|
«مرجعية
السيستاني» الدور الإميركي في العراق
نص الرسالة التي
أرسلت إلى السيد علي السيستاني:
بسم الله الرحمن
الرحيم
{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ
وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ
وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} ([1])
قبل بضع سنين
أرسلت إليك ياسيدنا رسالة أذكرك فيها «بواجباتك الرسالية» إزاء
الأحداث التي كان يمر بها العراق آنذاك, وإزاء الحكم الطاغوتي
الذي عصف بالبلاد, واهلك الحرث والنسل, واذهب زهره شباب البلد
.
ومع الأسف لم تجيب
لتلك الرسالة, ولا لغيرها
من الرسائل والنصائح التي أرسلها لك
المحبون والموالون.
وها
أنذا اليوم أجد نفسي مجبرا على إرسال رسالة أخرى لهول الخطب
وعظيم المأساة, ولأني لازلت أجد في نفسي أملا أن تستمع
لكلامي, وتذكر من قولي.
أنت تعلم ياسيدنا
أن عالم اليوم هو عالم الصراعات والمصالح, والدول الضعيفة
المفككة لا تستطيع إلا أن تكون منهباً لأطماع الأقوياء, وساحة
للتصارع والتجاذب الدولي, الذي يسحق الشعوب المظلومة سحقا, و
يذر ديارها قاعا صفصفا..وهاهو عراقنا اليوم كما تراه بلد خراب
عصفت به البلايا عصفا, وحولته الفتنة الى أهوال ورزايا قفرا,
وكأن الموتَ قد اختار بلادنا مسكناً وكأن الضيمً والقهرً
والآلام لم ترتض غيرنا بديلاً.
لا أريد أن أتحدث
عن الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من ذل وهوان, لأننا
جميعا نشترك في ذلك ونتحمل المسؤولية, ولا أبرء أحداً, مع
الفارق بالطبع في نسبة التأثير, وحجم الدور بين شخص وآخر,
لقد أصبح
العراق اليوم ساحة تصارع للقوى الإمبراطورية لتحقيق طموحاتها,
وبلدا محتلا مفتوحا لأطماع الغربيين, ومؤامرات المستعمرين
الدوليين, وعبث الفسدة الظالمين, ودم العراقي أصبح بضاعة تباع
وتشترى بأبخس الأثمان، ويقتل كما يقتل الكبش من غير دمعة تسكب
عليه, أونادب يندب لديه اليوم خمسون يقتلون وغدا ستون وبعد غد
ثمانون, فلسنا سوى أرقام تذكرها زوايا الصحف والعناوين
الجانبية للأخبار.
تبكي نساءنا ولا
من مغيث, وتُيتم الأطفال, ولا من معيل, ونساق جميعا للموت
كالأضاحي, اليوم أخي, وغدا أنا في أقذر إبادة جماعية حدثت
لشعب, ويهجر الآلاف من بيوتهم, يعانون ذلّ الحاجة وشظف العيش
والغربة عن الأوطان والديار, حتى وصل الحد أن تختطف الهاشمية
أمام أعين الناس من قبل أجلاف التكفيريين يعتدون على شرفها ثم
يقتلونها بدعوى إقامة الحد عليها, ويقتل الرجل ويمثل به وتشق
بطنه وتملأ بالمفخخات, ويرسل إلى أهله لقتلهم
.
بل لعمرك أصبحنا
لا أكثر من مختبر لتجربة الأنواع الحديثة من الأسلحة, والوسائل
الجديدة من السياسات, ونهباً لسراق النفط, والثروات الطبيعية.
إن الساسة في
أمريكا«ياسيدنا» لم يتصرفوا يوما كمؤسسة خيرية أو إنسانية, ولم
يفكروا يوما في إصلاح أخطائهم تجاه الآخرين من الشعوب
المظلومة. وتاريخ سياسة أمريكا في معظم دول العالم يثبت ذلك
ويخطئ كثيرا من يتصور خلاف ذلك , ويخطئ أيضا من يتصور أن الله
ضرب صدام بها, ومن ثم ستتركنا وشاننا بعد أن أصلحت خطاها بدعمه
وتقويته, فقد أثبتت السنوات السابقة عقم هذه النظرة, وأنها
تحمل أجندات أخرى غير معلنة, وإنها أبداً لا تريد عراقاً
مستقراً مزدهرا
.
إنها
تريد بلادا ممزقة, وساحة لقتل أعدائها, وتدريب قواتها, واختبار
أسلحتها, وإدارة السياسات العالمية باتجاه مصالحها, ومسوغا لمص
أموال دافعي الضرائب الأمريكان بدعوى محاربة الإرهاب بعيدا عن
أرضها.
إنها تؤيد
الديمقراطية إذا نفعت مصالحها, وتحاربها إذا لم تعطها ما
يرضيها, وتدعي محاربة الإرهاب, واغلب الجماعات الارهابية
والتكفيرية تشكلت تحت إشرافها,
وكذا الحال بالنسبة للدول العربية,
والقوى العالمية, الجميع اتخذ العراق محطا لتطبيق سياساته
القذرة على حساب امن بلادنا, وحياة أبنائنا, ومستقبل أطفالنا.
ولا أريد أن أتكلم
عن تحمل «المرجعيات» السابقة لجزء كبير من التقصير في النهوض
بواجباتها أزاء الأحداث السياسية التي شهدها تاريخنا المعاصر,
فها نحن ندفع الثمن لسكوت من سكت على قدوم العبثيين للسلطة,
والسكوت عن مآسي الحرب على إيران والكويت, والحصار الظالم,
والسكوت على قتل الأخيار والأبرار والعلماء من شعب العراق,
واعتقد انك تدرك ذلك «ياسيدنا» وتتذكر ذلك التقصير, ولا نقول
الارحم الله الماضين من علمائنا ونسأل الله أن يهديك للاتعاظ
بأخبارهم.
ولكن.. المهم
اليوم هو أن نتكلم عما نحن فيه, وكيف نتدارك الخلل, وننهض
لإصلاح الواقع الكارثي, الذي يعيشه شعبنا؟.. فيا «سيدنا» إن
وجودك في النجف الاشرف شئت أم أبيت, وادعائك زعامة «المدرسة
الدينية» فيها, وإتباع غالبية الشعب العراقي لك بالتقليد يضع
في عنقك مسؤوليات كبرى, لايمكن أن تتخلى عنها وأمام مسائلة
شرعية وقانونية تاريخية لا تملك إلا أن تنهض بها ومسؤولية
مباشرة عن حياة الناس ومعاشهم وليس فقط عن دينهم ومعادهم
.
لاتستطيع القول
إني رجل «دين» فقط وادعوا الله أن يهدي قلوب العراقيين وانتهى
الأمر, فأن ذلك إطلاقا غير ممكن خصوصا وان المدرسة الدينية
علمت الناس ولقرون أن لا يفعلوا شيئا دون الرجوع إليها, واخذ
الفتوى منها, واستمداد المشروعية من موافقتها لا في التقليد
الفقهي في الفروع فقط بل في كل شئ
.
ولا تستطيع القول
إن هناك «قيادات» سياسية هي المسؤولة عن الواقع السياسي لان
ذلك خلاف واقع الشعب العراقي, الذي يستمع أول ما يستمع إلى
المرجع الديني الأعلى ويقدم قوله على كل قول, وتعلم أيضا إن
عشرات بل مئات السنين من تربية الحوزات الدينية للمجتمع جعلته
لا يكترث لأي سياسي, ولا يصدق بقول أي زعيم, ولا يأبه لأي
ثائر, بل تعلم أيضاً أن التقليد بصيغته التطبيقية الحالية أنتج
قطاعات اجتماعية لا تستطيع اتخاذ قرارات لنفسها, بل تنظر
للمرجع الديني قبل أي شيء
وهو أيضا
خلاف واقع الحال الذي يحكم بأننا جميعا أزاء احتلال مشؤوم على
الجميع أن ينهض للاعتراض عليه والتحذير من خطره، سواء كان
زعيما سياسيا, أم مرجعا دينيا, أم مواطنا عاديا.
ولا تستطيع القول
أيضا إني ضيف على هذا البلد لا املك أن أتدخل في شؤونه لان
الغالبية من الشعب العراقي تتبع المرجعية العليا, التي تمثلها
أنت وهو ما يجعلك عراقيا أكثر منهم, ويضع في عنقك كل
المسؤوليات المترتبة على ذلك وإلا فما بقاؤك هنا في النجف وتلك
مدارس إيران والشام والخليج مفتوحة لك ولأي عالم دين يبحث عن
التحقيقات العلمية الدينية فقط, ولا يشعر بالانتماء إلى البلد
الذي يعيش فيه
.
إن العرف يحكم يا
سيدنا بان من يسكن في بلد ما ويأكل من زاده ويشرب من ماءه لابد
أن يكون وفيا لذلك البلد, هذا لو كان أي بلد فما بالك بالعراق
المسلم مثوى المعصومين الأطهار والصديقين والأخيار والبلد الذي
ولاك الناس فيه من أمورهم مالم يولوا إخوانهم أو آبائهم
أوساداتهم أوشيوخ عشائرهم, فهبني اليوم مسستك بكلمة نابية لا
سامح الله أما كانت تجرح الناس قبل أن تجرحك وتجعلهم يتبرءون
مني وأنا الهاشمي حفيد النبي الأكرم وابن عبد المطلب وانأ من
سكن آبائي وأجدادي لقرون في هذا البلد ..ألا يدلك هذا على انك
أصبحت اليوم عراقيا أكثر من اعرق سادات هذا البلد.
بل الشرع يحكم
أيضا «يا سيدنا» بان الفقيه المسلم المؤمن يحمل الهم الرسالي
لبلاد الإسلام ولأبنائه كافة ..وهو لو عاش في مكان, ما فانه
كحصن سور المدينة لذلك المكان يدافع عن أهله وجيرانه, ويذب
عنهم, ويضحي بالنفس والمال من اجلهم, فان لم تدافع عمن اتخذك
«يا سيدنا» مرجعا وزعيما فعمن الدفاع سددك الله؟!..
ولا تستطيع أن
تقول أيضا أن ذلك من بلاء الله الذي يختبر به عباده المؤمنين,
ولا املك تغيير شئ بيدي, لان الواقع الذي يعيشه الإنسان هو
نتاج المواقف والسياسات, التي تتبناها الجماهير, والقيادات
التي تقودها, وهي القادرة دائما على خلق واقع أفضل , وهذا
الكلام قد يصح لو كانت مأساة العراق في زلازل تشقق أرضه، أو
سيول, أو عواصف تضربه، أو ربما صواعق, أو حجارة تسقط على رؤوس
أهله, ولكن مشكلة العراق, كما نعلم جميعا هي في السياسة لاغير,
وهي فرع التردد والتراجع من عامة الناس, أو بالخصوص من
قياداتهم , وهي فرع ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيسلط
الله على الناس شرارهم فيدعون فلا يستجاب لهم
.
ولا تستطيع القول
أيضا إن الناس وان أحبت المرجعية, إلا أنها تتراجع لو دعوتها
لشئ فيه الخطر والأذى, لأنك رأيت في اقرب التجارب كيف سعت
الناس جماعات وجماعات لتلبية دعوتك في أزمة النجف, أو دعوتك
لدعم قائمة الائتلاف في الانتخابات الأخيرة , ولو راجعت شيئا
من التاريخ لما وجدت الجماهير تخلت يوما عن المرجعية، بل غاية
الأمر إن بعض المرجعيات لم تملك الأسلوب الذي توجه به الجماهير
الحاشدة المحبة؟!..
وها أنت تشهد «ياسيدنا»
مايحل ويحدث في البلد فهلا كان ذلك مدعاة لك لتنهض ضد هذا
الواقع المأسأوي؟ وهلا دفعك للخروج من بيتك وكسر عزلتك ؟ أيعقل
أن لا تؤثر فيك صرخات الأرامل والثكالى وعويلهن وتنتصر لهن؟!..
أيعقل أن لا
يدعوك كل ذلك إلى التساؤل عن سبب تلك الماسي وعن الوسائل
الناجحة للحل؟!..
أي إن السؤال الذي
يطرح عليك اليوم هو هل انك فكرت في حل لهذه المأساة؟!..
وهل تعي«يا سيدنا»
حجم المسؤولية التي أنت بازاءها اليوم؟!..
وهلا دعوت
العلماء ورجال السياسة إلى تدارس هذه الأزمة؟!..
وهلا عقدت مجلسا
دوريا للتباحث والاتفاق على الصيغ التي يمكن أن تساعد في
الحل؟!..
وهلا دعوت إلى
مجلس لذلك على الأقل لرجال الدين من كافة المذاهب؟!..
وهلا جمعت
الفرقاء, وقاربت بينهم وتحاورتم وتقاربتم واتفقتم على منهج
محدد واحد للعمل من اجل خلاص العراق من هذه الأزمة؟!..
فلماذاسددك الله
لم تفعل أي شئ من ذلك؟!..
وما بالك«ياسيدنا»لم
تتفقد عائلة واحدة لحد الآن من العوائل المنكوبة في بغداد,
أوديالى, أوسامراء, أو البصرة, أو حتى في النجف الاشرف, أو
كربلاء.. أو زيارة عائله مهجرة بسبب الاحتلال, أو العنف
الطائفي؟!..
وأين هي المؤسسات
الخيرية التي تسد بعض الحاجات الآنية, وتطيب بعض الجراح, وتنهض
ببعض الأعمال الإنسانية؟!..
وأين هي المناهج
التي يفترض بك البحث عنها لإرضاء النفوس المتحيرة, وبناء الصدع
الذي حدث في شخصية الإنسان العراقي بسبب تكالب الأزمات
والمآسي؟!..
وأين هم الوكلاء
الذين أرسلتهم الحوزة العلمية لتطيب خواطر الناس ومشاطرتهم
أزماتهم؟!..
وأين هي التظاهرات
التي دعوت لها ضد الأفعال المشينة للمحتلين, وضد وجودهم في هذا
البلد؟!..
حاشا أن تكون علوم
المنطق والأصول قد أنستك مفاهيم الحرية والاستقلال, وحرمة
الخضوع للأجنبي.
ومعاذ الله أن
ينشغل رجل الدين المسلم بالخاص والعام والمطلق والمقيد عن
النظر لمآسي الأيتام الذين تغص بهم الشوارع والطرقات.. ومعاذ
الله أن تكون تشابكات ما يحدث في البلد قد أنستك ضرورة مجابهة
الاحتلال ووجوب خروجه.. ومعاذ الله أن تكون سيول دماء
العراقيين قد أنستك أَن قطرةَ دمٍ أحدهم أكرم على الله من
الكعبة.. ومعاذ الله أن يكون المنافقون والمطبلون والمتزلفون
من المشبوهين والمغفلين ممن يصفق لك بأنك صمام الأمان للعراق
والعراقيين قد خدعوك بكذبهم.. وكيف تصدق أنك صمام أمان دولة,
ومرحلة يقتل فيها مليون إنسان بريء ظلماً, ويتشرد ثلاثة أضعاف
هذا العدد هائمين على وجوههم, ويجوع ثلاثة أضعاف هذا الضعف,
ولا يجدون ما يسد رمقهم؟!..
أَلم يشاركك الناس
بخمس أموالهم, وشرطوا لك نصف أوقاتهم, وعاهدوك لله بكل
أرواحهم, ولكنك بخلت عليهم بكلمة استنكار ضد محتليهم؟!..
الم تفكر «ياسيدنا»
في استغلال الالتفاف الجماهيري في تحقيق مصلحة رسالية تهم هذا
البلد, وليس من مصلحه اليوم اكبر من السعي لتحريره من هذا
الاحتلال الذي يعيث فسادا؟!
وهلا علمت الناس
مفاهيم الاستقلال وحرمة الاعتماد على الأجنبي؟ وهل دعوت
الحكومة« المنتخبة» إلى ممارسة النشاط لإخراج المحتل بالاعتماد
الكامل على الجماهير أولا وأخرا؟!
وهل أخبرتهم إن
السكوت على بقاء القوات الأجنبية في البلد هو من أكبر
المحرمات, التي لا يمكن السكوت عنها, وان خروج هذه القوات يجب
أن يكون أول أولوياتها؟!..
وهلا قدمت لهم
الدعم للمطالبة بذلك أم أنهم أقنعوك إن الأمريكان جادون في
بناء القوات العراقية, وعازمون على الخروج من البلد فصدقت
وعودهم؟!.. أم أنهم أقنعوك أن الحل بالصبر على وجود الأمريكان
ريثما تبنى مؤسسات البلد؟!..
إن الحل«ياسيدنا»
ليس في الصبر على بقاء الاحتلال, ولا في تدويل القضية
العراقية, ولا دعوة دول الجوار, أو منظمات العالم, أو القوى
الكبرى لعقد المؤتمرات, ولا بالدعوة إلى مباحثات فلان دولة مع
أخرى, ولا فتح القنوات مع فلان جهة . وليس الحل عند خليل زلماي
زاده أو من يأتي من بعده من السفراء, ولا الساسة العرب, ولا
العامل الدولي, ولا أي شئ من هذه الأسماء, ولا هو بالمطالبات
الخجولة لتحسين الخدمات من ماء أو دواءً, وهو ليس عند غير
العراقيين إطلاقا, وليس في غير خروج الأمريكان بدعوة عراقية
خالصة, وبداية هذه الدعوة يجب أن تكون منك, ومن بيتك, ومن
الموقف, الذي تتخذه أنت باعتبارك مرجعا مسموعا الرأي متبع
الفتوى, وباعتبار إن أكثر الناس تنتظر الصوت والرأي منك, ولا
تقبل من أحد سواك, وباعتبارك المرجع, الذي يمثل عندهم الدين
والمحبة لله تعالى ولرسوله وللمعصومين, والذي يفترضون إن
إتباعه يقود إلى خير الدنيا والآخرة.
نعم يا «سيدنا» لا
حل غير خروج الأمريكان، ولا يخرجون إلا إذا طالبت الغالبية من
الشعب العراقي بذلك، وهذا لا يحدث إلا بتدخل قيادة مسموعة
الكلمة في أوساط هذه الغالبية، وليست هذه غير« المرجع الأعلى»
الذي تمثله اليوم أنت.
نعم لايحدث ذلك
إلا باتفاق جماهيري, ودعوة عامة لخروج المحتلين, وتظاهرات
حاشدة, واعتصامات مدنية, وإضرابات تعم إرجاء البلد, وهو مالن
تحدث من دون دور لشخصية رمزية, وهي كانت دوما «المرجعية
العليا».
سلمنا إن الحل
العسكري والمجابهة بالقوة أمر محفوف بالمخاطر, ويؤدي إلى ضياع
الأمن ما يشجع الأمريكان على إنشاء جماعات مشبوهة تقتل الناس,
وتنشر الفساد, وتوقع العراقيين بين بعضهم ليقولوا بعد ذلك إنهم
باقون إلى حين إحلال الأمن ,ناهيك عن الدمار الذي تخلفه عملية
المجابهة بالسلاح من جراء اعتماد الأمريكان على سياسة القصف
الأعمى للأحياء السكنية, فهلا طورتم سياسة أخرى تعتمد
التظاهرات السلمية التي قد تحرج الأمريكان أكثر من سياسة
القوة؟!..
أليس في تجارب
الشعوب السابقة إثراء لوضع هكذا خطة ؟؟ وهل المهاتما غاندي خير
من رجال العلم والدين؟!..
أترضى أن يقول
الناس: يا ليت لنا احد الصدرين حياً لما سكت عن كل هذا الموت
الشنيع الذي يتعرض له أبناء البلد؟!..
أليس المفروض أن
يكون كافة أهل العلم والدين متساوون في الشعور بالمسؤولية تجاه
دماء الناس وحرماتهم؟!..
أم كيف ترضى أن
ينشطر الناس إلى شطرين شطر يتبع التيار الصدري ممن يرفض وجود
المحتل, وشطر آخر يسكت على بقائهم في البلاد محتجين بسكوتك يا
سماحة السيد؟!..
أم كيف ترضى أن
يقول الناس: إن هذا هو قدر العراق المظلم أن يتعرض لأشد
الأزمات في الأوقات التي يفتقد فيها للقادة الرساليين الذين
يمكن أن يقودوه بحق ويوصلوه إلى طريق السلامة؟!..
وكيف تنسى«ياسيدنا»
انك تقود اليوم المدرسة التي تمثل تراث ألف سنة من تاريخ مدرسة
النجف؟!..
أيعقل أن ترضى
هذه المدرسة باحتلال أجنبي, ولا يكون لها الموقف الواضح لتذهب
بذلك مداد مئات العلماء ودماء آلاف الشهداء التي ذهبت لتأسيس
مفاهيم حياتية راقية تدعو إلى الحرية والاستقلال, والاعتماد
على الله, ثم النفس وحماية الناس والتضحية من اجلهم؟!..
أترضى أن يقول
الناس إن هذا هو ديدن المدرسة النجفية منذ زمان السيد اليزدي
والى اليوم ..ابتعاد عن الشأن السياسي، وسماح لمن هب ودب من
مستعمرين دوليين أو طواغيت محليين بالتلاعب بمصائر الناس،
وانزواء عن الشأن الاجتماعي، وانطواء على النفس والمباحث
التقليدية القديمة فقط؟!..
لا يغرنك المسوفون
الذين يكررون مقولة سندعو لخروج الاحتلال بعد بناء قواتنا ,ولا
الذين يهولون ويخوفون بالحرب الاهليه لو خرج الأمريكان. وهل
نحن إلا في حرب أهليه صنعها الأمريكان, ولا الذين يطبلون
بالمساعدات الدولية التي ستتدفق على خزائن العراق, وهم يعيشون
على بحيرات من الخيرات والثروات والمعادن الطبيعية, ويحلمون
بفتات البنك الدولي, وقروض الدول الغنية, ويتناسون أن القوى
الكبرى إنما جاءت لسرقة البلد وليس العكس؟!.
خروج المحتل هو
الشعار الذي يجب أن ترفعه الآن, وسيرفعه معك كافة الشرفاء من
أبناء الأمة, والاعتماد على النفس, وسد الثغور, وعدم بقاء أي
قوات أو قواعد أجنبية, هذا اقل ما يمكن توقعه من «المرجعية»
التي تمثل خط ابن أبي طالب ,وجدولة انسحاب القوات المحتلة يجب
أن تكون بيد الشعب العراقي لا بيد قادة البيت الأبيض ,وان هذا
الشعار هو الكفيل بتوحيد الناس على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم
,وهذا الشعار هو واجب مقدس على كل إنسان فكيف بمن هو ابرز
قيادات هذا البلد, بل إن كل يوم تأخير في خروج الاحتلال يعني
مزيدا من الضحايا الذين نتحمل جميعا المسؤولية عن دمائهم وأول
المسؤولين هم قادة ومراجع البلد؟!..
ولا تنفعنا هنا
المطالبات الخجولة, أو الدعوات الرمزية, بل المطلوب خطط عملية,
ودعوات جماهيرية كبرى تدفع المحتل للتسليم لإرادة الشعب.
أليس من العيب
علينا جميعا أن يوكل الأمريكان قرار الانسحاب إلى القادة
العسكريين الميدانيين, وتسكتون انتم والحكومة على ذلك, ولا
تردون إن الانسحاب يجب أن يكون بأيدينا؟!..
فهل تصدقون إن
القادة الميدانيين يسحبون جنودهم بهذه البساطة؟!..
وهل صدقتم تاجرا
يترك تجارته طواعية؟!..
بل أنا لك زعيم
أن جنرالات الحرب الأمريكان سيبقون على هذه الحال عقود فعقود,
واشد من ذلك عيباً أن يتصور البعض إن الأمريكان لايرغبون في
المواجهة مع أتباع آل البيت(ع), وان كل هذا القتل الذريع هو من
عمل التكفيريين والعبثيين ويعمون عن كل الدلائل التي تشير على
دعم الأمريكان للحركات التكفيرية, حتى وصل عدد الضحايا إلى ما
لا يقل عن نصف مليون إنسان, ويعمون أيضاً عن كون السياسة
الأمريكية قائمة على هذا الأسلوب من موازنة الأطراف المتقاتلة,
وعدم السماح لأحدها بالانتصار, وان ادعاءها دعم الحكومة ما هو
إلا نصف الحقيقة, التي يكمن نصفها الآخر في الدعم اللامباشر
للقاعدة والحركات التكفيرية لإدامة الحرب في العراق.
ألا تشعرون أن
أبناء هذا البلد سواء من أتباع آل البيت(ع), أو من غيرهم في
طريقهم إلى الانقراض والتلاشي؟!..
وما ذا تنتظرون
أكثر مما حدث؟!..
وكم من الدماء يجب
أن تسال لتصحو المرجعيات الدينية والسياسية لتبدأ بالدفاع عن
الناس وتناسي الدبلوماسية والمجاملات وتدعو بقوة لخروج القوات
الاحتلالية؟!..
ألا تشعرون إن كل
مصائرنا ومصائركم أضحت اليوم بيد المخابرات الأمريكية
والعالمية؟!
وهاهم قد جعلوا
البلاد ساحة للفصل الدموي بين أبناء الشعب على أساس طائفي
وعرقي, ولو أرادوا اليوم تقسيم البلد لفعلوا, ولو أرادوا إبادة
مدن بأسرها لتجربة أسلحتهم لفعلوا أيضا, بل هم اليوم قادرون
على خلق أية فتنة, أو تصفية أية شخصية, أو هدم أي معلم ديني في
البلد ما دام ينفع مخططاتهم, وكل ذلك بفضل الجيوش المساندة
لهم, والإعلام الكاذب الذي يخدعون به حتى أبناءنا ووجود
أعوانهم من أجلاف التكفيريين, وقبل كل ذلك بفضل سكوتكم.
إلى
متى ينطق الجميع، ويتكلم الكل، عن"مصالحه" في العراق إلا أهل
البلد الذين لازالوا ينتظرون الكلمة منكم؟!..
والى متى نقتل
كالخراف من قبل المحتل وأعوانه, في نفس الوقت الذي نتهم فيه
بالعمالة له في اغرب مفارقة تأريخية لا سبب لها غير سكوت"
القيادات الدينية والسياسية" وتركهم أمر البلد لرحمة العوامل
الدولية, وتلاعب الصغار, والكبار في شؤونه ووضعهم كل آمالهم في
السلال الأمريكية؟!..
الم تفكروا في
كثرة الفتن التي ساقها لنا المحتلون, والتي أوصلوا البلد فيها
إلى هذا الحال ؟!
ألا تخافون من فتن
جديدة يهرق فيها المزيد والمزيد من الدماء بعد أن أصبحوا
يتحكمون بكل شئ؟!..
ألا تخافون أن
تصل هذه الفتن غدا إلى بيوتكم حرسها الله؟!..
ألا تخافون أن
تقتل أبنائكم كما قتلت أبناء الناس؟!..
أو تهجروا كما
هجرت الناس؟!..
وما الذي بقي من
أعماركم «أطالها الله» كي تشحوا بها عن النهوض بمشروع لإخراج
المحتلين, وحفظ أرواح الصالحين؟!..
انهض «يا سيدنا
سددك الله» وطالب بخروج المحتل فورا ففي ذلك المنجى من كل ما
نحن فيه..علم الناس أن تخرج إلى الشوارع, وتنظم المسيرات,
وترفع اللافتات..علم الناس الثقة بالنفس, وقل لهم إننا نحن فقط
من يستطيع تنظيم شؤون البلاد, ورص الصفوف, وحماية
الحدود..علمهم إنهم قادرون على وقف النزيف, وإنقاذ البلد
بإخراج المحتل ..علمهم أن يصبروا ويتحملوا, وان لايستفزهم من
يستعمل المدافع والرصاص ضدهم سواء من المحتلين, أنفسهم أو من
أتباعهم من الجماعات التكفيرية.
علم الناس أن
المرجعية الدينية لاتزال تملك القوة للإفتاء بحرمة السكوت على
بقاء الاحتلال, وإنها تملك الآلية لإنجاح تلك الفتوى وإنها لو
أفتت بذلك فان ذلك سيكون يوما عصيبا على المحتلين.
علمهم إن المسير
الحسيني الحقيقي هو ما كان لأجل تحقيق الأهداف الرسالية, التي
استشهد من اجلها الحسين, وأولها تحقيق الاستقلال, وصون كرامة
ابناء الأمة وان المسيرات المليونية الحسينية لا قيمة لها ما
لم ترفع الشعار الأكثر مطلوبية اليوم, وهو خروج المحتل ..وان
التظاهرات الشعبوية العارمة والمتواصلة هي التي تستطيع جمع
اكبر حشود ممكنة من الناس لإقناع المحتل أن لامكان له بيننا
,وان صبرنا ليس بلا حدود, وهي فقط تستطيع جمع الشعب بكل أطيافه
لتحقيق الاستقلال,وهي فقط ما يخشاه المحتل المجرم أكثر من أي
شئ آخر ,ولا يتحقق أي من ذلك من دون رمز يمثل المرجعية, فهل
وعيت كلامي رحمك الله
.
{وَاصْبِرْ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ
وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ
عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ
مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً }
سورة الكهف الآية
28.
عصام
الحسيني الياسري
10
ذي الحجة 1427
هـ
|