|
أعود
بذاكرتي عندما
كنت في
النجف
الاشرف
د .الشيخ محمد
هادي
الاميني
لقد حكمت الاشراف
الحسنيين في الحجاز ما يقرب من تسعة قرون ، وحافظوا على
الحرمين الكريمين ، وصدوا عنهما كل تطاول وعدوان ، ولم يمسسهما
بسوء لا من قريب ولا من بعيد الى أن انتزع الاستعمار ولايتهم
وإمارتهم عنها وأودع الارض المقدسة بأيدي العابثين ، والاوغاد
، والمناكير المتجردين ، عن كل القيم ، والمثل ، والشرف ،
والطهارة عكس ما كانت عليه الشرفاء والاشراف في القرون الغابرة
لأنهم كانوا ينتمون الى الشجرة المباركة التي أصلها ثابت
وفرعها في السماء .. رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب
والأبصار .
وما زالت فروع تلك
الأسرة العريقة والشجرة الميمونة تسكن العراق، وسائر الامصار
الاسلامية بعد أن مزقتهم العصابة الصدامية الحقيرة .. وفرقتهم
أيادي العمالة البعثية الدفينة .. وجعلتهم طرائق قدداً ،
وفرقتهم في البلاد كقصاصات الوزرق ، وهم السادة آل العطيفي
الذين يقطنون مدينة الكاظمية .. وآل السيد عيسى الحسني .. وآل
السيد حيدر .. وآل الحبوبي الحسني .. وآل السيد زيني الحسني ..
وآل السيد حمندي الحسني .. وآل السيد أحمد العطار الحسني
البغدادي.. وآل شرفاء مكة المكرمة .
وهذه البيوتات من
الأسر والعوائل الكريمة العريقة في التاريخ ، والمستحقة
للتقدير والإكبار والإعجاب والخلود ، فمنهم شاعر محكم النسج ،
متخير اللفظ ، مصقول العبارة ، أنيق الديباجة قد خلعت على
اسلوبه البلاغة زخرفها ، وكسته الفصاحة بجميل وشيها ، ومنهم
فقيه أجمعت أصحاب السير والتأريخ على إمامته في البلاغة ،
وبراعته في الترسل ، وطول نفسه في العبارة ، وافتتانه في
تلوينها ، وإبداع تصويرها على مدى العصور نجد في مطاوى كتبه
وكلامه قبساً من الحكمة من أقوى أداة الكاتب والشاعر .
ومن هذا البيت من هم
أساتذة مدرسة خاصة في الادب والكتابة ، وكانوا في الاخلاق
الكريمة ، والتمسك بآداب الإسلام ، ومجد العرب امة وحدهم ، لا
يعنيهم شيء الحياة .. الا أن يحرسوا لغة القرآن ، ويحافظوا على
التشريع والسنة الاسلامية وأساليبها ، ثم كانوا ولا يفتأون
يعملون على إحياء الآداب الاسلامية والاخلاق الدينية لينشأ كل
جيل على محنة لغته ودروس فنونها والتمرس بآدابها ... ثم يأخذ
بأخلاق دينه ، وصالح عاداته ، اذ كانوا على علم أن الامة لا
تنهض الا باستمساكها بأصول لغتها ، وكريم أخلاقها ، ثم لها بعد
ذلك أن تأخذ من العلوم والفنون اليافعة في الحياة ما شاءت وشاء
لها نظام العمران .
ومنه رجال جيوش
وحروب وساسة رشيدة ، افتخروا بشجاعتهم ، وبسالتهم ، وبلائهم في
الحروب والمعارك .. سيوفهم في كل وقت صاحبهم ، وخلهم الوحيد ،
فكانوا موضع التقدير وحفاوة الابطال والشجعان ، يفدونهم
بأنفسهم لأنهم وجدوهم قوالون وفعالون ، وكانوا على حد قول
الشاعر :
وأني لمقدام على
الهوى والردى بنفسي وفي الاقدام بالنفس ما يردي
وإني لقوال اذا
التبس الهدى وجارت حلول القوم عن سنن القصد
فإن صلت فداني الكمي
بنفسه وإن قلت لباني الوليد من المهد
كذلك إني قائل ثم
فاعل فعالي وغيري قد ينير ولا يسدى
ومنه وما أكثرهم شيخ
وقور في بيته حلقات الذكر ، وتهب لديه النفحات الصافية ، ثم هو
عالم متفقه في دينه يعظ الناس كل عشية وضحاها ، بما وعاه من
الكتاب والسنة فيهز أوتار القلوب ، ويأخذ بمجامع العقول هذا
الى عربيته الخالصة ، ونسبه الواضح الصريح المشرف .
إن الكثيرين من هذه
البيوتات العريقة في العراق ، قادوا جيوشاً عرمرمة ، وخاضوا
بأنفسهم ميادين القتال ضد الانكليز ، والمستعمرين ، للذود عن
الوطن ، والشعب ، والدين ، واللغة ، ووقفوا بوجه الطغاة ،
والعملاء وأعداء الشعوب المسلمة ، وكتبوا وألفوا ودفعوا الشعب
ووجهوه ، نحو واجبه الديني من طرد الكفار .. واليهود .. من
بلادهم ، وأراضيهم المقدسة ، التي تكالبت عليها شرذمة حقيرة من
حثالة بني إسرائيل المجرمين الأوغاد ،فاغتصبوها ونهبوا خيراتها
، ومنابعها الحية ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة ، وكذلك يفعلون .
لقد وقفت هاتيك
البيوتات الاسلامية العربية الاصيلة وراء الشعب الايراني ،
وشاركوه في إنتصاراته وطفرته التحريرية ، وفي جهاده ونضاله سنة
1382هـ ـ 1341 شمـ ، بكل صراحة وقوة وإرادة ، من غير خوف ووجل
، واكتراث ، وهكذا هو المؤمن الحقيقي .. إن المؤمن الحق
المتغلغل في عروقه وشرايينه طبيعة الإيمان بالله الواحد الأحد
.. لا يكترث في يوم ما بأمر ليس له من دين الله سناد ، وهو في
إقدامه وجرأته على المعروف والتقاليد سوف يلاقي العنت ،
والإضطهاد ، والحر ، والجوع ، والتشريد ، والنفي ، بيد أنه لا
ينبغي أن يخشى في الله لومة لائم ، وأن يمضى الى غايته لا
تعنيه قسوة النقد ، ولا جراحات الألسنة ، ولا أبواق الدعايات
الفاشلة وإسفافهم الهزيل.
سأمضي ولو أن الصباح
صوارم وأسرى ولو أن الظلام جحافل
وإني جواد لم يحل
لجامه ونصل يمان أغلفته الصياقل
ولي منطق لم يرض لي
كنه منزلي على أنني بين السماكين نازل
فعلى ضوء الخطوط ،
نجد الكثير من رجالات وشخصيات علمية من البيوتات هذه يجاهدون
بأقلامهم ، ويراعهم ، ويضعون التآليف ويجعلونها طريقاً الى
الخير المنشود ، والصراط المستقيم ، وبضعون العلاقات
والإعتبارات العرفية ، والشهوات جانباً في سبيل الله وإسعاد
المجتمع ، وغرس الفضائل وتعهدها ، حتى تؤتي ثمارها .. وحين
يقترب وقت العمل والجهاد ، ينهضون كوثبة الأسد من عرينه ،
ويقولون بملأ أفواههم : لا بد أن يلعب السيف الان دوره .. وإذا
تكلم السيف فاسكت أنت أيها القلم .. وسننتصر .. وما النصر الا
من عند الله .
أعود بذاكرتي الى
عام 1383هـ ــ 1341شم ، عندما كنت في النجف الاشرف ، وقد
تعهدت الحركة المناهضة المقاومة ويومذاك ضد العهد الملكي
الايراني المباد فيها ، تجاوباً لانتفاضة الشعب الايراني
المسلم المثابر الصامد ، الذي كان يقدم الضحايا والقرابين في
سبيل عقيدته ، ورسالته في إيران ، بعد أن ساهمت فيها النجف
الاشرف مساهمة فعالة ، ووقفت الى جنب الشعب الايراني المكافح
لأن نجاح الثورات والنضالات الشعبية التحررية في الوطن
الاسلامي ، منوط بتأييد النجف الكامل ، ومساندتها مادياً
ومعنوياً ، وهكذا الحال في بقية الحركات العلمية والفكرية ..
وهذه المعالم واضحة في كل زمان ، وقد ظهرت الشخصية النجفية على
صعيد العلم والادب والكفاح الشعبي وكافة المجالات بوجه عام ..
فكنت على اتصال وثيق بزعماء الحوزة الدينية ، وقادة الحركات
العلمية ، وأوقفهم على التغلغل الصهيوني في إيران ، وأحثهم على
استنكار الجرائم والحوادث الدامية المتتالية التي تجتاح الشعب
، وفي خلال تلك الفترة أصدرت عدة بيانات حادة وقارصة ضد الحكم
الملكي المباد ، والإعتداء الصهيوني الغاشم ، وتدخله السافر في
قضايا الشعب الداخلية .. والمجزرة الأثيمة التي وقعت بالشعب من
لدن جلاوزة (بن غوريون) الطبقة الحاكمة على أكتاف الشعب ،
والقتال، والتصادم ، والأهوال ، والنكبات التي حلت بساحتهم ..
واعتقال زعماء الدين ، والسياسة ، والخطابة ، والاقتصاد ،
وزجهم الى غياهب السجون ، ولم يكن ذنباً لهم يحتسب غير كفاحهم
في سبيل مثلهم العليا ، والدفاع عن حومة الدين ، وعن حرية
الوطن الشهيد المذبوح بسكاكين هؤلاء الأوغاد .. الذين أيدوا
بالأمس اعتراف ملكهم القزم .. بدولة اللقيطة إسرائيل .
أجل أعود الى وراء
بعض السنين الغابرة ، فأتذكر جيداً أن كان من بين الفقهاء
والمجتهدين الذين تجندوا ضد الحكم الملكي الفاسد في إيران ،
وكنت على اتصال دائم معه ، الفقيه الامام المجاهد السيد محمد
الحسني البغدادي المتوفى 1392هـ ، وكان من أحفاد أمير الحجاز
الشريف قتادة بن إدريس .. فحدثته ذات يوم عن الظروف والحوادث
الايرانية ، والتيار الصهيوني المقيت ، وأذنابه من القرود
والأوغاد الذين ما برحت تنهش بأنيابها الدامية عروق الاسلام ،
وتفكك عرى القوة العربية ، والاخوة الاسلامية وقد بلغ السيل
الزبى ، فكان لا بد للسيد أن يثور وبالفعل فقد إستجاب لصيحة
القرآن .. واندفع على صداها يذود عن شرف الاسلام وحرماته ،
ليجعل الحد الفاصل لمهاترات شرذمة إستحوذ عليهم الشيطان
الصهيوني فأنساهم ذكر الله .
فوقف في مجلسه الغاص
بالجموع الثائرة الغاضبة على الحكم الملكي الفاسد ، ورتل
الخطبة العربية المأثورة ــ يا معشر المسلمين .. هالك معذور
خير من ناج فرور .. إن الجزع لا يرد القدر ، وإن الصبر من
أسباب الظفر.. المنية ولا الدنية ، واستقبال الموت خير من
إستدباره .. فالجد الجد فما من الموت بد ..
وعلى اثر النكبات ،
وفي وسط الاهوال والتنكيل بالشعب الايراني بعث السيد إستنكاره
وإحتجاجه الشديد في برقية قارصة ، قرأنا في سطورها آيات المجد
والبطولة .. وسور الخير والمحبة ، والدعوة الى الله وجمع الشمل
ونصها :
عاهل المملكة
الايرانية محمد رضا بهلوي ــ طهران ــ
انخداعكم لاعداء
الاسلام الذين كان مقصدهم الوقيعة في شريعة سيد المرسلين (ص) ،
والقضاء على الاسلام والمسلمين .. هو الذي أدى الى سوء صنيعكم
بالشعب الايراني ، وعلمائه الابرار قتلاً ، وارهاباً ، وحبساً
، وتبعيداً ، وأعظم من ذلك بغيكم على علماء الدين ، وعلى رأسهم
الامام آية الله الخميني، الذين بهم تقام الدولة ، وتنتظم
الرعية ، كيف لا وهم حجج الله وآياته واعلام الدين ودعاته ؟..
وقد يؤدى سوء صنيعكم الى سوء عاقبتكم في الدارين هواناً
وخسراناً وصريح القرآن في كثير من آياته هو البطش ، والانتقام
من الجبابرة والطاغين ، وان فاجعة ايران لم تكن خاصة بهم ، بل
عمت كافة المسلمين، فانهم منكم ناقمون ، وعليكم ساخطون ،
والامر يحدث بعده الامر .
محمد الحسني
البغدادي النجفي
لقد كانت لهذه
البرقية الدينية السياسية ، أثرها الفاعل في البلاد الاسلامية
، فقد بادرت الصحف العراقية الى نشرها ، وأذاعتها محطة إذاعة
(صوت العرب) القاهرية ، وفي ايران نقلت في حينه الى الفارسية
وطبعت مشفوعة بصورة السيد الحسني ... والغريب المؤسف أن بعضاً
ممن أرخوا إنتفاضة الشعب الايراني ، ودونوا مراحل إنقلابه
المظفر نسوا أو تناسو لعوامل هم أدرى بها الإشارة ، ولو من
طرفى خفي الى الموقف البطولي الرائع الذي لعبته الشخصية
النجفية بصورة خاصة في هذا الحقل ، وجهودها ، واجتهادها
المتواصل ، في نجاح الانتفاضة ودفعها الى التطور والتقدم
والازدهار .. كما انهم لم يذكروا مئات البرقيات ، والنشرات ،
والمقالات الصادرة في وقته هناك ، وكانت للجميع آثارها البالغة
وتأثيرها العميق في نضوج الثورة وتمهيد قاعدتها الشعبية
والدولية .
ومهما يكن من أمر
فبعد أيام مضت والكوارث والمحن في إيران ... تزداد بطشاً وشدة
، وأذناب بن غوريون ... تواصل بطشهم وفتكهم بالشعب الايراني
الأعزل عن كل سلاح ، سوى سلاح الايمان ... وسلاح العقيدة
المنتصر بإذن الله تعالى .. وقته بعث السيد البغدادي ببرقية
اخرى ، واستنكر أيضاً بطش الطبقة الحاكمة الدكتاتورية في إيران
وعبثهم وغيهم ونصها :
عاهل المملكة
الايرانية محمد رضا بهلوي ــ طهران
ابرقنا لكم كما ابرق
العلماء صيانة لمقامكم وشعبكم فلم نجد منكم جواباً ، ولا هدى ،
ولا صوابا ً كأنا من أعدائكم ، ولم نكن من أوليائكم ، وما أدري
أكان ذلك جهلاً ونقصاناً ، أو تمرداً وطغياناً ، عصمنا الله
واياكم ، فتمسكوا بالقرآن تلاوة واستماعاً تنالون به نجاحاً
وارتفاعاً ، فاحذروا تخويفه ، تهديده ، ووعيده ، وبطشه ..
فالله .. الله .. في حماية الدين ، الله .. الله.. في دماء
المسلمين والسلام على من اتبع الهدى.
محمد الحسني
البغدادي
وليت مهاترات هؤلاء
المناكير .. وقفت عند هذا الحد من تعذيب رجال الدين ، وتشريدهم
وقتلهم والتنكيل بهم وإيداعهم السجون والمعتقلات ، بل تمادوا
في غيهم فأصدرت عملاء الصهاينة .. والبهائية أمراً بالقضاء على
رجال الدين ، وقتلهم تحت كل شجر ومدر ، وبلغ عدد الضحايا من
الشعب الايراني المسلم 000/10 آلاف .. ويحلم الملك في
الوقت نفسه باستمرار عرشه سنين عدة ، ولكن هل من المعقول
إستمرار حاكم مراهق كهذا ، إعتمد على أسياده المستعمرين من
مصاصي الدماء ، وأعداء الشعوب لإسناد كرسيه المحطم الجوانب ،
والذي صنع الشعب بضرباته الفولاذية منه تابوتاً للدكتاتورية
المقبورة الى أن يأتي أمر الله ، وكان أمر الله حتماً مقضيا...
مكة
ص : 166 ، ط : 1988م
|