|
الخطاب الفكري
الاخر
للإمام
المجاهد السيد البغدادي
(
المتوفى
1392هـ )
الحـلقة الرابعة
21 حلقة مستلة من الموسوعة
الإسلامية الكبرى : ( التحصيل في أوقات التعطيل )
وسوف تقرأ عما قريب ــ إنشاء الله تعالى
ــ
هذه الدورة الكاملة
ــ 24 ــ
الإنسان لا يرى أكبر نعمة
لنفسه، ويرى أقل نعمة لغيره ، بل يرى نفسه مبتلى، ولا يرى غيره
كذلك، وهذان الامران مما جبل عليه نوع الإنسان .
فالواجب عليك هو التنبه
لذلك، وردع نفسك عن جهلها، ولؤمها، وغفلتها تستفيد بذلك مصالح
لا تحصى متعلقة بدينك ودنياك .
ــ 25ــ
ربما يقتصر البلاء على
الفقر، والمرض ونحوهما مما كان ظاهراً عند كل أحد ، وهذا من
الجهل بمكان .
أولاً : رب بلاء خفي لايمكن
بيانه ، كمن أصيب بعرضه، فهو أشد محنة ، لا سيما لو كان غيوراً
عاجزاً ، ويلحق به من يهتم لحفظه من الهتك، ومن ابتلى بعدو
مكائد، وهو ضعيف لا يمكنه مقاومته.. إلى ما لا يحصى كثرة .
وثانياً : نفس ارتباط النفس
بالحسد اكبر ابتلاء إبتلى به الإنسان ، وهذا هو محل الاختبار
والامتحان، فلو نظرت إلى علم الاختبار ودقائق معارفه عرفت ذلك
، فهذا الموقف أشد موقف على الإنسان ، ولكن الجاهل لا يحسبه
شيئاً يهتم لأجله ، فخطر النفس عظيم، وتهذيبها كذلك ، ولذلك
تفرغ جملة من الكاملين لها، واشتغلوا بها عن غيرها .
ــ 26 ــ
الامتحان، والاختبار طريقة
عقلانية .. الا ترى الملوك يختبرون رعاياهم ، ولا سيما خواصهم
، والزوج يمتحن زوجته، وولده ؟!.. وهذه الطريقة لم تكن صرف
العبث ، بل لأغراض معتنى بها في أنظارهم .. والا خرجوا عن انهم
عقلاء .
وبهذا ظهر وجه امتحانه
تعالى عباده واختبارهم في جملة من الامور المسطورة في الكتاب
والسنة، وغيرهما ..
فظهر من ذلك أن تخيلته
تعالى بين الكفار وقوتهم ، وابتلاؤنا بهم ونحو ذلك، كانت منه
على طبق الحكمة لأجل اختبارنا وامتحاننا ، هذا إذا لم نقل بان
ذلك ناشيء عن سوء اختبارنا .. والا فهو خارج عن الامتحان،
والاختبار بالبداهة .
ــ 27 ــ
إذا أظهرت فقرك استهين بك ،
ولم توصل صلة مغنية .. واذا كتمته ضويقت بوظائف الغنى .. وكذلك
الامر في كل من عافيتك وابتلائك .
فالواجب هو الانقطاع اليه
تعالى ، وانصرافك عن عباده اللؤماء الذين امتلؤا شحة ولؤماً
ونقصاً وجهلاً ، وبهذا تعرف كيف يكون موقفك معهم؟!.. نسأله
الانقطاع اليه ، والتوكل عليه على كل حال .
ــ
28 ــ
يا ولدي أنت مبتلى بنفسك ..
ألا ترى انك مجبول على حبها شديداً .. ومن حب شيئاً أمرض قلبه
، أعمى بصره ، وهي عدوك الاكبر الذي لا تنفك عنه أبداً ..
فإياك والركون اليها ، والاعتماد عليها .. وإياك والاغترار بها
في كل أطوارها وأحوالها وأوضاعها .. فهي عدوك على كل حال
متربصة بك غائلة .. الا ترى الرذيلة تجتمع مع الفقر، والغنى،
والصحة، والمرض، والجوع، والشبع، والتعب، والراحة، والعز،
والذل، وهكذا .. فيلزمك في كل آن الفحص عن معايبها ، ورذائل
أخلاقها ، ثم الاشتغال في تهذيبها .
الخلاصة : في بحر عميق مظلم
متلاطم الامواج بعيد الساحل، وذلك هو النفس .. فكيف لك النجاة
، وانت في غاية الاهمال ؟!..
فان قلت : كيف الخلاص منها
، ومن شرورها ؟!..
قلت : يتعين عليك مراجعة
الاخلاقيين فهم أطباء النفوس ، وهم أعرف بتشخيص الداء والدواء
، وكيفية المعالجة ، ولا تكفي مطالعة كتبهم لتوقف التهذيب على
التشخيص والتطبيق، والكتب قاصرة عن ذلك .
ــ 29 ــ
كل إنسان بصير يرى نفسه،
وما يتعلق بها محاطاً لكل خطر ، فلا يرى منه أماناً، فلا بد له
من توجهه وانقطاعه إليه تعالى ، بل يلزمه القناعة والزهد في
الدنيا ، وتقدير نعمه تعالى ، وهكذا ... هذا كله سير، الانبياء
وأوصيائهم .
ومن هنا .. لم يكن في نظرهم
للدنيا شأن يذكر .. أما ما يتعلق بالاخرة ، فموقفك أشد خطراً
.. فالواجب عليك توجيه نفسك لها ، بل الثابت عندهم (ع) قصر
أنظارهم عليها .
ومن هنا .. ترى الدنيا
بالنسبة اليهم (ع) تارة قضاءً عليهم ، واخرى انصرافاً عنها ،
فمن كان معتقداً بهم، فليأخذ بسيرتهم بالقدر الممكن، والله
الموفق .
ــ 30 ــ
الإنسان إذا كان كاملاً
ممتازاً في خصائصه وصفاته، وكان له الوقع الكبير، والاثر
العظيم عند ذوي المعرفة، والنفوس الكبيرة، والاخلاق الفاضلة ،
وهذا أمر في منتهى الوضوح .. فلاحظ التاريخ ، بل الوجدان، أكبر
شاهد عليه ، بل هذا الإنسان الكامل لو جرى عليه بعض المظالم ،
ولا سيما المنافية لمقامه على أنحائها المختلفة لرأيت التوجع
عليه ، والتظلم لأجله ، ونحوهما.. ممن كان يحاذيه في صفاته من
اظهر الاشياء وأوضحها .
الخلاصة الإنسان الكامل
الممتاز الذي ضاع حقه، وأخر عن مقامه ، وجحد فضله، يكون له
الاثر الكبير مودة، وتوجعا، ونحوهما، عند الكاملين الذين
يشعرون بأقل مراتب الكمال ، وبهذا ظهر لك امتياز ال محمد (ص)،
وتقدمهم على غيرهم عند الامة كافة، بل وغيرها مودة، وتوجعاً ،
وهكذا ..
ــ 31ــ
من أراد أن يكسب صفة شريفة
.. كشجاعة، وعفة ، ونحوهما.. فليجهد نفسه في حملها عليها
مكرراً تحصل له لا محالة ، والمرء يرى مشقة كبيرة في الدفعة
الاولى ، ولكنه كلما تكرر ذلك الامر منه هان عليه يصير له عادة
مألوفة ، بل ربما تتأكد فيه إلى حد يشق عليه تركها، هذا هو
العلاج في تكميل النفس بالاخلاق الفاضلة ، فمن طلبها صدقاً
تعين عليه ، بل لا يمكن لأحد تحصيلها الا بدونه ، نعم الامر
خلق مطبوعا كذلك .. هذا ويمكننا القول بذلك قاعدة عامة سواء
كانت للعلوم ، أم للاخلاق ، أم لغيرهما.. فمن أراد أن يكون
فصيحاً ، أو شاعراً ، أو فيهما ، وهكذا .. فليكرر الاعمال
والافعال المناسبة لذلك الامر المقصود ، وقد جربنا ذلك كله ،
فوجدناه أمرا لا يمكن التشكيك فيه ، كما هو ظاهر لمن راجع
مألوفاته وعاداته ، ونحوهما .. لكن شاع في زماننا الاهمال حتى
تخيل بعض الناس خلاف ذلك ، فخابوا ولم ينالوا مقصودهم، وهو
الموفق .
ــ 32 ــ
الكامل الممتاز هو الذي
تساوى أمره عنده وجوباً، وعدماً .. وإقبالاً، وإدباراً ..
وغناء، وفقراً .. وجاهاً، وخمولاً .. وعافية، وبلاء ..
ودخولاً، وخروجاً ، وهكذا .. بل هو الذي تساوى عنده الحياة
والممات ، فهو لا يرى أمرا تستريح إليه نفسه .
فمن أين يعلم بما يصلحه
ويفسده في كل أمر وارد عليه في دنياه وأخراه ، ومن نظر بعين
البصيرة وجد ما قلناه حقاً ، فليواظب على ردع نفسه في كل ما
تألفه ، وترغب فيه بمقتضى الطبيعة ، وليتوجه إليه تعالى فازعاً
إليه في جميع الواردات عليه .
قلت :
أولاً : نحن لا ننكر ملائمة
النفس لشيء ومنافرتها لآخره ، ولكن ليس هذا معنى الصلاح
والفساد .
وثانياً : أنا نجد الفقر ــ
مثلاً ــ حافظاً لقوم مع أنهم ينفرون منه ، وهو عين صلاحهم،
وان أبته نفوسهم .. وكذلك نجد الغنى مهلكاً لقوم مع أنهم
مرتاحون به ؛ ولكن عين الفساد ، وقس عليهما غيرهما مما يرد
عليك .
وثالثاً : يلزم رياضة النفس
على كل حال، تارة تحملا مما تنفر منه، وأخرى قطعاً لما تألفه .
ورابعاً : الغرض من هذا هو
التسليم إليه تعالى في كل شيء استند إليه تعالى .
إذا عرفت هذا .. لزمك في كل
آن أن تنظر لنفسك وما تألفه وتنفره قائلاً لها : كيف تفرحين
بهذا ، ولعله يسؤك من بعده ؟!.. وكيف تنفرين من هذا ، ولعله
يسرك من بعد؟!.. فإذا وصلت إلى هذا حزت خيراً كثيراً في دنياك
وأخراك ؟..
|