أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

عادل رؤوف ... ظاهرة ثقافية وفكرية مميزة وفريدة - قراءة أولية في كتابه الأخير  "أنبياء وأصنام" - الحلقة الأولى

تمهيد

 

رعد الجبوري

كاتب ومحلل سياسي مستقل

23-5-2009

 

كم كنت اتمنى وانا أقرا كتبه أن اتمكن من الاطلاع عليها فور صدورها كي يتسنى لي أن اكتب عنها دراسة أو اسلط الضوء عليها أو احاول (ولو مجرد محاولة) شرح فهمي المتواضع لما جاء فيها. والحمد لله فقد كنت محظوظاً هذه المرة واستطعت الحصول على كتاب المفكر العراقي الكبير عادل رؤوف "أنبياء وأصنام" فور صدوره. وعلى الرغم من مشاغلي الشخصية لم يهدأ لي بال حتى أنهيت قراءته لأول مرة خلال اسبوع من حصولي عليه. وها انا اليوم اعيد قراءته من جديد كي اعيد التفكر بما جاء فيه بعمق واحاول أن احلل مضامينه قدر ما يتيسر لي من ادوات معرفية ومرتكزات ورؤى ثقافية وفكرية.

 

عادل رؤوف كاتب عراقي كان مجهولاً تماماً بالنسبة لي، مع الأسف الشديد، حتى اهداني صديق مشترك لكلينا، جزاه الله كل الخير، كتابه الرائع "عراق بلا قيادة" في خريف العام 2006. ومنذ قرأته وانا من أشد الناس حرصاً على قراءة كل ما أمكنني الحصول عليه من نتاجه الفكري، والذي كنت احصل عليه دائماً متأخراً بسنوات طويلة من تاريخ صدوره كما قلت، للأسف الشديد. فتبقى في نفسي حسرة مزمنة على ما فاتني من معارف وتحليلات وأسرار ورؤى فكرية. وكنت محظوظاً من جديد وتعرفت عليه شخصياً بالصدفة بعدها بأشهر قليلة.

 

عادل رؤوف نوع متميز جداً من المثقفين أو المفكرين أو الكتاب الإسلاميين، تصيبك الحيرة في تصنيفه فلا يمكنك الجزم أي واحداً منهم هو، فهو اكبر من اي قالب توصيفي يمكن ان يخطر ببالك، وربما يكون مزيجاً منهم جميعاً.

 

عادل رؤوف حين يصدر كتاباً جديداً فإنه يتربع على قمة فكرية لا يتزحزح عنها الا ليتربع على قمة مثلها أو اعلى منها متمثلة بكتابه الجديد التالي. فتراه وكأنه عملاق فكري لا يعرف الحركة إلا لكي ينتقل من قمة إلى اخرى.

 

عادل رؤوف ليس رجل دين بالمعنى المهني أو الوظيفي لكنه عندما يكتب عن فهمه للدين الإسلامي أو المؤسسات الدينية والمذهبية، فانك تتمنى أن يمتلك فهمه ولو 1% (واحد بالمائة) من الكتاب الإسلاميين، أو إن شئت من المثقفين المتدينين بل وحتى من المعممين. وإن كتب عن طائفته فإنه يتناول ذلك بموضوعيته وحرفيته العالية المعروفة والناقدة بشدة لكل ما يسيء اليها، والرافض لكل ما شابها من خرافات وأباطيل وانحرافات، ويجعلك تتمنى على الله ان يمن على لكل دين أو طائفة أو مذهب أو أثنية في العراق بكاتب مثله.     

 

عادل رؤوف كاتب يجعلك تقرأ كتبه وانت متقطع الانفاس لاهثاً بين سطورها، ويرغمك على إعادة ما تقرأ كي تحاول أن تتبع المنطلقات المعرفية والفكرية التي يطرحها، أو الاسرار والوثائق التي يوظفها في نصوصه. أو المفردات التي يبرع بنحتها وصياغتها الى حد الإعجاز (البشري طبعاً).

 

عادل رؤوف هو من الصنف النادر من الكتاب والمفكرين الذين يمتلكون القدرة والموهبة لإختراع المصطلح وتطويع الكلمات وتكثيف المعنى وبغزارة يصعب عليك أحياناً حتى مجاراتها ولو قراءةً. فهو لا يتحفنا بكل كتاب أو في كل فصل بمصطلح جديد، بل إنك قد تجد في كل صفحة وربما في كل سطر فيها مصطلح جديد، ولا نقصد بالمصطلح هنا مجرد كلمة أو بضع كلمات تختزل صورة معينة بكثافة معرفية هائلة، بل انه سوف يصعب عليك جداً حتى مجرد محاولة ايجاد بديل لها أو نظير لها. وأحياناً تشعر انه (أي عادل رؤوف) لم يترك حيزاً أو فسحة لمن بعده كي يضيف شيئاً ذا قيمة. انه كاتب السهل الممتنع،  الذي تذكرني كتاباته دوماً بقول أبو الطيب المتنبي:

وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ

أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا

 

عادل رؤوف كاتب وثائقي يصعب ان تقرأ له دون أن تنحاز له ربما الى حد التعصب، منصف الى الدرجة التي لا يمكنك ان تتتبع ارائه وتلاحق افكاره من دون ان تحني له رأسك احتراماً لموضوعيته.

 

عادل رؤوف لا يمكن وصفه الا بذاته (أي عادل رؤوف). وقد يقول بعض الأخوة، ممن نكن لهم كل الإحترام،  بأنه يشبه (علي شريعتي) في إيران في وجه من الوجوه أو جانب من الجوانب ربما لتقريب الصورة الى ذهن المستمع ليس إلا. ومن وجهة نظري فإنه لا ينبغي لنا أن نقول عنه أنه (شريعتي) العراق فذلك ربما فيه ظلماً لهما معاً، فلكل منهم خصوصيته و(نكهته) الفكرية واجتهاده المعرفي، فلإيران (شريعتيـها) وللعراق (رؤوفه). فهو يتميز عنه بأنه إبن العراق الوفي وعاشقه المتيم بترابه والذي يحترق كل يوم الف مرة عندما تهدر قطرة دم عراقية أو يصاب اهلنا في العراق بألم أو ضر. وهو المؤمن بلا حدود بأن العراق هو مركز الكون (أو واحد من أهم مراكزه على اقل تقدير) منذ أن خلق الله آدم (عليه السلام) وهبط به الى الأرض، وحتى يرثها بمن عليها.

 

عادل رؤوف يفاجئك وانت تقرأ كتبه، بألا تفرح كثيراً بما بين يديك فإن لديه دائماً ما هو جديد. وعليك أن تتحمل ألم انتظاره. فلديه خزين وثائقي ومعرفي وفكري ينتظر الإنجاز في كتاب أو كتب أخرى، فلا تعلم هل ينبغي عليك ان تقنع بما بين يديك من نتاجه الفكري، أم عليك دوماً ان تبقى متلهفاً بإنتظار ما سيتحفك به لاحقاً، وتدعو الله ان يعجل بتحويل تلك المخطوطة (أو المخطوطات) الى كتاب يجد طريقه الى  الطباعة والنشر باسرع ما يمكن.  

 

عادل رؤوف رجلُ صادق مع ذاته ولا يحاول ان يخفي إعجابه وإنبهاره الشديد بشخصية وسيرة الصدرين (محمد باقر ومحمد محمد صادق) ويعتبر موتهما نموذجاً للشهادة التي لا ينالها الا القلة من الرساليين على مدى التاريخ. فهو منحاز لقمة فكرية وحركية تمثلت بالصدر الأول، وقيادة ميدانية تمثلت بالصدر الثاني. ويعلن انحيازه هذا بكل قوة، فلا يخاف ولا يجامل من يخالفه هذا (المعتقد) حتى لو كان من (كبار) رموز الحوزة. ولن يغفر أبداً لمن أساء لذكراهما أو تخلى عنهما أو حاربهما، حتى لو كانت وسيلته في ذلك الصمت (الصنمي-الحجري). 

 

عادل رؤوف لديه من الجرأة والشجاعة ما يمكنه من قول كلمة الحق ويتناول بموضوعية شديدة ما أسماه (الاهداف المشتركة البوشيية-السيستانية)، في الوقت الذي عجز عن فعل ذلك كثير من رجال الدين والقادة والرموز الثورية أو غيرها، حتى من كان منهم يمتلك كامل الجرأة والقوة والإيمان اللازم لمقارعة اكبر طواغيت هذا العصر (أمريكا وإسرائيل) بكل جيوشها وقوتها، ولكنه لا يجرؤ أن يقول ربع أو عشر ما قاله عادل رؤوف، حتى لو انه كان من المقتنعين به في دواخله.

 

من غير عادل رؤوف يمتلك ما يكفي من الجرأة كي يقول بأعلى صوته وبكل موضوعية ان الفرق العددي بين العراقيين الشيعة والسنة العرب هو بين 5-7% فقط، فنسف بذلك القواعد التي قامت عليها كل الإدعاءات بالكثرة العددية و(الاغلبية) التي تأسست بموجبها العملية السياسية ومحاصصتها الكريهة، وما جرته على العراق من ويلات.   

 

عادل رؤوف كاتب ومفكر لا يعاني من (انفصام) فكري، أو من تشوه وتلوث معرفي، و لايعاني من انحياز (حربائي) مذهبي أو ديني أو قومي.

 

عادل رؤوف مفكر لديه من الجرأة الأدبية والشجاعة الشخصية، ما يمكنه من تسمية حوزة النجف الحالية برموزها الرباعية (الحوزة الصنمية)، والمرجعية (مرجعية قائد بلا لسان) وتسمية الطقوس التي تثقل مذهب آل البيت في عراق ما بعد الإحتلال الأمريكي بـ (الدين الصفوي) ولاحظوا انه لم يسمها (المذهب) بل (الدين) والفارق بينهما عظيم.

 

عادل رؤوف هو وحده من يدفعك (بل يستفزك) بقوة، كي تفكر وتعيد التفكير مرات ومرات بالذي يمكن ان يربط ما بين ذلك المرجع النجفي (الوحدوي) صاحب الإمكانات المادية والاعلامية الهائلة والتي (لا تتسع) جميعها مع الاسف كي يساعد أو حتى يعفي مريض عراقي في بلاد الغربة من تكاليف علاج تم في مستشفى يمتلكه ذلك (المرجع). ثم ما الذي يربط بين هذا (المرجع) وبين ذلك السياسي الإنتهازي ولص البنوك الدولي المعروف، والذي يبعث له برسالة يمتدح فيها مبعوثه (المعروف بتفانيه في (خدمة) طائفته) حسب وصفه، وهنا يحق لنا ان نسأل متى كانت خدمة الطائفة (أي طائفة) في بلدٍ ما، أو حتى (المظلومية) المزعومة التي قد تكون وقعت عليها مهما عظمت، تعني أو تبرر وتجيز التواطؤ لإستباحة البلد وتدميره من قبل الأجنبي الكافر حتى لو كان العذر والهدف السامي هو تخليص (الطائفة) من نظام (ديكتاتوري).

 

بالتأكيد فإننا مهما قلنا فسوف لن نستطيع أن نفي هذا الرجل حقه ببعض كلمات أو سطور، في زمن عزَّ فيه وجود الرجال الرجال. لن نتمكن من الاحاطة بكل منطلقاته وكل (جرعاته التأسيسية) كما أسماها. مع التأكيد بأن اعجابنا الشخصي والشديد بكتاباته لا يعني اننا سنجامله أو أنه سيكون على حساب قناعاتنا المبدئية والفكرية، وسوف لن يمنعنا بأي الأحوال من الاختلاف معه أو تحليل ما يكتبه بشكل علمي وحيادي. كما سنجتهد إن شاء الله في عرض بعض ما جاء في كتابه الأخير (أنبياء وأصنام-حوزة الأرض والوطن-حوزة الوافدين الى الوطن) بشكل موضوعي قدر الإمكان. وننشر ذلك على شكل حلقات، سائلين المولى عز وجل التوفيق والسداد. وان يعيننا على ان ننهض بجزء من هذه المهمة الكبيرة والصعبة.

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2010©