي محمد باقر الصدر)، كنموذجاً إستشهادياً رسالياً، لم تتمكن «الحوزة» التي خذلته وحاصرته ان تجود بشبيه له على مدى قرون طويلة من تاريخها الطويل، وهو (أي رؤوف) مقتنع أيضاً بأنه ربما من الصعب ان تلد «الحوزة» شبيهاً به في المستقبل المنظور.

ورغم إعجابنا الشخصي بالنتاج الفكري للمفكر (عادل رؤوف) وطروحاته، إلا اننا قد نختلف معه في هذا التقييم أو لنقل بشكل أدق اننا قد لا نتطابق معه تماماً فيما يذهب اليه.

واذا كان الصدر الأول قد اختار طريق المواجهة المكشوفة مع «نظام» حاصره وسجنه ثم أعدمه من جهة، ومن الجهة الاخرى اختار المواجهة المحسوبة والصامتة والحتمية (بحكم الارتباط المرجعي والمكاني) مع «حوزة» تجاهلته وحاصرته وتركته وحيداً يواجه مصيره المحتوم.

لكن مما لا شك فيه أن هناك العشرات وربما المئات سواه، قد استشهدوا (غيلةً) و(كمداً)، ايأ كان قاتلهم سواء كان النظام ام «الحوزة»، أو حتى لو كانت الحاضنة المجتمعية لهم. وان كنا لم نسمع بهم او لا نعلم بتفاصيل ما عانوه، فذلك ربما يكون بسبب قصورنا في تقصي أخبارهم وحياتهم ونهايتهم.

ان لكل فكر شهداؤه، ولكل قبيلة ابطالها، ولكل شعب رموزه وأعلامه. ومعرفتنا الواسعة بتفاصيل حياة واستشهاد رمز ما، مهما عظم، لا ينبغي ان تنسينا الآخرين، كما لا يجب أن تحرم الشعب من استذكار كافة شهداؤه وإيفائهم حقهم. ومن جهة اخرى ينبغي ان يكون طيف الضوء «المعرفي» الذي نسلطه كمثقفين، الا يكون احادياً أو مستقطباً بإتجاه واحد.

نفس المنطق يمكن ان نحتكم اليه في موضوع الصدر الثاني (اي محمد محمد صادق الصدر)، كظاهرة اكتسبت اهميتها من خلال تصديه الابرز لموضوع صلاة الجمعة التي احيا اقامتها بعد ان عطلت لقرون طويلة، وتحولها الى ما  اجتماع سياسي اسبوعي غير مرغوب به سواءاً من جهة «السلطة» أو من جهة «الحوزة التقليدية» التي اربكها هذا المتغير الكبير على الساحة «الحوزوية» التي اعتادت على صمت القبور.

ورغم نجاح الصدر (الثاني) في وضع بصمته المميزة على الساحة على مستوى الممارسة الميدانية، الا انه لم يؤسس (من وجهة نظرنا المتواضعة) بشكل متماسك معول عليه، لفترة ما بعد رحيله، فالتيار الصدري الذي تشكل واصبح ظاهرة جماهيرية مليونية في حينها شكلت فيها عوامل كثيرة مثل (الأعلمية) و(الإجتهاد) و(الكاريزما) التي يمتلكها الصدر الثاني ركناً أساسياً وربما سبباً مهماً في انتشارها، استكان هذا التيار بعد مقتله وأصبح «ظاهرة عاطفية» صامتة لا فعل ميداني لها رغم وجود بعض الحراك تحت السطح. اما بعد الإحتلال فأصبحت «ظاهرة عاطفية» ناطقة ولها صوت مدوي، بل ربما تكون الاوسع جماهيرياً في المشهد العراقي، الا انها ارتبطت ولاسباب (اصبحت معلومة) بقيادة (غضة ونصف اميه) لا تمتلك من مقومات (القيادة) لتلك الملايين غير المتجانسة الا ما (ورثته) بحكم الاقدار التي جعلت من القائد (الجديد) ابناً للقائد (الراحل)، فكان الاداء السياسي متذبذباً ومحيراً في الكثير من محطاته البارزة بدءاً من مقاومته المسلحة للمحتل وإنتهاءاً بمهادنته وإلقاءه للسلاح (المقاوم) بل وبيعه له. متحولاً من مساندة ودعم المقاومة المسلحة في الفلوجة في معركتها الأولى في نيسان 2004 رغم انها (سنية) المذهب، الى الإنحراف والتحول الى أداة بيد اجهزة مخابراتية اقليمية واحزاب تابعة وعميلة لها لتنفيذ صفحة الإقتتال الطائفي والذبح على الهوية بكل فظاعاتها وبشاعة صفحاتها. ثم التحول من رفض للاحتلال ورفع شعار (كلا ... كلا ... للمحتل) الى المشاركة الفاعلة في (العملية السياسية) التي صممها واشرف عليها الاحتلال. من علاقة متوترة مع «حوزة صامتة» صمتت على مقتل ابيه الى تسليم مرقد الامام علي بعد معركة النجف الأولى ورد امر حل جيش (المهدي) الى نفس تلك «الحوزة الصامتة» والحاضرة بمعظم «رموزها الحوزوية» الصامتة. وتفاصيل كثيرة من هذا القبيل تؤكد جميعها على ان هذا الإداء الغريب لا يمكن ان يصدر عن قيادة (ناضجة) لديها مثل هذا الرصيد الجماهيري (المليوني) أو يمكن ان يبشر حتى بإمكانية ان تنضج هذه «القيادة» في يوماً ما.

وبالعودة الى رأي الكاتب عادل رؤوف في ظاهرة الصدر الثاني نقول ان أي ظاهرة كبيرة ومؤثرة على الصعيد الحركي الإسلامي لا تأخذ في الاعتبار ازمة القيادة في مرحلة ما بعد قيادة الرمز-المؤسس فأنها تحمل بين ثناياها عوامل ضمورها وفنائها أو إنحرافها لاحقاً. وهذه القاعدة عامة تقريباً الا من بعض الاستثناءات النادرة.وفي رأينا المتواضع نعتقد ان زمن الحركة-الشخص قد اصبح نموذج يصعب وجوده أو تطبيقه في الوقت الحاضر.  

وبالتأكيد فان موضوع (الصدرين) كما يقدمهما عادل رؤوف في كتاباته يحتاج الى نقاش مستفيض وله مبحثه المستقل والذي يفترض ان يشمل كل النتاج الفكري للكاتب عادل رؤوف وليس فقط كتاب «انبياء وأصنام»، لذا سوف نؤجله الى مناسبة اخرى إن شاء الله.

رعد الجبوري

كاتب ومحلل سياسي مستقل

29-7-2009م

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2010
©