أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

عن حروبنا الأهلية الثقافية

 

أ.فهمي    هويدي

 

 

الحرب الأهلية الثقافية الدائرة في العالم العربي لم تأخذ حقها من الاهتمام والرصد، ولم تدرج على لائحة المعنيين بالمصالحة الوطنية.

 

(1)

 

كما ان في لبنان «موالاة« و«ممانعة« كذلك الحال في عالم الثقاقة. وهذا التصنيف ليس مقصورا على لبنان فقط، ولكنه حاصل في العالم العربي ايضا. وثمة خبرات تاريخية عديدة -لدينا و لدى غيرنا- انقسمت فيها النخب بين موالاة وممانعة، فالجنرال بيتان كان رمزاً لموالاة النازيين الذين احتلوا فرنسا، كما ان الجنرال ديجول كان رمزاً للممانعة والمقاومة. وفي مصر كان نوبار باشا رئيس الوزراء رمزا لموالاة الانجليز والاستعمار العالمي. اما محمد شريف باشا فقد كان رمزا للممانعة بين النخبة الحاكمة الوطنية. بالمثل كانت صحيفة «المقطم« منبرا للموالاة، اما جريد اللواء فقد قادت تيار المقاومة والممانعة، وهذا ما فعله حزب الوفد في مواجهة الاحرار الدستوريين الذين انحازوا الى الموالاة. اما خرائط هذا الزمان فرموز التيارين معروفون، بين السياسيين والمثقفين. والسؤال المهم دائما هو: موالاة مع من وممانعة او مقاومة ضد من؟ في حالتنا اعفتنا الادارة الامريكية من ان نبذل جهدا في هذا الصدد، حين اعتبرت حلفاء الغرب والموالين له معتدلين، ووصفت الرافضين للهيمنة الغربية والاملاءات الامريكية بأنهم متطرفون. ومن ثم فقد اصبح معروفا ان عناصر الموالاة هي تلك التي انحازت الى الموقف الغربي - الامريكي تحديدا - وتبنت رؤيته لمشاريع المنطقة وقضاياها، والقضية الفلسطينية في مقدمتها. اما معسكر الممانعة فهو الذي اختار رفض الهيمنة الغربية وانحاز الى المقاومة بمختلف صورها. ان شئت، فقل ان الموقف من المقاومة هو الحد الفاصل ومعيار الانتماء الى اي من المعسكرين، بل ان المعركة الحقيقة بين الطرفين تدور حول فكرة المقاومة وتجلياتها. استنادا الى ذلك فليس صحيحا ان الصراع الحقيقي في فلسطين هو بين حماس وفتح، ولكنه بين نهجين في التعاطي مع القضية الفلسطينية، ومن ثم التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي. كما ان المشكلة في لبنان، في جوهرها، ليست بين قوى 14 آذار او 8 آذار، وليس بين حزب الله وتيار المستقبل، ولكنها بين مشروعي الموالاة للأمريكيين والاوروبيين والاسرائيليين وبين مقاومة ما يدبره هؤلاء للبنان وما يرمون من ورائه. بل ازعم ان سلاح حزب الله ليس المشكلة الحقيقية هناك، لكنها في استخدام ذلك السلاح لاجل المقاومة. ولو انه وظف لصالح هدف اخر لما اثيرت قضيته، بدليل ان لا أحد يتحدث عن سلاح «القوات اللبنانية« التي يقودها سمير جعجع، ولا عن الميليشيا المسلحة التابعة لتيار المستقبل وحلفائه، لان هذا السلاح لا شأن له بالمقاومة. (رغم محدودية ما يملكه هؤلاء اذا ما قورن بما هو متوافر لدى حزب الله).

 

(2 )

 

حين تصبح المقاومة هي الموضوع الاساسي للصراع، حتى ان كانت غير مسلحة كما في الحالة السورية، فان ذلك يدهش جيلنا الذي عاش مرحلة المد القومي (في الخمسينيات والستينيات) التي انتعشت فيها حركات التحرر الوطني، وكانت الرؤية فيها اكثر وضوحا والعدو اكثر تحديدا. ومن ثم لم تكن قضايا المصير محلا للاجتهاد واختلاف وجهات النظر. لذلك فان مصر لم تعرف حكاية الموالاة والممانعة في السياسة الخارجية في تلك الفترة (الناصرية). وحين استقام الامر في مصر انضبط الايقاع في العالم العربي، باستثناء جيوب صغيرة كان حلف بغداد من تجلياتها، اذ ظل الموقف من الهيمنة الغربية محل اجماع وطني عام، وكذلك الموقف من المقاومة الفلسطينية، لكن الامر اختلف بصورة جذرية في المرحلة الساداتية، التي ذاع خلالها الشعار الذي ادعى ان 99% من الاوراق بيد الولايات المتحدة. وهو ما احدث انقلابا في سياسة مصر الخارجية، كان له صداه في العالم العربي بطبيعة الحال. وكانت تلك المحطة الاولى في طريق الالتباس، الذي صور للبعض ان موالاة الادارة الامريكية قدر لا فكاك منه، الامر الذي اصاب «البوصلة« العربية بخلل شديد، تداخلت في ظله الخطوط، بحيث لم يعد الاجماع منعقدا على رؤية استراتيجية واحدة، حيث لم يعد يعرف على وجه اليقين من يكون العدو ومن هو الصديق (البعض اصبح يتحدث مثلا عن ان ايران هي العدو وليست اسرائيل). واذ اختلفت المواقف في هذا الصدد، فان العديد من قضايا المصير اصبحت محلا للاجتهاد. حتى الولاء للسياسة الامريكية والاستقواء بها، بل حتى التطبيع المجانى مع اسرائيل اصبح «وجهة نظر«. اكثر من ذلك فان فكرة المقاومة ذاتها لم تسلم من التشويه والتجريح، وتحولت من راية للعزة رفرفت في فضاء الامة يوما ما، الى «سابقة« تدرج اصحابها في قوائم المشتبهين والممنوعين من الصرف السياسي. الى ان انتهى بنا الحال الى وضع صارت فيه الموالاة قاعدة، والممانعة استثناء. ولم يعد ذلك الخلل في الموازين والرؤى مقصورا على السياسيين وحدهم، ولكنه جر وراءه المثقفين ايضا.

 

(3)

 

قراءة المشهد اللبناني جسدت ذلك الخلل الاخير بامتياز، فرغم ان معركة السياسيين هدأت بصورة نسبية بعد اتفاق الدوحة، فإن معركة المثقفين مازالت مستمرة، وهي اوضح ما تكون في وسائل الاعلام، التي لم يتوقف فيها اهل الموالاة عن التحريض والدس وقلب الحقائق. وبعضها لم يتورع عن استخدام اساليب غير مشروعة وبعضها يهدر ادب الحوار ولغته، والبعض الآخر عمد الى التزييف والتدليس. لن اتحدث عن الفريق الاول لان مستوى التعبير بين افراده مما ينفر صاحب اي قلم يحترم نفسه ومهنته من ان يتصدى له. لكن بين ايدينا نصا نموذجيا للصنف الثاني، وما اغراني بالتوقف عنده ليس فقط انه يجسد منهج التزييف والتدليس في رواية الوقائع، وانما ايضا انه كان بمثابة تعقيب على مقال سبق ان نشرته في هذا المكان قبل اسبوعين تحت عنوان «محاولة فهم ما جرى في بيروت«. في ذكر الوقائع يتحدث النص عن ان لبنان دولة ديمقراطية فيها ما يكفي لتمكين مختلف التيارات والقوى من ان تشارك في البرلمان والحكومة. لكن حزب الله لم يجد غضاضة في ان تكون له وحده قوة مسلحة، خارج سلطة الدولة الشرعية، وان يقيم دولة خارج الدولة. كما سمح لنفسه بأن يقوم بانقلابه العسكري ويغزو بيروت لان مجلس الوزراء اتخذ قرارا لم يعجبه. واثناء الغزو قام الحزب بحرق مؤسسات الرأي والعمل الأهلي. التدليس في الرواية يكمن فيما حفل به النص من اغاليط جسيمة يتعذر افتراض البراءة فيها، فالكلام عن الديمقراطية في لبنان محض هراء، لان النظام هناك قائم على التوافق وليس الديمقراطية. وبمقتضى التوافق يجب ان يكون رئيس الدولة مارونيا ورئيس الوزراء سنيا ورئيس البرلمان شيعيا، وهذا وضع لا علاقة له بالديمقراطية. واذا كان لبنان يتمتع بدرجة عالية من الحرية، فلأن المجتمع هناك اقوى من السلطة. وحين قررت قوى الموالاة مقاطعة رئيس الجمهورية اميل لحود طوال سنتين، لم يقل احد ان ذلك عدوان على الشرعية، وانما قبل الجميع بذلك، لبنانيا واقليميا ودوليا. والقول ان حزب الله هو القوة المسلحة الوحيدة فيه مغالطة اخرى، لان كل القوى - بل كل اللبنانيين - مسلحون، تشهد بذلك حرب الاربعة عشر عاما الحاضرة في الاذهان. وحكاية الانقلاب العسكري و«غزو« بيروت، لان مجلس الوزراء اتخذ قرارا لم يعجب حزب الله، فيه مغالطة فاضحة ايضا، لأن القرار الذي لم يعجب حزب الله كان في حقيقته اعلان حرب عليه، تمثل في محاولة السيطرة على شبكته الامنية، في الوقت الذي تسربت فيه الاخبار عن اعداد ميلشييا «المستقبل« للدخول في مواجهة مسلحة مع حزب الله، واعداد 600 عنصر تم تدريبهم في الخارج لهذا الغرض. اضافة الى التحركات البحرية الامريكية في البحر الابيض. اعني ان السياق دفع الحزب الى التحرك لاجهاض ما يدبر ضده. وليس صحيحا انه قام بانقلاب، لاننا نعرف ان السلطة ظلت كما هي، كما نعلم انه استولى على مقار الاطراف التي كانت تعتزم الانقضاض عليه ولم يبق فيها، وانما سلمها الى الجيش. فبأي منطق إذًا يقال ان ذلك كان انقلابا وغزوا لبيروت؟ اما حكاية احراق حزب الله للمؤسسات المذكورة فهي كذبة لا دليل على صحتها، لان الفاعلين مجهولون حتى الان، واكثر الاصابع تشير الى مسئولية عناصر الحزب القومي السوري وهناك صور تؤيد ذلك، وتظهر اعلام الحزب التي تتوسطها علامة «الزوبعة« على ابنية تلك المؤسسات.

 

(4)

 

هجاء المقاومة لم يكن الهدف الوحيد، وانما استخدمه خطاب الموالاة كمنصة لاطلاق الاتهامات التي تستهدف تشويه الذين يدافعون عنها، حتى يبدو كأنه لا خير في المقاومة ولا ثقة فيمن ينحازون اليها، وهو ما نستطيع ان نفهم دوافعه اذا تذكرنا ان التصنيف الامريكي، الذي يستلهمه فريق الموالاة، يعتبر ان هؤلاء وهؤلاء هم من عناصر «محور الشر« الشهير. هذه الاتهامات تنبني على منطق خلاصته انه اذا كان حزب الله شريرا الى الحد الذي تم تصويره، فلا بد ان يكون المتضامنون معه والمتفهمون لموقفه اشرارا ايضا. ولأنه قام بانقلاب في بيروت واستخدم السلاح في ذلك، فلا بد ان يكون هؤلاء ايضا انقلابيين ويتوقع منهم بدورهم ان يلجأوا الى استخدام السلاح وتنظيم الاعتصامات ونصب الخيام في الميادين. هذا التبسيط الساذج الذي ينطلق من الاصرار على التشويه والكيد، ويلغي كل عناصر الخصوصية في الوضع اللبناني، وفي الوقت ذاته يعمد إلى تصوير مؤيدي المقاومة باعتبارهم اصوليين انتهازيين لا يؤمنون بالديمقراطية ولا امان لهم، يصب في مجرى وحيد هو: الحط من شأن المقاومة وكل الذين يقفون في صفها. واذا صح ذلك فمن حقنا ان نتساءل عن الطرف المستفيد من هذه «الغارة« وعن مصير العالم العربي اذا ما استمرت محاولات اشعال الحرب الاهلية بين المثقفين، التي تستهدف الانقضاض على معاقل الصمود والممانعة، وعن تقييم ذلك الموقف بمعايير المصلحة الوطنية.

 

 

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©