|
عادل رؤوف ... ظاهرة ثقافية وفكرية مميزة وفريدة
..
قراءة أولية في كتابه الأخير
"أنبياء
وأصنام" -
الحلقة الرابعة
جاسوسية مهدي الحكيم
بين "الإرث الخياني" العائلي والخرس الحوزوي
بسم الله الرحمن الرحيم
من ضمن الزوابع التي يثيرها كتاب
عادل رؤوف الجديد هو قراءته الجديدة لموضوع قديم مر عليه قرابة
الأربعة عقود وهو موضوع تهمة التجسس التي وجهت الى مهدي
الحكيم، نجل "المرجع" محسن الحكيم. والذي تم اغتياله لاحقاً.
فبعد أن تم في عام 1969 توجيه تهمة التجسس الى مهدي،
وهو ثالث أبناء "المرجع" محسن الحكيم، وبعدها قامت السلطة
الحاكمة في العراق حينذاك بـ "محاصرة" المرجع، ثم تم بعدها
"هروب" مهدي (أو "تهريبه" وحسب بعض الروايات). وحينها يبدو أن
"محسن الحكيم" قد شعر بالعزلة والخذلان بعد ان لمس فشل محاولات
الآخرين لحشد وإستنهاض الدعم الشعبي له لأجل القيام بعمل ما ضد
السلطة الحاكمة في بغداد. وفي عام 1970 غيب الموت "محسن
الحكيم" عن المشهد بعد ان تربع على سدة "المرجعية" لمدة 25
عاماً، وهي الفترة الممتدة من 1945 (بعد وفاة السيد ابو الحسن
الأصفهاني) حتى 1970.
ان موضوع جاسوسية مهدي الحكيم على اهميته لم يتم، مع
الأسف، قراءته من قبل الكتاب والباحثين بموضوعية وحيادية يمكن
ان تتجاوز أطر الإختلاف الطائفي بين النظام السياسي الحاكم في
بغداد آنذاك وبين الحوزة التي يتربع على قمة هرمها محسن
الحكيم. أو تتجاوز الاستقطاب الإقليمي الحاد بين الدول العربية
وإيران الشاه ودور محسن الحكيم في دعم نظام الشاه. فمن الثابت
تاريخياً أن مرجعية محسن الحكيم كانت المرجعية الأكثر قرباً من
شاه إيران على عكس المراجع في حوزة قم الإيرانية أصلاً، والتي
أخذت على العموم موقفاً مناهضاً من الشاه وصل في بعض الأحيان
الى حد التصادم في عدة محطات.
ولعل قرب "مرجعية" الحكيم الى شاه إيران كان ينم عن
سلوك "إرتزاقي" في بعض الأحيان وكان "تبريري" و"ذيلي" في معظم
الأحيان. وذلك من خلال مقولة ان نظام الشاه هو المدافع الوحيد
عن شيعة العالم وهو حصنهم الحصين والوحيد. وبعد سقوط نظام
الشاه فقد ذهب بعضهم الى أكثر من ذلك من أمثال الشيخ اسحق
الفياض و"المرجع" محمد روحاني حيث صرحوا في أكثر من مناسبة بأن
سقوط نظام الشاه كان السبب في سقوط الدور الشيعي الفاعل في
العالم، واصبح الشيعة غير مؤثرين بعد الثورة في إيران. ويلومون
السيد الخميني على ذلك.
وبالعودة الى موضوعنا الأساسي نقول يبدو ان قدر هذه
العائلة "الحكيمية" طوال حياتها هو في إرتهان قرارها الى
الخارج، بل أن أفراد هذه العائلة لم يجدوا أي غضاضة أو حرج في
تحويل ولائهم من الشاه إلى الخميني ثم استبدال الولاء بعد
سنوات من الخميني الى المخابرات الأمريكية. وعلى الرغم من ذلك
التاريخ الطويل من العداء بين الخميني ومحسن الحكيم، الذي حاصر
وعزل الخميني "حوزوياً" لصالح نظام الشاه طيلة إقامته في
النجف. وعلى الرغم أيضاً من مقت "محمد باقر الحكيم" الشديد
للخميني نفسه وجماعته، كما عبر عن ذلك في رسالته الى السيد
محمد مهدي شمس الدين رحمه الله.(انظر
هكذا تكلم احمد الحسني البغدادي – الجزء الرابع تأصيل معرفي
بين الثورية واللاثورية – إعداد حامد القريشي)
ص138-140
حيث يقول بالنص:
"وبالنسبة إلى الخميني،
فإن موقف جماعته
مضر بالعمل فعلا ضررا بليغاً،
فهم يسيرون
باتجاه الجبهة الوطنية الإيرانية ومقرراتها فعلاً،
وهي ترى أنه لا
يجوز معارضة العراق،
أو الطعن فيه،
لأن ذلك يؤدي
إلى تاييد الشاه من ناحية،
وإضعاف الجبهة
الشرقية من ناحية أخرى،
إذ يعتقدون،
أو يتظاهرون
بالاعتقاد أن العنصر الرئيسي بالجبهة الشرقية هو العراق،
وهذا الموقف
واضح منهم ومشبوه أيضاً لعدة قرائن منها: اجتماع نجل الخميني
بالبكر أيام شدة المحنة،
وهم مصرون عليه،
ولو أدى إلى
القضاء على حوزة النجف فقط!!.."
وفي محطة لاحقة
عادت نفس الأسرة "الحكيمية" لتجعل ولائها، كما أسلفنا، بين يدي
الإدارة الأمريكية ومخابراتها بعد عام 1991، ومن دون ان تقطع
حبلها السري مع الجمهورية الإسلامية في مرحلة ما بعد الخميني،
ونكرر هنا "مرحلة مابعد خميني". واجتهدت في "اكتشاف" المبرر
الشرعي (حسب وجهة نظرها) لذلك الإنحراف الجوهري بتعاملها
المباشر مع "الشيطان الأكبر"، وأصبح خطابها "تبريري" يتبني هدف
نبيل وانساني في ظاهره، وهو "تخليص" العراق من "الديكتاتورية"
الصدامية حسب وصفها، أو في التباكي على "المظلومية" التاريخية
للطائفة.
ولعل من المفيد هنا التذكير بما كتبه (سامي فرج علي)
في مقاله الشهير في صحيفة المسار بتاريخ
30/1/1986 (انظر النص الكامل للمقال
والمنشور على الصفحات (141-149) من كتاب هكذا تكلم
احمد الحسني البغدادي – الجزء الرابع تأصيل معرفي بين الثورية
واللاثورية – إعداد حامد القريشي) والصادر في آيار 2009م. حيث
يقول (سامي فرج علي):
"مهدي
الحكيم غادر العراق هاربا واستقر به المقام في عاصمة الشاه،
ونزل في واحد من
قصوره، وتمتع بأمواله،
ونسق مع رئيس
جهاز السافاك نصيري،
وكان معه مجموعة
من السياسيين العراقيين لا نريد ذكر أسمائهم وإن قلنا إن سعد
صالح جبر هو أحدهم،
وحتى الدكتور
خليل الطباطبائي صاحب الدور البارز في رابطة السيد مهدي
الشيعية العالمية كان من العاملين في المستشفى الإيراني الملكي
في دبي،
ولو كان السيد
خليل من المعادين للشاه لما سمح له بالعمل في هذا المستشفى."
وعلى الرغم من إن كل الدلائل والوثائق وشهادات الشهود
ممن عاصروا هذا الموضوع عن قرب تشير إلى إن اتهام مهدي الحكيم
بالتجسس لم يكن اتهاماً ظالماً، او بعيداً عن حقائق الأمور.
فان الجدل الذي اثير في حينها حول ما إذا كان مهدي الحكيم
جاسوساً أم لا؟، قد تجاوز في رأينا مضمون الإتهام، فالكل في
النهاية يجمع على صحة الإتهام. ولكن البعض يركز على الناحية
الشكلية ويقوم بتناول الموضوع من خلال هوامشه ويحاول صرف
الأنظار عن الجوهر والأصل، ويسعى الى ذلك من خلال إثارة وتحريض
البسطاء من ابناء (الطائفة)، بإثارة كوامن "العصبية" المذهبية
والإلهاء بإمور ثانوية الى حدٍ كبير. مثل إستخدام ذريعة
(الحفاظ على مقام المرجعية)، والقول بأنه ينبغي عدم السكوت على
اتهام ابن المرجع بالجاسوسية، لأنهم يعلمون تماماً بأن العمالة
والجاسوسية هي التهمة الأسوء في العقل الجمعي للمجتمع العراقي.
أو بحجة اخرى وهي بأنه: يجب الا تسمح "الطائفة" للسلطة الحاكمة
(وهي محسوبة على طائفة أخرى) بتشويه صورة مرجعها وعائلته
وأبنائه. أو إثارة جدلية السؤال حول لماذا ومتى صرح السيد محمد
الحسني البغدادي بوجوب اعدام الجواسيس باعتبارهم من المفسدين
في الأرض؟. وهل ان الفتوى كانت قد صدرت فعلاً قبل اتهام مهدي
الحكيم بثلاثة أشهر وتم بثها لاحقاً في الإذاعة بطريقة "كيدية"
"توريطية" أم لا؟.
إشكاليات واسئلة كثيرة اثيرت في حينها وبعدها، ولا
زالت حاضرة حتى الآن. ولكننا وبدل ان نغوص أكثر في تفاصيل
موضوع جاسوسية "مهدي الحكيم"، ننتقل إلى سؤال جوهري أساسي ومهم
وينبغي البحث إبتداءاً عن إجابة له وهو: هل يفترض بالمرجع
"محسن الحكيم" ان يقبل أموالاً من شاه إيران وهو (أي الشاه)
عميل معروف للإستخبارات الأمريكية؟. أو البحث في مدى "نظافة"
هذا المال وفق المنظور الشرعي؟. وحول علاقة "المرجع الحكيم"
بالشاه، وبحسب ما كتبه (سامي فرج علي) في مقالته التي أشرنا
اليها سابقاً:
"إن علاقة السيد الحكيم بشاه
إيران السابق مسألة لا تقبل الشك، أو الطعن، وهذه المسألة
متروكة للباحثين الذين يدرسون مراحل التاريخ المختلفة، وتعلل
الأسباب بمسبباتها، وكانت (...) مصلحة في مثل هذه العلاقة،
و(...) لمواجهة
حركة علماء الدين المجاهدين، وعلى رأسهم الامام الخميني"
أو قوله في موضع آخر من نفس المقالة :
"إن علاقة الإمام الحكيم بشاه إيران من الأمور التي لا
تنكر وأن في حوزة وزير الأمن والمعلومات الإيرانية حجة الإسلام
ري شهري وثائق وصور ورسائل تثبت هذا وغيره لمن يريدون الاطلاع،
أو معرفة حقائق الأمور"
ويمكننا ان نسأل بكل ثقة بانه لو كان المال الممنوح لـ
"المرجع" من الشاه المقبور "نظيفاً"، فلماذا لم يقبل به في
حينها أيً من المراجع المشهود لهم بالإستقامة والزهد والثورية
من أمثال آية الله السيد محمد الحسني البغدادي وأقرانه من
العلماء الاعلام في النجف، ناهيك عن أقرانهم في حوزة قم؟ !!
كما سبق لهم ولنظرائهم أن رفضوا أموال وقفية "أودة" الهندية
وكل الأموال المشبوهة الأخرى.
ويمكننا ايضاً ان ننتقل بالسؤال الى مستوى مختلف وهو
لماذا لا يثير ارتباط المرجع "محسن الحكيم" بتلك العلاقة
المتينة مع الشاه (وهو عميل معروف للمخابرات الأمريكية)؟،
وكذلك قبوله (أي محسن الحكيم) للأموال الممنوحة إستنكاراً من
أحد؟. ولكن حين يتهم ابنه بالعمالة (إلى نفس المخابرات
الأمريكية) مباشرة أو بإستجدائه للأموال من (نفس الشاه) يثير
ذلك علامات الإستغراب لدى البعض؟. اليس القبول بـ (الوكيل)
يعني اننا بالأساس قد قبلنا بـ (الأصيل)؟.
ولابد هنا من أن نشير للوثيقة المكتوبة بخط يد "مهدي
الحكيم" ويستعطف (أو على الأصح يستجدي) فيها شاه إيران لمنحه
دار سكن في طهران وذلك بعد هروبه من العراق ووفاة والده بعام.
(انظر كتاب عادل رؤوف - محمد باقر الصدر بين دكتاتوريتين -
ملحق رقم (34) الصفحات 512-514).
من جهة اخرى فإننا نرى إن تجدد علاقة التعاون بين ذات
المخابرات (أي المخابرات الأمريكية) مع افراد من نفس العائلة
لاحقاً (وتحديداً بعد عام 1991) ووصولاً الى التآمر وإحتلال
العراق وتدميره في 2003 وما بعده. ونقصد تحديداً ذلك التنسيق
المعروف والمعلن الذي تم بين المخابرات الأمريكية من جهة، وبين
(محمد باقر) و(عبد العزيز) من الجهة الأخرى وهما أبناء لنفس
"المرجع" وأشقاء لنفس المتهم بالتجسس (أي مهدي)، نقول أننا نجد
في هذه العلاقة المتجددة وهذا التنسيق ما يثبت ربما وجهة نظرنا
المتواضعة، وهي اننا لا نعتقد بان هذا الأمر منقطعاً أو أتى
مصادفة، ولكنه أقرب ما يكون إلى مسألة جينات متوارثة. ولعل ما
يشاع حالياً عن ارتباطات (عمار) نجل (عبد العزيز الحكيم) مع
دوائر إستخبارية صهيونية، لا يشكل لنا مفاجأة أو يسبب لنا
صدمة، بل انه يتماهى تماماً مع الصورة الحقيقية لمن سبقوه من
عائلته على هذا الطريق المخزي.
ومن المفيد ان نعيد التذكير للمرة الأخيرة ببعض ما
كتبه (سامي فرج علي) في مقالته المشار اليها، مخاطباً مهدي
الحكيم (وكان حياً يرزق في حينه) حيث قال له موبخاً:
"ونأتي للابن الثالث للإمام
الحكيم وهو السيد مهدي الذي يقيم في لندن, ونقول له: متى ترتفع
إلى دم الأبرياء من شهداء عائلتك الكريمة ؟ ومتى تدرك أن
الرهان لا يقوم على حثالات حلف بغداد وأذناب إسرائيل، وإنما
الرهان هو على الأجيال الجديدة، وعطائها المبتكر، الرهان
الحقيقي هو على الصحوة الإسلامية والوطنية المباركة ورموزها من
تنظيمات وأحزاب وجماعات، ومن ثم فإن رهانكم على الرابطة
الطائفية التي تمولها الدوائر (...) ومن يرتبطون بها من الأسر
المالية هي قصة بالية، وإذا كانت هي اليوم مربحة من الناحية
المالية فإنها خدمة جليلة لأعداء الإسلام،
والشعب العراقي،
وذلك لأنها تؤدي عملياً إلى تعميق الانقسام في صفوف المسلمين،
وتسيء إلى وحدة الشعب العراقي الوطنية"
سبحان الله
ما أشبه عقد الثمانينات بما تلاه من عقد التسعينات،
والذي اوصلنا لما نعيشه في هذه الأيام والسنوات العجاف. أو ليس
هذا ما فعله شقيقاه (محمد باقر) و(عبد العزيز) بعد حوالي خمسة
سنوات من كتابة ذلك المقال، وأكملا مشواره الخياني، بل
وبإستخدام نفس الأدوات الملوثة والمتمثلة باشخاص من (الأسر
المالية) و(الرابطة الطائفية التي تمولها الدوائر الإستخبارية
الدولية).
وبالعودة
لما أثاره عادل رؤوف في كتابه وتحليله لموضوع التصريح الإذاعي
للسيد محمد الحسني البغدادي عن "الجواسيس"بشكل عام، فإن رأينا
هو ان المفكر عادل رؤوف قد أصاب باستنتاجه بأن السيد محمد
الحسني البغدادي لم يشأ أن يصدر توضيحاً حول اسبقية تصريحه
الإذاعي (من الناحية الزمنية) على اتهام مهدي الحكيم بثلاثة
أشهر، على الارجح لكي لا يفسر توضيحه بأنه منح مهدي الحكيم "صك
براءة" من تلك التهمة. أو ربما لكي لا يبدو (التوضيح) وكأنه
نوع من "تضامن" ما مع "مرجعية" ارتبطت دائماً بالشاه بأوثق
العرى.وعدا عن
ذلك
فان "المرجع" محسن الحكيم
ذاته لم يتصدى
للدفاع عن إبنه.
وما عدا عبارة "السكوت علامة الرضا" التي جعلها عادل
رؤوف كعنوان لفقرة أساسية، لعل السيد محمد الحسني البغدادي قد
قال في نفسه في حينها اضافة اليها عبارة اخرى معبرة عن الواقع
وهي "بأسهم بينهم شديد". ليس من باب التشفي معاذ الله، فسيرته
تنبي بأنه كان أكرم من ذلك، ولكن يمكن ان يقول ذلك في نفسه كرد
فعل عفوي لواقع حال رأه يحدث أمامه بتدبير من القدر بالضد من
"المرجعية الحكيمية". وهو يرى بعينه ويلاحظ بوعيه وبصيرته، ذلك
الصراع العلني والسري بين سلطة حاكمة لا خير فيها للأمة، وبين
مرجعية "تحفظية"، "مترددة" ومؤيدة للشاه ولا أمل فيها لتحقيق
أي نفعٍ للأسلام بمفهومه الثوري الحسيني.
وفي معرض حديثه عن جاسوسية "مهدي الحكيم" يختتم عادل
رؤوف هذا الموضوع بعنوان كبير وجديد هو (البغدادي قيد
المساءلة) (انظر الصفحات 166-171). وفيه يحاول عادل رؤوف توصيف
السيرة الذاتية للسيد محمد الحسني البغدادي من خلال قراءة
موضوعية وجديدة، فيها من الإطراء المبرر على سيرته وفيه بعض
اللوم للسيد البغدادي، وكذلك الغصة والمرارة لأنه لم يحاول أو
لم يتمكن من أن يقتنص الفرصة ليغير موقعه حيث يقول عنه:
"كان من الممكن للبغدادي أن لا يقضي حياته في هذا
الموقع «الممكن» الذي ارتآه أو استقر عليه، وكانت صراحته
وشجاعته ونظافته و«أعلميته» تؤهله للتفكير في انتزاع فرص، أو
ايجاد ممكنات، تؤثر في مسار «الحوزة النجفية» وتقتحم الواقع
السياسي للسلطة والأمة.. لو انه استطاع أن يتجاوز رتابة
الموروث المستقر في عقله حول «علاقة الفقيه بالسلطة»، إذ لم
يكن قدراً للبغدادي أن «يقاطع» الأنظمة السياسية أو يتعاطى
معها بـ «حذر» في بعض المنعطفات التي يرى لزاماً عليه أن يتدخل
فيها.. كما لم يكن قدراً عليه، أن يقود مواجهة علنية ضد هذه
الأنظمة التي اتهم ظلماً وعدواناً بأنه يتعامل معها، والتي
شكلت قيداً نفسياً إضافياً عليه في هذا المجال. وكان مفروضاً
له أن يوظف صراحته وشجاعته و«أعلميته»، ويكسر الأطواق التي
فرضت عليه، وأن يفكر بإيجاد مؤثر سياسي محلي على «الحوزة»
النجفية، وأن لا يتركها تحت تأثير شاه إيران، وينزل إلى العمل
في الميدان، وينتزع فرصا، وهذا ما لم يفعله، وما يمكن أن يكون
مجالاً لنقد السيد محمد الحسني البغدادي، فقد ضاعت صراحته
وشجاعته و«أعلميته» ودفعت الأمة ثمن ضياعها غالياً."
ومن الواضح هنا بأن عادل رؤوف وهو يراجع سيرة حياة
السيد محمد الحسني البغدادي ويستذكر تاريخه ومواقفه، فأنه يسجل
له وبأمانة بأنه كان في طليعة المراجع العروبيين أو بالأحرى
العراقيين الذين كان يمكن ان يقودوا ثورة تجديدية في الحوزة
النجفية لصراحته وشجاعته وأعلميته. ثم يختم بالقول آسفاً على
ضياع تلك الفرصة التاريخية و بمرارة واضحة قائلاً "دفعت الأمة
ثمن ضياعها غالياً" . وهذه شهادة كبيرة بحق رجل عظيم، ومن كاتب
متمكن ومفكر يتميز بتقييم حيادي وموضوعي، أراد من خلاله أن
ينصفه حتى ولو بعد مماته بأكثر من ثلاث عقود ونصف.
هذا وسنواصل رحلتنا مع كتاب
المفكر عادل رؤوف في الحلقة التالية إن شاء الله، وحتى ذلك
الحين نستودعكم الله.
رعد الجبوري
كاتب ومحلل سياسي مستقل
12-6-2009م
|