![]() |
|
|
|||||||||||
|
|
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
||||||||||||
|
|
|
|
|||||||||||
![]() |
|
||||||||||||
|
|
||||||||||||
|
|||||||||||||
|
|
|||||||||||||
|
صراع من جديد «الحوزة العربية.. الحوزة الفارسية»
وقد ظل المشاهدة و«الحوزة» بعد تلك المرحلة، على حالهم، والتعايش من جديد مع ما آلت اليه الأمور، لكن الاحساس بأزمة «الحوزة العربية والفارسية» في النجف تحَّرك من جديد، وشعر الجميع انهم خسروا في هذا «الصراع» الداخلي ـ المحلي، حول «هوية الحوزة القومية» من جديد، ومن الناحية الاخرى كانت عيون الانكليز والسلطة الملكية مفتوحة لقراءة هذا الواقع النفسي لديهم، وكانا في موقع أدارة هذا الواقع من جديد، بأساليب مغايرة، يبقى دائما العقل السياسي «المشهدي» أو «الحوزوي العروبي» أو العقل العراقي العام، وحتى العقل «المرجعي» العربي، قاصرا عن إدراكها بالكامل، لأنه عقل ـ على الصعيدين الشعبي «والمرجعي العروبي» والصعد الأخرى ـ يفتقر الى مكونات مثل هذا الإدراك، والى ثقافة سياسية تؤهله لقراءة فعل الاخر ـ الانكليزي الملكي ـ على اية حال، تحول العراق، وبالأخص النجف الاشرف بعد ذلك الى ساحة مفتوحة لمحاولات تصحيح الخطأ المتمثل بإيجاد «علي الاعجمي» عبر الناطق الرسمي باسمه ـ «ومرجعية التقليد» المشهورة ـ التي أجهزت على منجز ثورة العشرين، ومن ثم إيجاد «علي العربي» الذي ما كان له ان يكون، لولا تحويله الى أحكام هذا الحصار ـ «علي المناطقي» ـ بالتفاصيل التي مررنا عليها، احكم الحصار اللاحق «علي الاعجمي» أو «علي الفارسي» سمه ماشئت، الذي اجهز على ثورة العشرين، وقد اشرنا للتو الى ان الفريقين، كانا في موقع الصراع «اللامعنون» حول الحصار الجديد، اذ ان فريق الانكليز وسلطتهم الملكية أصبحوا في موقع الرقابة الدائمة، بما يعزز منجزهم الجديد في تحويل علي (ع) الى «علي الفارسي»، واستيعاب ردات الفعل «المفترضة» للفريق الثاني الرافض لـ «الحوزة اللاعربية»، فهذا الفريق الثاني صار في موقع الباحث من جديد عن معالجة «الهزيمة» التي انتهى اليها على ارض الواقع، وفي موقع الباحث الدائم عن «المرجعية العربية» مع انه لايمتلك أدوات الوصول الى هدفه ولا يمتلك الا محاولات دائمة متواصلة لـ «عسى» ان تخرجه من هذا المأزق، فهو ـ بعد ان اجتاز محطاته «الثورية» الثلاثة، وتعاطاها كأرث أو تاريخ «ثوري ـ تفاخري» ـ كان يكتوي بنار الواقع، ينظر الى «حوزة غير عربية» في زعامتها والكثير من عمائمها الجاثمة في حاضنته النجفية . ولتطويق تلك النار المكبوته، كان الفريق الاول، الانكليز والملكية، يحاول الإيحاء اليه بانه يتحسس هذا المطلب العروبي، فمارس سياسة إيحائية من جهة، وتوازنية من جهة ثانية، بمعنى انه سعى الى الظهور بانه هو ذاته يريد «حوزة» عربية، و «يسعى» اليها تدريجيا.!!، وقد عبر هذا الفريق عن سياسته تلك بجملة من الإجراءات منها : انه كان يوحي من خلال صحافته بـ «مسعاه» هذا، فيعمد الى رفع الألقاب الفارسية وغيرها عندما يغطي نشاطات «الحوزة»، أو أي أمر مرتبط بها، ويركز في مقابل ذلك على ترويج أو أبراز الألقاب العربية لرجالات «الحوزة» حتى لو كانوا من أصول غير عربية، كما عزز سياسته هذه بعلاقات معروفة وواضحة مع «المرجعيات» العربية المبعدة عن زعامة «الحوزة»، كالشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ عبد الكريم الجزائري، وحسين الحمامي، ومحمد الحسني البغدادي، بعضهم قبل هذه العلاقات وكان على تواصل مع السلطة الملكية، وبعضهم رفضها.. كما ان النظام الملكي كان يحاول قدر المستطاع ان يوظف دور هؤلاء الذين ارتضوا العلاقة معه كمحمد حسين كاشف الغطاء، وعبد الكريم الجزائري إعلاميا، امام الجمهور، وطلاب «الحوزة» العرب، وامام العراقيين جميعا،، وبعض البيوتات النجفية والعراقية الساعية الى هذه «الحوزة العربية»، وبما يعالج امتصاص ردات الفعل التي قد تحصل، ويوحي بأنه بصدد احتضان «حوزة عربية» و «تأهيلها» تدريجياً كبديل لـ «الحوزة الفارسية»، ولكنه في واقع الحال لم يترجم علاقاته مع هؤلاء «المراجع» العرب، ولا إيحاءاته، الى فعل، انه كان يخبىء خطة لئيمة طويلة الأمد ستجعل على المستوى البعيد مطلب «المرجعية» العربية للعراق لعنة عليه وكفيل بقتله الى الأبد، ولابد لمثل هذه الخطة لكي تتحول الى لعنة على المدى البعيد ان تحرر بالمطلب ذاته ـ مطلب «المرجعية» العربية ـ اذ سيسعى .. الى «مرجع» مفصل على مزاجه، وكما يريد هو، بحيث لايشكل خطراً، أو احتمالا لاي خطر عليه، في حين ان شخصيات مثل محمد حسين كاشف الغطاء، وعبد الكريم الجزائري بما لهم من نفوذ ووطنية ورمزية ومعرفة لايمكن ان يكونوا هم بديل السلطة الملكية لـ «مرجع عربي»، ولقد عرف هؤلاء «المراجع» العرب بذلك، لان علاقتهم بالسلطة التي ارتضوها، لم تترجم الى دعم حقيقي «مالي وغير مالي» مقابل إمكانيات «الحوزة الأصفهانية» ـ أي بزعامة الأصفهاني ـ المدعومة مالياً من السلطات الإيرانية آنذاك . واذا كان هؤلاء قد عرفوا نوايا السلطة الملكية، فهذه المعرفة ليس بالضرورة ان تترجم لدى الشرائح الاجتماعية العراقية، والحاضنة النجفية فان الكثير من زعماء العشائر «العربية» التي عمدت السلطة الملكية ايضاً الى بناء علاقات معهم، وجعلت منهم وسطاً ايضاً لإيحاءاتها بأنها «تريد مرجعية عربية».. لم يكونوا في موقع الوعي، الذي يؤهلهم لخطط السلطة السرية في هذا الإطار، كما الحال مع طبقة نخبوية وعمائمية نجفية قلنا سلفنا ان عقلها السياسي اصغر من يستوعب ذلك . وفي مثل هذا الواقع لم يكن سهلا على «المرجعيات العربية» التي قبلت العلاقة بالسلطة الملكية، وعرفت نواياها، ان توصل هذه المعرفة الى العقل العشائري المذكور، والعقل البيوتاتي النجفي والعراقي، والعقل النخبوي ـ العمائمي النجفي، فهذا الاخير وفي حيزه المناطقي النجفي لم يتوقف عن محاولاته في الالتفاف حول «مرجع ما» ازاء الواقع الجديد الذي ضعف في ظله، فلجأ بعد وفاة محمد حسين الكاظمي وقبل تأسيس دولة العراق البريطانية الى الشيخ احمد كاشف الغطاء صاحب «سفينة النجاة»، الا ان وفاته المكبرة أوقعتهم في موقع المراوحة حتى الانتقال الى الدولة العراقية الحديثة بمحطاتها «الثورية، التفاخرية»، والاصطدام بالواقع الجديد لهذه الدولة، وسياستها التي تطرقنا إليها . اذ بعد ذلك كله بقى العنصر المشهدي ضائعا، وهو لم يلتف حول محمد حسين كاشف الغطاء، لان هذا الاخير الذي ارتضى العلاقة بالسلطة، لم تزوده السلطة بأدوات المال وغيره، الذي يؤهله لمواجهة الأحوال «الحوزة اللاعربية»، فهو يعرف ان أدارة العنصر المشهدي تحتاج الى المال، ولعله يعتقد انها غير كافية للتفكير بمشروع نهضوي على مستوى العراق، فهو قد لايملك المال لاحتواء المشاهدة كعنصر مليشاوي، وهو قد لا يرى ان هذا العنصر في حال تأمينه كاف للنهوض بمشروع نهضوي على مستوى العراق، وقد كان بعض المشاهدة ينظرون اليه نظرة «بخل»، لاتؤهله للزعامة بما يحقق طموحهم «النجفي ـ الحوزوي». فهم ـ المشاهدة ـ لا يفكرون في واقع العراق كله، كالشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، الذي يفكر في العراق من خلال «الحوزة» . ولان عبد الكريم الجزائري لم يتصد لـ «المرجعية» بالمعنى المتعارف عليه، ولم يطبع «رسالة عملية» رغم حضوره «الفتوائي» أو السياسي في جدل الحياة السياسية آنذاك، فلم يتوجه اليه المشاهدة للالتفاف حوله، من هنا بقى العنصر المشهدي في حالة من التعايش القلق مع الإحداث القائمة انذاك، وبصدد معالجة ضعفه «المحلي ـ النجفي»، وتأهيل نفسه من جديد لاستعادة هيبة الزعامة، لأنه لم يتحرر ـ رغم تطورات محطات «المجد» الثوري «التفاخري» العراقي التي مررنا عليها ـ من عقدة المناطقية، ولم يرتق بتفكيره الى مستوى الوطن كله، وبقى يعيش صراعات «تراثه» المناطقي، ولم يستطيع ان يؤدي دوراً كبيراً لافتاً بعد دوره الاول الذي جعله في موقع «الزعامة النجفية» بالقوة عندما استدعي لطرد الوهابيين، ودوره الثاني في ثورة النجف وإدارتها محلياً بصورة ناجحة قبل «الثورة»، فقد بقى بشقيه اسير العنصر المالي والزعاماتي النجفي، ولم يتحرر منها على الرغم من الصدمات التي مر بها وعايشها، فهو لم يبادر الى الالتفاف حول زعامات «حوزوية» عربية دون ان ياخذ بنظر الاعتبار هذين العنصرين، وإلا كان هنالك زعامات عروبية «مرجعية» الا ان هذا العنصر لم يرد إعطاءها وسام النجفية، وبالتأكيد ان ذلك لا يلغي مواقفه الالتفافية والدفاعية عن محمد حسين الكاظمي أو بعض محطات دوره الايجابي المحدود، التي مررنا على قسم منها، لكنه ـ كما قلنا ـ لم يكرر دوره التاريخي الاول الذي وضعه في موقع الزعامة النجفية، والثاني المتمثل بثورة النجف، وحتى اواخر فترة«مرجعية» الاصفهاني كان اللون الطاغي على دوره يمثل امتداداً لدوره القديم، السجين لعاملي المال والمناطقية النجفية التي فصلها على مقاسه، واللافظة أو المترددة ازاء أي رمز «مرجعي» عربي حتى لو كان أبوه من سكنة النجف، لكنه كان وافداً من أي مدينة عراقية أخرى، ولذا فهو لم يلعب دوراً اكبر من ادوار التيار الوليد «عمائم عربية + بيوتات نجفية عربية محدودة + رموز عشائر محدودة » المطالب بـ «مرجعية عربية» و «حوزة عربية»، فهذا التيار العمائمي العربي وبعض البيوتات النجفية من أمثال آل زيني، آل الحبوبي، آل الطريحي، وبعض البيوتات العراقية والعنصر المشهدي كان في حالة من القلق، ومع ذلك فان تحولا ما احضر هذا العنصر الاخير، بما جعل منه منحازا الى «الحوزة العربية» بشرطها النجفي، وهذا ما حصل في حادث لسفر الأصفهاني، خارج العراق، وقبل رجوعه اليه، فأثناء سفر الأصفهاني الى إيران للعلاج لفترة زمنية، برزت دعاية في الساحة النجفية باته ـ أي ابو الحسن الأصفهاني ـ قد جن، فاجتمع على اثر هذه الدعاية بعض العمائم من حاشيته في مدرسة اليزدي الكبرى، وابرقوا الى إيران بان الاصفهاني قد جن، ويجب «تقليد» حسين القمي المقيم آنذاك في كربلاء، وكان موقفهم، ـ عمائم خط الأصفهاني هذا ـ ناجماً عن تأخير مرتبهم الشهري الذي يتقاضونه «خبزاً» لا نقداً، وهذه عادة سار عليها بعض «المراجع» حتى قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث كان المرحوم المرعشي النجفي يعطي مرتبه الشهري للطلبة «60» رغيفاً من الخبز، ولم يعط المال . على آية حال : قبل عودة الأصفهاني من سفرة علاجه «أفتى» من خارج العراق ان يوم «السبت» ليس عيداً، حيث صادف زمن العيد وهو هناك خارج العراق، فخالفه في ذلك في النجف الاشرف السيد محسن الحكيم، واصدر «فتوى» بان العيد هو في يوم «السبت» مستغلا في ذلك «الفراغ» الذي خلفه الأصفهاني، وما رتبه من دعايات اتهمه بالجنون، مع ان السيد محسن الحكيم آنذاك، لم يكن في موقع «المرجعية» العليا، ولم يكن من طبقة الأصفهاني «الفقهية»!! انه احد «المراجع» المتصدين للتو، والمعروف ان الناس تبقي مطاعمها وكازينوهاتها مسدودة أيام رمضان الكريم إذا لم يثبت يوم العيد .. هنا حضر، وفي هذا الجو القلق المضطرب، العنصر«الشمرتي»ـ المشهدي، حيث صعد الحاج «شباده، سعد راضي» زعيم الشمرت آنذاك على احد المخابر التابعة لـ «حبيب بوش»، وردد بهتافه المشهور«ان أبا الحسن الأصفهاني فارسي» «ويجب ان يكون العيد يوم السبت» كما حدده محسن الحكيم المحسوب «نجفياً»، وتحول الأمر الى تظاهرة هجمت على المطاعم والمقاهي لإجبار أصحابها على فتحها، رغم ان هذه المطاعم والمقاهي لا تفتح بالعادة في يوم العيد ايضاً ولكن حصل ذلك لإظهار «الاحتجاج» على الأصفهاني، وإبداء التضامن مع محسن الحكيم «النجفي» .. وعليه «انحاز» المشاهدة الى الحكيم «النجفي» الذي كان على علاقة هو الاخر مع الدولة مع وجود رموز عربية «فقهية» مشهود لها بـ «الاعلمية»، الا أنها لم تختم بـ «الختم النجفي المشهدي»!!! وتواصل هذا «الانحياز» الحذر الى «المرجعية العربية» النجفية معبراً عن نفسه عبر «الصراع الجنائزي»، وحيث كان هذا الصراع يطفو على السطح ويظهر فيه العنصر المشهدي في جنائز «الرموز» السياسية أو التجار أو الاقطاعين فيمارسون الضغط والقوة لكي يؤم محسن الحكيم الصلاة على جنائز هؤلاء الرموز، حتى لو كانوا من مقلدي الأصفهاني أو غيره ... وهكذا «انحاز» المشاهدة الى «المرجع» العربي النجفي، وشكلوا عنصرا من عناصر ما أسميناه التيار المنادي بـ «حوزة عربية» من عمائم ورموز وبيوتات نجفية وغير نجفية.
الديموغرافية النجفية ودهاليز السياسة الإطاحة بمطلب «المرجع العربي» بـ «مرجع عربي»
ومع مرور الزمن، وبعدما أصبح الحكيم «مرجعا عربيا اعلى» تتعاطى معه الدولة الملكية من هذا الموقع، وأحس بعض اقطاب هذا التيار بان الدولة التي كانت توحى بأنها تريد «حوزة عربية» فأنها لا تريد زعيما مثل كاشف الغطاء ـ محمد حسين ـ ولا مثل الجزائري، ولا أي رمز عروبي تشم منه رائحة الوطن والثورية، بل استقر خيارها على محسن الحكيم الذي يناغم الطموح المشهدي المناطقي، وحينئذ كان الإحباط، إحباط هذا التيار، سيد الموقف لاسيما ان السيد محسن الحكيم الذي وصل الى موقع «المرجعية» بأياد عربية، افرغ «الحوزة» من عنصرها العربي العمائمي بمساعدة غير مرئية من الدولة، والتزم «التبت» الذين كثرت أعدادهم في «الحوزة» الأمر الذي خيب آمال هذا التيار الطامح لـ «حوزة عربية» وزاده إحباطا، فالذين هتفوا لـ «مرجعية» الحكيم «العربي» و «النجفي بالخصوص»، عادوا أدراجهم منتكسين، بما فيهم العنصر المشهدي الذي حاول بعض عناصره ان يفكروا بالسيد محمد الحسني البغدادي، فذهبوا الى بيته في «المشراق»، ولكن ذهابهم اليه كان متأخرا، ومتأخرا جداً، لان السيد محسن الحكيم برز على الساحة كـ «مرشح غير معلن» للسلطة الملكية، رغم عدم أهليته «الفقهية» بالنسبة لتلك الأسماء «العلمية الكبرى»، وان السلطة الملكية أجادت تمريرـ الحكيم الاب ـ قبل ذهابهم هذا الى البغدادي بسنوات، وأسسته كطموح «مرجعي» عربي بديل في العقل المشهدي «المناطقي» الذي كان منحازا له . والذين ذهبوا الى السيد البغدادي، لا يعرفون «الخلافات» بشكل تفصيلي بينه وبين محسن الحكيم، كما ان البغدادي كغيره لا يملك ادوات المشروع النهضوي على مستوى العراق، ولا يرى ان تأمين هذا العنصر المشهدي المحلي النجفي كاف لاي مشروع نهضوي، وانه كان «مرجعا» معترفا له بـ «الاعلمية» ومن «المقلدين» منذ وفاة أستاذه النائيني، لذا فهو لم يتفاعل أيضا معهم، ورفض طرحهم، لان مناطقيتهم العمياء جعلتهم لا يلتفتون اليه حين كان الالتفات مجديا، يضاف الى ذلك ان هذه المحاولة تكررت عبر مجموعة وجهاء يترأسهم زعيم الشمرت «مغيض الحاج سعد راضي»، ومن الوجهاء كان «الحاج ناجي كعويل ـ التلال» و «إبراهيم جكجوك» و «صالح الجد». بقى البغدادي مصراً على رفضه مطالبتهم بإقامة صلاة الجماعة في الصحن الحيدري الشريف، الا ان هذه المجموعة التجأت الى الضغط عليه من خلال حشد مجاميع كبيرة من سكنة حي (المشراق)، ومن ثم توجههم جميعاً الى بيته على شكل تظاهرة مطلبية «ما يشبه البيعة» لتلبية طلبهم، فاضطر البغدادي آنذاك الى تنفيذ ذلك المطلب، ونزلوا معه جميعاً ليؤمهم في اول صلاة جماعة له في الصحن الحيدري، وعلى اساس خلفية الواقع الديمغرافي النجفي، فان كل هذه المحاولة كانت تفتقر الى اية فاعلية على مستوى الوطن، ولا تعبر عن قرار واع، بقدر ما تعبر عن دوامة العنصر المشهدي بحاله، وعدم قدرته على الخروج من سجنه المالي والمناطقي، فهو لم يذهب الى البغدادي في الزمن المطلوب لأنه «بغدادي»!! وهذا ما يفسر رفض البغدادي الاول مطلبهم، بالاضافة الى إدراكه ان المحاولة برمتها لا فاعلية لها على مستوى الوطن كما أشرنا، اذ لو ان المشاهدة تجاوزوا سجنهم «المناطقي» لذهبوا الى البغدادي العربي و «انحازوا» اليه بعد تصدي الاثنين، الحكيم والبغدادي، لـ «المرجعية» فهم اختاروا الحكيم وانحازوا اليه بما يدلل بان ذهابهم المتأخر الى البغدادي في أواخر الأربعينيات، لايعبر عن خروج العنصر المشهدي عن تحفظه على أي مرجع غير نجفي حتى لو كان ـ كما قلنا اكثر من مرة من ولادة النجف ـ بل هو ذهاب «مجموعة» مشهدية على خلفية الديمغرافية النجفية و «مناكفاتها» الداخلية، فالمعروف ان النجف في السابق كانت لها أربع أطراف ـ محلات ـ طرف العمارة، وطرف المشراق، وطرف الحويش، وطرف البراق، وكان «زعماء الحوزة لا يسكنون طرف المشراق، الا القليلين منهم : آل بحر العلوم، وآل البديري، وآل الحسني البغدادي، لان الشائع بأن هذا الطرف او الحي ـ المشراق ـ يكثر فيه «الفسدة والساقطين والشقاوات»،والحقيقة التي يعرفها نجفيو تلك المرحلة أنهم أصحاب قيم والتزامات لـ «الفقهاء» الذين يسكنون حيهم، وكان البعض من أهالي المشراق ينظر الى البغدادي على انه «عالم المشراق»، بعد وفاة البديري، ومن هنا جاء ذهاب بعض سكنة المشراق، الذين لا يعرف بعضهم البعض موقف البغدادي «المتحفظ» على «مرجعية» الحكيم، اليه الالتفاف حوله، لكن هذا البعض الذي لا يعرف الخلاف الحكيمي البغدادي تراجع هو الاخر عن الالتفاف حول البغدادي (1)، فيما ان الذين بقوا متمسكين به كان تمسكهم نابعاً في حقيقة الامر من عقلية «عنادية» مع محسن الحكيم، واحتجاجية غير معلنة ازاء هيمنته على الساحة التي تحولت «الى أمر واقع». ومن الطرائف والظرائف، وهي في الحقيقة مصائب «الديمغرافية النجفية»، ان عدم سكن «الفقهاء» في المشراق، لم يكن في الواقع بسبب «كثرة الفاسدين فيها»، فهم يسوقون هذا سبباً حول المشراق الذي يسكنه خليط «قومي» حاله حال الأحياء الثلاثة الأخرى، ويسوقون معه اسباباً اخرى، مثل ان السكن في طرف حي العمارة مستحب لانه بين الحرمين، ومثل ان طرف العمارة يحترم سكنته، «الفقهاء» ولان عامة الزكرت فيها بيد «آلبو كلل» و «آل سيد سلمان»، وهم لم يكونوا زعامات سيئة تتجاوز على «أعراض» الناس، وعلى اساس ما شاع وما اشرنا اليه سابقا من مقولة «فسقة الشمرت، وجبابرة الزكرت » ان هذه الأسباب وان صح بعضها، الا ان بعضها الاخر لا يندرج الا في أطار الصراع الديمغرافي والمحلي، وإلا، فان ما أشيع حول المشراق يصح الى حد كبير على أحياء النجف وأطرافها كلها، ولم يكن سبب كثرة الفاسدين في المشراق الا ذريعة، وان «قابلية» الدفاع عن «الفقهاء» الذين يسكنون حيهم، لا يمكن اعتبارها كلها ردة فعل على ما اشيع إزاءه . وهنالك قصة معروفة في الأوساط النجفية حول هذه القابلية، اذ عندما حاول بعض عمائم الفرس، الذين يصلون وراء الملا كاظم ـ الاخوند الخراساني في طارمة الإمام علي (ع)ـ ذات مرة، أنهم يضايقون الشيخ جعفر البديري ـ من سكنة المشراق ـ وان يندفعوا نحو مكان صلاته، ومن ثم تطويقه والتشويش عليها، والاستيلاء على مكانه بقصد إقصائه عن أداء الصلاة، والترويج لصلاة الخراساني كصلاة مركزية، باعتباره «مرجعاً» معروفا في الوسط «الشيعي»، عندما حصل ذلك، هجم سكنة المشراق مسلحين نحو مكان البديري، وأقاموا الصلاة خلفه، ورددوا هتاف «البديري العربي .. عالم المشراق»، ولما كان الخراساني في الطريق الى الصلاة وسمع بذلك، عاد أدراجه درءاً لأية فتنة قد تحصل، ولان ذلك لم يعرف عن سلوكه هو بالذات بما يجعله يلجأ الى مثل هذه الأساليب التي تخطط لها دائما حواشي المراجع .
حصارات علي .. النجف مدينة تعتاش على الموتى عادل رؤوف ص:413 ط: الثانية، المركز العراقي للإعلام والدراسات 2009م
ــــــــــ (1) وقد اجاب آية الله احمد الحسني البغدادي بشكل مفصل على سؤال وجهه له وهذا نصه : « يقول اصحابه فيما يقولون كان الامام المجاهد السيد البغدادي اماماً للجماعة في احدى مساجد النجف.. وبعد ذلك غدا اماما للجماعة في الصحن الحيدري الشريف عام 1949 ميلادية.. بيد ان هذه النقلة النوعية انتابتها معارضة ما كانت مرتقبة.. لماذا وكيف؟! ** هذه المعارضة من بعض المتزلفين لبعض العلماء المتصدين طمعاً في الجاه، وحباً في المال.. ومن ورائهم عناصر وقوى ضالعة وطامعة ومرتبطة بمؤسسة التحقيقات الجنائية العراقية، والسافاك الشاهنشاهية، وعلى هذا لم تكن مفاجئة في حساباتنا لان السيد البغدادي مواقفه لا تنسى ضد الثورة الرجعية المضادة. ومن هنا تحرك الشيخ مغيض بن الحاج سعد راضي (ت 1372) بالتنسيق مع حلفائه من العشائر النجفية.. وطلب من سماحته ملتمساً ان يتصدى لامامة الجماعة في الصحن الحيدري الشريف بوصفه من مراجع الفتيا والتقليد.. ومن الضروري ان يوجد في هذا الموقع المقدس. الا انه رفض هذا الالتماس، وذلك على نهج السلف الصالح من فقهائنا الاعاظم ( إلا ما شذ) من الاعراض والانزواء في مثل هذه الامور.. وبعد الاصرار عليه الذي دام مدة عشرة ليال متتاليات (وبعد التي واللتيا) امتثل لهذه الرغبة الملحة، ولان الواجب الشرعي يحتم عليه ان يشمر عن ساعد الجد، وينهض بهذه المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه. ومن هنا.. تجمع الشباب والشيوخ من العلماء العاملين، والمؤمنين الخيرين في داره الواسعة المتواضعة على شكل تظاهرة جماهيرية لم تكن هذه الظاهرة الاجتماعية مألوفة بالنجف الاشرف حينذاك.. فقدموه لصلاة المغرب والعشاء وإئتموا به، ومن شدة تعلقهم الرسالي به وانشدادهم العاطفي اليه.. كانوا يتسابقون في الائتمام خلفه، وهم يطرحون ما عليهم من الاردية.. بدلا من السجاد الكثير المخصص للصلاة، حتى غدت جماعة مترامية الاطراف يحسب لها الف حساب وحساب.. ومن حيث يحتشد فيها رجال الفكر النابهون، ورجال البلد المتدينون. ومن هنا.. قد باءت بالفشل الذريع تحركات قوى الثورة المضادة.. وبخاصة تحركات جمعية منتدى النشر بمحاولاتها العديدة بتقديم المرحوم الشيخ محمد حسن المظفر في هذا المكان المقدس.. اقول: (مع الاسف الشديد) في ذلك اليوم المشهود الذي صمم فيه زعيم الشمرت وحلفائه بخروج السيد البغدادي لأداء الفريضة اخذت جمعية منتدى النشر تمارس اساليب متنوعة لتحقيق اغراضها وتنفيذ مخططها الاخير.. ومن بين تلك الاساليب: 1 ـ انبرى السيد محمد تقي الحكيم (حالياً عميد كلية الفقه) واتصل هاتفياً بقائم مقام النجف الاشرف السيد ضياء شكارة، وتكلم معه بانفعال من اجل ان يقوم باجراء لازم لتلافي الامر ضد هذا التجمع الرسالي، لانه على زعمه يثير القلاقل والفتن. ـ فرد عليه صارخاً: اتتجاهل هذه الشخصية؟! الم يكن هو الاعلم والتقى الاصل حسبا ونسبا؟! = احس الحكيم بالمأزق الذي وقع فيه.. مما دفعه الى ان يقول له : ان البغدادي عدو النظام الملكي اليس كذلك؟ ـ قال له: ثم ماذا؟ انه بمثابة والدي.. وانه أبو ذر الغفاري في هذا الزمن التعيس.. ثم اغلق الهاتف في وجهه. ونتيجة هذا الرد الصارم اتهم بـ (الماركسية).. وبعد فترة نقل ابو علي الى نواحي البصرة بوظيفة معلم في المدارس الابتدائية.. 2 ـ ذهب غياث الدين بحر العلوم (المحامي) الى صديقه مدير ناحية الحيرة السيد ضياء الدين الحيدري لانقاذ ما يمكن انقاذه وقبل ان يفاتحه بالمهمة المكلف بها.. بادره مدير الناحية سائلاً: هل من جديد في النجف الاشرف؟ طبيعي كان سؤاله باعتبار مقتضى الحال ( كما يقول علماء البلاغة).. فقال له متأسفاً باللهجة العامية: ( تاليهه يلعب بيه البغدادي)!! بدت علامات التعجب والاستغراب على وجهه.. ورد عليه بامتعاض: ـ لماذا تتهجم على هذا السيد المجاهد؟! ـ اليس له صولات في الفقه والاصول ؟! الم يكن من رجالات الثورة العراقية الكبرى؟! = ما هذا وانت يا ابا جلال؟ واي صلة تربطك به؟! . وانت صديقي القديم، وانا جئتك في الحقيقة بمهمة الخلاص من جماعته (فسقة الشمرت) بشكل او بآخر!! والتوسط لدى قائم مقام النجف لانه من مدينتك، ولك خولة معه، وصحبة ومودة كذلك. ـ انت تطلب المستحيل.. فالسيد البغدادي ابن عمي، وقريب مني، ولا قيمة للتسميات، واختلافات الالقاب.. فهو من اسرة لها شأن عظيم عبر قرون متطاولة ثم هو ابن النجف البار مولداً ومسكناً ومدفناً هو، ووالده، وجده الاعلى السيد احمد العطار البغدادي، وهو احق بهذا الاعتبار. = فسكت ولم يتفوه بأي كلام، وفشل بمهمته وخرج منه يجر وراءه أذيال الخيبة والخسران! .. ونتيجة هذا الموقف المشرف, وجهت اليه تلفيقات ما انزل الله بها من سلطان. ثم انتقل بعد ذلك الى الشيخ احمد الطريحي ( ت 1379) حينما بلغ السيد محسن الحكيم ما حدث من مفاجئة جديدة على الساحة النجفية.. فاستغرب بلا ارادة شعورية بهذا الحدث التاريخي.. ثم استدرك الامر بذكاء.. وقال: تصورت الشيخ عبد الكريم الزنجاني (ت 1388) هو الذي حل هذا المكان الحساس.. ولكن الحق يقال: السيد البغدادي وجه من وجوه الامامية، وكانت لي صحبة ومودة معه فجزاهم الله خير جزاء المحسنين على هذه المبادرة الاسلامية.. ولكن للأسف الاسيف كان صهره السيد ابراهيم الطباطبائي حفيد السيد اليزدي موجوداً فرد عليه: ان هذا الرجل (يقصد البغدادي) من اين خرج ونحن الذين كفناه ودفناه بأيدينا؟! بيد ان الحكيم على مزاجه الهاديء، وكلماته البطيئة، فقد اعصابه كلها مرة واحدة، وكل عضلات وجهه مشدودة بالانفعال؟!! ورده بما يستحقه»، كتاب (وجوب النهضة ــ رؤية تأسيسية استباقية حول الجهاد الدفاعي)، ص 26، للامام المجاهد السيد محمد الحسني البغدادي، تحقيقات وتعليقات وترتيبات فصوله احمد الحسني البغدادي، بيروت ـــ لبنان، ط1، 2008م.»
|
|
||||||||||||
|
الموقع الرسمي لمكتب سماحة آية الله العظمى المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله 2004-2011© |
|
|
|||||||||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
||||