أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

العصف المأكول .. ما تبقى من مشروع الاحتلال الأمريكي في العراق

 

 

رعد الجبوري

 

محاضرة

القيت في المنتدى الإجتماعي 

دمشق - الجمهورية العربة السورية

 

الثلاثاء - 15 آيار / مايو 2007

 

 

طيف الهيمنة الكاملة


هناك حقيقة مهمة يجب ان نوضحها في البداية وهو انه لا يوجد واقعياً اختلاف كبير بين القطبين الحاكمين (اي الأمريكي  والسوفييتي) في القرن العشرين. بل ان التشابه بينهما اكثر من الاختلاف. فكلاهما اعتمد على دول وحكومات عميلة أو حليفة، حيث برز النفوذ الأمريكي في شرق آسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية بينما غلب النفوذ السوفييتي أكثر ما يكون على أوروبا الشرقية. كما أن كلا القطبين كانا بنفس المستوى من الاستغلال والتسلط. والنظام الأمني للأمم المتحدة (خلال الحرب الباردة) والقائم على التحالفات والقواعد العسكرية، استند في المقام الأول على تهديدات مصطنعة تحركها دوافع توسعية لقوة عسكرية ساحقة تسعى للهيمنة على العالم، وهي قوة لا تزال تحركها مخاوف مبالغ فيها، ومؤسسة للصناعات العسكرية لا هم لها سوى خدمة الذات.

ان لعب الحرب التي خطط لها البنتاغون وتحدثت عنها مجلة فورتشن Fortune Magazine في عددها الصادر بتاريخ 7 مايو 1979 عن سيناريو حرب محتملة، وفي الصفحة 158من العدد المذكور، ورد تحت عنوان "ماذا لو غزت العراق الكويت" وهنا اقتبس من المقال ما يلي:

 "سيكون باستطاعة القوات العراقية التي تستخدم الأسلحة السوفياتية اجتياح أي من البلدين، الكويت والسعودية بسهولة. وفي حالة طلب المساعدة الأمريكية فستأتي على شكل ضربات جوية تكتيكية في البداية، تستهدف سلاحي الجو والمدرعات وربما المنشآت النفطية العراقية. أما إخراج القوات العراقية من الكويت فسيحتاج إلى انزال المارينز من الأسطولين السادس والسابع وقوة مشاة من الفرقتين الـ 87 و 101.  ونصت الخطة (كما تصورها الكاتب) على وجود  "جيش في السماء" لنقل القوات والمعدات إلى الصحراء العربية، بما في ذلك سبعين طائرة سي-15العملاقة، والسي-141 الأصغر وعددها 234 طائرة، بالإضافة إلى 700 طائرة للتزويد بالوقود في الجو من نوع "كي. سي 135". وأعرب كاتب المقالة عن الرأي الأمريكي القائل إن العمال اليمنيين في السعودية، ونحو 400 ألف فلسطيني في الكويت، يشكلون عناصر عدم استقرار في الخليج. وهكذا جاءت حرب الخليج الأولى لتخلص البلدين من عبء مئات الألوف من أبناء الجنسيتين الذين غادروا دول الخليج بعد الحرب .و هذه الخطة هي ذاتها التي تم تطبيقها في عاصفة الصحراء ونشرت في مجلة فورتشن قبل الغزو العراقي للكويت بسنوات طويلة أي قبل 12 عاماً من حرب الخليج الأولى في1991.

وعلى نفس الصعيد اود ان اذكر بان عبارة "الصدمة والرعب ٍShock & Awe " التي استخدم كعنوان لحملة غزو واحتلال للعراق ، هي ذاتها التي استعملت كعنوان لاحدى الدراسات التي قدمت الى احدى الاكاديميات العسكرية الامريكية الرئيسية في الولايات المتحدة في عام 1996 اي قبل عدة سنوات من تطبيقها في العراق في 2003.

و هنا اود ان اتوقف كي اسألكم  هل هناك من يستطيع ان يدعي ويتهمني بأنني من اتباع "نظرية المؤامرة" ؟ .

في عام 1993 أبلغ الرئيس كلينتون الأمم المتحدة بأن الولايات المتحدة سوف "تتصرف منفردة عند الضرورة".  وفي عام 1999 أعلن وليام كوهين William Cohen (وزير الدفاع في عهد كلينتون) بأن الولايات المتحدة ملتزمة "بالاستخدام المنفرد للقوة العسكرية" في سبيل حماية مصالحها الحيوية، والتي منها "ضمان الوصول بدون إعاقة للأسواق الرئيسية، والحصول على إمدادات الطاقة والمصادر الاستراتيجية " .

ومع بداية الألفية الجديدة ، وجدت الولايات المتحدة نفسها تحتكر تقريباً التقنية والقوة العسكرية في العالم. حيث عبر أحد المساعدين السابقين لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد عن القوة العسكرية الأمريكية الجبارة الجديدة بالقول: "تأتي القدرات التكنولوجية الأمريكية الحديثة مقترنة بالعقائد الجديدة والتنظيم والتدريب على أسس جديدة لتفتح آفاقاً جديدة في الهيمنة تتيح لقوة عسكرية قليلة نسبياً إحداث نتائج عسكرية أكثر قوة وتأثيراً. وهذه العملية في تطوير أفضليات متفوقة في المعرفة والسرعة والدقة والقوة المميتة تندرج حالياً تحت اسم (التحول)."

لقد قسَّمَ المخططون الاستراتيجيون في البنتاجون العالم إلى بلدان تسعى لربط نفسها بقواعد العولمة كما رسمتها وزارة الدفاع والوول ستريت، ويطلقون على هذه البلدان صفة دول "المجموعة المركزية الفاعلة" والقديمة منها تمثلها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان لانه كان لها شرف الريادة في مجال العولمة. اما الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا فهي ضمن "المجموعة المركزية الفاعلة" الجديدة. أما الدول الأخرى التي لا تتقبل قواعد العولمة لأسباب سياسية أو لمفاهيم ثقافية متشددة، فيطلق عليها المخططون الأمريكيون صفة "الثغرة الرافضة للاندماج"، ويندرج العالم الإسلامي ضمن هذا التصنيف، مما يسهل فهم أجندة الولايات المتحدة المقبلة، تحت شعار ما تسميه الحرب العالمية على الإرهاب. حيث ستسعى جاهدة أيضاً لتسويق العولمة وفرضها على الجميع بحيث تصبح عالمية بالفعل.

 

طيف الهيمنة الكاملة

 

وباعتبارها "مديراً عالمياً" فإن الولايات المتحدة مطالبة بتوفير أربعة أشكال من التدفقات، في وقت متزامن، لأن أي انقطاع لإحداها من شأنه أن يعيق عمل الثلاثة الأخرى الباقية، ويتسبب بمشاكل للعولمة، والتي تعمل في صالح الولايات المتحدة ، وبالتالي يصبح من المهم بالنسبة لواشنطن توسيع رقعتها والحفاظ عليها. و  "التدفقات" الأربعة هي:

 

تدفق الأمن.

تدفق النفط.

تدفق الاستثمارات.

تدفق العمالة.


إن العالم الإسلامي أو " دول الثغرة الرافضة للاندماج"، بحاجة إلى أكثر من الاحتواء ، بل إن هذه الدول في عصر العولمة الأمريكي بحاجة إلى "انكماش" وهو أمر لا يتأتى في وقت قصير، وقد يحتاج تحقيقه إلى عدة عقود. ولأن العولمة هي تعبير آخر للإمبريالية الأمريكية، التي تطبق نظاماً عالمياً مسخراً لخدمة أهدافها القومية في المقام الأول، فإن معدي دراسة  "استراتيجية التعامل العالمي"، توصلوا إلى نتيجة مؤداها "إذا كانت دولة ما خسرت فرصة الالتحاق بالعولمة، أو رفضت الكثير مما تحمله من تقدم وتحديث، فإن هذه الدولة قد تواجه عملاً عسكرياً أمريكياً في مرحلة ما".  

في حزيران 2000 صدر عن وزارة الدفاع الأمريكية تقرير بعنوان "رؤية مشتركة حتى عام 2020  " عن الاستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة في القرن الجديد. وفي تعليق للصحافي جيم غارمور Jim Garmore (المتخصص بشؤون البنتاجون) وصف ما جاء في التقرير بأنه  "خطة واضحة لما ستفعله وزارة الدفاع الأمريكية مستقبلاً ".

ويضيف غارمور قائلاً : "طيف الهيمنة الكاملة يعني في الواقع قدرة القوات الأمريكية منفردة أو مع القوات الحليفة على إيقاع الهزيمة بأي خصم والسيطرة على الوضع القتالي أياً كان. وسرعان ما اتضحت حقيقة ما يعنيه الأمريكيون بالاستراتيجية الجديدة وكيفية استخدامها. فقد استغلت إدارة بوش الصدمة التي أصابت الأمريكيين بعد أحداث 11 سبتمبر لفرض عقيدة عسكرية جديدة تتسم بالتطرف الشديد وتثير حالة من الجدل الواسع والتعامل معها كسياسة قومية واضحة".

من جهة اخرى فإن مايكل مان Michael Mann عام 2003 وفي كتابه المعنون "امبراطورية مترابطة"، قد حذر من مشروع أمريكي امبراطوري خطير ومرفوض عالميا.ً فالامبريالية الأمريكية الجديدة، كما وصفها المؤلف، مدفوعة بقوة عسكرية انفرادية تسعى لبسط حكم الولايات المتحدة على العالم. ويقول مايكل مان " إن سياسة "الصدمة والرعب"، التي أطلقتها أمريكا في العراق، لن تقود سوى إلى المزيد من المقاومة. وما يحدث في العراق ليس سوى شهادة على صحة هذا التحليل، الذي كان قد حذر منه أيضاً العالم الاجتماعي تالكوت بارسونز  Talcot Parsons، الذي كتب يقول إن القوة المجردة هي "عامل انكماش ، فكلما استخدمتها زادت انكماشاً" .

ويؤكد مايكل مان وبنيامين باربر Benjamin Barber في كتابه المعنون "امبراطورية الخوف"  المنشور عام 2003 على أن الفشل المحتوم هو بانتظار الامبراطوريات القائمة على الهيمنة العسكرية. وبالنسبة للأول، فإن الولايات المتحدة هي: "عملاق عسكري في المقام الأول ومحرك اقتصادي ثانوي، وسياسي يعاني من انفصام في الشخصية وايديولوجي غامض".

في عام 2004 اصدر المحلل الاستراتيجي ثوماس بارنيت كتابه المعنون "خارطة البنتاغون الجديدة"، ويظهر في الخارطة تلك معظم الدول الإسلامية، بالإضافة إلى دول أمريكا الجنوبية الكاثوليكية التي تطبق مجموعة من القوانين والأخلاقيات المختلفة عن الأخلاقيات الأمريكية كدول رافضة للاندماج في العولمة. وطبقاً للمؤلف، فإن العالم مقسم طبقاً لمفهوم بوش إلى طيب وشرير .. مع الولايات المتحدة أو ضدها .. أما الخط الفاصل بين المعسكرين، وطبقاً للمؤلف بارنيت،  "في عصر العولمة نرسم خطاً فاصلاً بين الأجزاء من العالم التي تعمل جاهدة على دمج اقتصادياتها القومية بالاقتصاد العالمي، والفئة الأخرى من الدول العاجزة أو الرافضة للاندماج في المجموعة الاقتصادية الأكبر".  

مثل هذا الفصل المباشر والفظ لا يختلف بشيء عن القول الذي أعلنه اللورد بالميرستون  Lord Palmerston  وطبقته الامبراطورية البريطانية قبل قرون، والذي نص على أن :  

"علينا المتاجرة دون استعمار إن أمكن ولكن بالاستعمار عند الضرورة".

وطبقاً للمخططين الاستراتيجيين في البنتاجون والخبراء من المحافظين الجدد، فإن احتلال العراق لم يكن بهدف "تسوية حسابات قديمة أو تطبيق القرارات الدولية الخاصة بنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، بل جاء تطبيقاً لاستراتيجية الحروب الإجهاضية المثيرة للجدل، التي اعتمدتها إدارة بوش على طريق امتلاك الأمن الاستراتيجي لأمريكا في عصر العولمة" ، كما يقول ثوماس بارنيت وهنري غافني، والأول كان يعمل خبيراً في الشؤون الاستراتيجية المستقبلية في إدارة تغير القوى بوزارة الدفاع، أما غافني فكان يرأس فريق أبحاث في مركز الدراسات الاستراتيجية.

وهكذا فطالما أن أمريكا تحقق الفائدة الكبرى من العولمة ومن عولمة اقتصادها، وطالما أنها تستحوذ على نصف الإنفاق العالمي على التسلح والحروب، فإن الاستراتيجية الأمريكية في القرن الواحد العشرين، ستقوم على "استيراد الاستهلاك وتصدير الأمن"، أو بعبارة أخرى على تصدير الحروب.

نلاحظ هنا ان الامبراطورية الأمريكية تختلف عن سابقاتها ممن اعتمدت في حكمها على احتلال الأراضي، في كونها امبراطورية قواعد عسكرية حول العالم، وحكومات محلية وطنية عميلة تحكم بالنيابة عن واشنطن، بتطبيق إملاءات وقوانين أمريكية. ويعود هذا التحول في طريقة حكم الامبراطورية إلى التقدم الكبير المتحقق في مجال تكنولوجيا نقل الجنود والقنابل. فخلال سنوات الحرب الباردة وحقبة العولمة الثانية، ووصولاً للوقت الحالي، نحن أمام عملية توسع وتطوير لنظام عالمي من القواعد البحرية والمعسكرات والقواعد الجوية، ومنشآت التنصت والتجسس ومناطق استراتيجية بحيث أصبحت تغطي العالم بأكمله، مع التركيز على مناطق النفوذ السوفييتي السابقة، التي أصبحت مغرية للتوسع الامبراطوري .

اما شامبرز جونسون (رئيس المعهد الياباني للأبحاث السياسية في كاليفورنيا) فيقول في كتابه المعنون " أحزان امبراطورية ... النزعة العسكرية والسرية ونهاية الجمهورية"، الذي نشر في عام 2004 بأن المشروع الامبريالي الأمريكي (كما نصت عليه استراتيجية الأمن القومي) سيقود إلى أربع عواقب وخيمة رئيسية هي:

 

الأولى وتتمثل في حالة حرب مستمرة ستقود إلى المزيد من الأعمال الارهابية ضد الأمريكيين أينما وجدوا، وإلى مزيد من الاعتماد على الأسلحة النووية بين الدول الأصغر، ضمن محاولة هذه الدول تحقيق الردع النووي في مواجهة هذا الخطر الإمبريالي الجديد .

اما الثانية فتتمثل في فقدان الديمقراطية والحقوق الدستورية في الولايات المتحدة، مع طغيان السلطة التنفيذية (الرئاسة) على السلطة التشريعية (الكونجرس)، بل وعسكرة الحكومة (اي "السلطة التنفيذية" )نفسها.

وثالثاً استبدال الحقيقة بالدعاية المغرضة والتشويه وتزوير الحقائق، وتمجيد الحرب والقوة العسكرية .

ورابعاً هناك الإفلاس الذي ينتظر أمريكا مع تسخير قدراتها ومواردها الاقتصادية لتمويل مشاريعها العسكرية الكبيرة، على حساب الصحة والتعليم والأمن الداخلي .

 

ويقول شامبرز جونسون ايضاً: "إن الولايات المتحدة بدأت تميل ، وبصورة تدريجية ولكن ثابتة، إلى مشروعها الامبراطوري الذي تخفيه تحت اسماء مختلفة كان أبرزها العولمة. وجاء قرار بوش بتاريخ 19 مارس / آذار 2003 بغزو العراق بمثابة خطوة امبريالية لا لبس فيها ... فقد جاء الغزو دون أي مبرر قانوني ، وضد موجة هائلة من الاحتجاج العالمي على الممارسات والدوافع الأمريكية، التي قادت إلى نهاية النظام العالمي القائم في سنوات الحرب الباردة، والذي يعود بجذوره إلى الأعراف السياسية السائدة في القرن السابع عشر، والقائمة على سيادة الدول وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وعدم مشروعية الحرب العدوانية ... فمنذ اللحظة التي بدأت الولايات المتحدة فيها الهيمنة العسكرية الدائمة على العالم، تحولت إلى مصدر خوف وكراهية وفساد، قوة تسعى للحفاظ على النظام في العالم ولكن من خلال إرهاب الدولة وسياسة الرشوة ... " .

ومضى جونسون يقول في كتابه: "جاء الاجتياح السريع للعراق ليؤكد صحة مواقف المعارضين للحرب، بأن أسلوب المغول في نهب المدن العريقة وحرقها لم يكن ضرورياً للتعامل مع خطر صدام حسين . كما أن صغر حجم العراق سكانياً، حيث لا يمثل العراقيون أكثر من 5% من سكان الولايات المتحدة، ونوعية الأسلحة التي استخدمها الأمريكيون ، عوامل تدفع باتجاه التأكيد على أن الحرب كانت مجزرة بشرية ، ونهباً على الطريقة المغولية لحضارة تضرب عميقاً في التاريخ".  

كذلك فأن جون ايكينبري G. John Ikenbery  في كتابه  المعنون  "أوهام امبراطورية ....  معالم النظام الأمريكي الجديد" يقول: " بعد نصف قرن من الاحتلال، ما تزال الولايات المتحدة توفر الأمن لليابان وألمانيا، ثاني وثالث أكبر قوة اقتصادية في العالم، وما تزال القواعد العسكرية وحاملات الطائرات الأمريكية تحيط بالعالم، وروسيا (الحليفة المفترضة للقوة العظمى الثانية) ترتبط مع الولايات المتحدة بشراكة أمنية شبه رسمية، في حين أن الصين (العدو التقليدي لأمريكا على مدى عقود سابقة) تبدو وقد تكيفت مع حقيقة الهيمنة الأمريكية ولو في الوقت الحالي على الأقل.

وأول مرة في الحقبة المعاصرة، أصبح بمستطاع أقوى دولة في العالم التحرك على الساحة الدولية من دون عوائق من القوى العظمى الأخرى. لقد دخلنا عصر القطب الأمريكي الواحد".

ان المشكلة لا تكمن في جورج دبليو بوش أو ليندون جونسون أو في هذا الرئيس أو ذاك، المشكلة في الواقع هي في الرأسمالية الأمريكية الانجلو ساكسونية المفترسة، التي تعاني من سرطان في روحها .

وقد كشف برزيزنسكي في كتابه المعنون " رقعة الشطرنج العظيمة "، كيف أن المؤامرة الأمريكية للسيطرة على العالم تطلبت حدثاً بحجم ما حصل يوم 11 سبتمبر ، وفي ذلك يقول برزيزنسكي :

"مع تحول أمريكا، وبشكل متزايد إلى مجتمع متعدد الثقافات، فإنها قد تجد صعوبة في تأمين إجماع على قضايا السياسة الخارجية، إلاّ في حالات التعرض لتهديد خارجي مباشر وكبير وحقيقي"

مثل هذا القول يكاد  يكون تكراراً للتصريح الصادر عن ديفيد روكفلر، عضو مجلس العلاقات الخارجية واللجنة الثلاثية وبنك تشيز منهاتن، قبل ذلك بعقود والذي جاء فيه القول: "نحن على أعتاب تحول عالمي، وكل ما نحتاجه هو أزمة مناسبة وعندها سيتقبل الجميع النظام العالمي الجديد".

ومن هنا يمكننا ان نخلص الى ما يلي :

عقيدة بوش في "الحروب الإجهاضية" أي ضرب العدو قبل أن تكتمل استعداداته لتوجيه الضربة (وأياً كان هذا العدو) جاءت بمثابة خطوة جديدة كلياً، خطوة تعني بأن الولايات المتحدة لن تكون مطالبة بتفسير قراراتها أمام المنظمة الدولية أو أي دولة أخرى بشن حرب على أي هدف تدعي بأنه قد يشكل مصدر خطر عليها. اذن هي سياسة انفرادية بدأت أمريكا تطبيقها في العالم.

وطبقاً لما قاله المؤرخ والمفكر صامويل هنتينغتون، مؤلف كتاب "صراع الحضارات"  الخاص بأيديولوجية الحرب على الإسلام، فإن أحد كبار المسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي السابق كلينتون وصف الاسلام بأنه ند عالمي للغرب. كذلك كتب هنتينغتون لاحقاً : "خلال الفترة بين 1980-1995 نفذت الولايات المتحدة 17 عملية عسكرية في الشرق الأوسط، طبقاً لوزارة الدفاع الأمريكية، وكانت جميعها تستهدف المسلمين، وهو رقم لم يسجله التاريخ العسكري للولايات المتحدة ضد أي شعب من أي حضارة أخرى" .

 

 

 

 

الطاقة والموارد


في البداية اود ان اذكر حادثة تاريخية وهي انه بعد اكتشاف النفط في المكسيك في أوائل القرن العشرين وما ترتب عليه من تدخلات أمريكية في ذلك البلد، صدر عن الرئيس المكسيكي بيرفيريو دياز Pirfirio Diaz مقولته المشهورة : "مسكينة هي المكسيك لأنها بعيدة جداً عن الله وقريبة جداً من الولايات المتحدة". وهنا لا يسعنا الا ان نقول مسكينة هي دول العالم كلها، لانه وبفضل سلسلة قواعدها العسكرية وصواريخها فان الولايات المتحدة قد أصبحت جارة للجميع  .

لقد دخلت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الاولى لعبة الاحتكارات النفطية الدولية لأول مرة من البوابة العراقية (وهنا المفارقة) وذلك بالضغط على بريطانيا والدول الاستعمارية الاخرى لمشاركتها في حقوق التنقيب على النفط في العراق، بالاستيلاء على حصة الشركات الالمانية التي خرجت من اللعبة بعد ان هزمت المانيا في الحرب العالمية الأولى. ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف اطماع الولايات المتحدة في نفط المنطقة فاحتكرت حقوق التنقيب في السعودية ومن ثم بدأت تقضم حصص شركاؤها الاستعماريين تارة بالضغط واخرى بالمؤامرة وثالثة بالحيلة، حتى اصبحت بعد اقل من 35 سنة (اي في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي) تمتلك حقوق امتياز النفط السعودي بالكامل ونصف الامتياز في النفط الإيراني والكويتي والبحريني وما يقرب من الربع في نفط العراق و الامارات، وهكذا ومع استيعاب  الولايات المتحدة للدروس من الحرب العالمية الثانية اصبح النفط واحداً من اهم ركائز الهيمنة الإستعمارية الجديدة التي تلت تلك الحرب ليس لإسباب سياسية واقتصادية فقط بل لاسباب عسكرية ايضاً فلا معنى لوجود وضخامة أي قوة عسكرية أو جيش في العالم بدون توفر وقود يستخدم في تشغيل آلياته وطائراته. وبالنتيجة فأن القيمة الحقيقية لأي قوة عسكرية سيكون مروهوناً بالاساس بمدى امكانية استمرار تشغيلها وتوفر الوقود لذلك. وعملياً فانه ومنذ العام 1943اصبح النفط مسألة شديدة الحساسية بالنسبة للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية ليس على سبيل الاستحواذ عليه فقط بل والأهم من ذلك انها كانت تسعى لان تكون الصمامات التي تتحكم بتدفق معظم هذه المادة الحيوية في العالم في يد الولايات المتحدة حصراً وليس في يد الآخرين حتى ممن تدعوهم حلفاؤها.

وفي مقالة للكاتب روبرت دريفوس Robert Dreyfuss في مجلة مذر جونزMother Jones  يقول: "إن المفتاح الرئيسي للأمن القومي في التصور السياسي وراء السياسة الأمريكية الحالية تجاه العراق، يكمن في الهيمنة العالمية والسيطرة على جميع المنافسين المحتملين. وفي سبيل تحقيق ذلك، فإنه لا يكفي أن تكون الولايات المتحدة قادرة على نشر قوتها العسكرية في كل مكان وفي أي زمان فحسب، بل إن عليها السيطرة على المصادر الرئيسية، ومنها النفط ونفط الخليج بوجه خاص". وهذا القول صدر لأول مرة خلال أزمة النفط العالمية بين عامي 1974-1975 وجاء بمثابة إشارة واضحة إلى ما كان يخطط له القائمون على مجلس العلاقات الخارجية لما يحدث اليوم في حقبة الذروة النفطية . اذاً فقد كان العراق منذ السبعينيات جزءاً من استراتيجية جريئة خطط لها ودعمها المحافظون الجدد وكبريات الشركات النفطية، والتي تقوم على الهيمنة على ما تبقى من مصادر النفط العالمية، قبل أن تدرك الدول الأخرى حقيقة الأزمة النفطية الناجمة عن تراجع الإنتاج في العديد من مناطق النفط، مثل الحقول الأمريكية وحقول ألاسكا، ونفط الشمال، بوصول هذه المناطق حد الذروة النفطية، وهبوط إنتاجها، وبدء العد التنازلي لمرحلة النضوب.

 اما نورمان  شوارزكوبف وهو قائد المنطقة الوسطى في الجيش الامريكي والتي يقع الشرق الاوسط  برمته ضمن مسؤولياتها وهو الذي قاد الهجوم على العراق عام 1991. فقد تحدث شوارزكوبف امام الكونغرس عن الذروة النفطية التي كانت قد أصبحت حقيقة واقعة عام 1990 وقبل ان يدخل الجيش العراقي الكويت بعدة أشهر حيث قال بالنص : "نفط الشرق الأوسط هو دم الحياة بالنسبة للغرب، فهو مصدر الطاقة لنا حالياً، ويشكل 77% من الاحتياطات النفطية في العالم الحر، وسيبقى مصدرنا للطاقة عندما تجف المصادر الأخرى في العالم ".

ان الإنتاج النفطي في معظم انحاء العالم قد دخل في ما يسمى مرحلة الذروة، وهذه المرحلة تعني ان الانتاج النفطي يبدأ بالتناقص تدريجياً حتى يصل الى النضوب خلال سنوات قليلة قادمة ومن هذه الحقول النفطية في الولايات المتحدة وايران ودول اخرى لعل آخرها حقول نفط الشمال حيث تحولت بريطانيا مع مطلع هذا العام الى مستورد للنفط بعد ان كانت مصدراً مهماً له قبل سنوات قليلة.  والمشكلة لها وجهاً آخر حيث ان سوق استهلاك النفط يزداد افقياً وعمودياً فمع ازدياد كمية النفط المستهلك من قبل المستهلكين التقليدين نتيجة النمو الإقتصادي، فهناك زبائن جدد ظهروا على الساحة الدولية منهم الصين مثلاً  مما يسرع في تآكل المخزونات النفطية المحدودة اصلاً  في الحقول المعروفة في العالم وبالنتيجة حصول شحة حادة ومتسارعة في المعروض مع مرور الوقت ما لم يتم تعويض الزيادة في الطلب من خلال استكشافات جديدة.

وقد عبر عن هذه الإشكالية الدكتور كولن كامبلColin Campell  عندما أدلى بشهادته أمام مجلس العموم عام 1999حيث قال: "وصلت الاستكشافات النفطية الجديدة الى ذروتها في الستينات، أما الآن فنحن نعثر على برميل واحد مقابل كل أربعة براميل نستهلكها".

لذا فانه ومع تأكد خيبة الامل في المخزونات النفطية المتواضعة التي تم اكتشافها في بحر قزوين والتي كانت السبب الرئيسي في غزو افغانستان اصبح النفط العراقي يكتسب اهمية استثنائية في مخطط الهيمنة الأمريكي .

ويأتي التنفيذ العملي لما سمي بـ "سياسة الوصول الحر" للأسواق الرئيسية ومصادر الطاقة والموارد الاستراتيجية الأخرى، ليشير بوضوح بأن المقصود من هذه العبارة هي الدول الفقيرة، التي تمثل أهمية استراتيجية للامبراطورية الأمريكية، أو تلك التي تمثل سوقاً من أي حجم ، أو لديها بنية تحتية قابلة للخصخصة، أو التي تحظى بمصادر طبيعية ذات قيمة -النفط والذهب والألماس والكوبالت والنحاس- فهذه الدول أمام خيارين لا ثالث لهما: إما ان تدين لأمريكا بالسمع والطاعة، أو تتحول بين يوم وليلة إلى أهداف عسكرية، علماً بأن تلك التي تحظى بأكبر احتياطات من المصادر الطبيعية هي الأشد عرضة لمخاطر الهيمنة.

ومع مسلسل الحروب والحصار التي مر بها العراق خلال ما يقرب من 35 عام مما جعله ينزف حتى الجفاف، وحملة تخويف العالم من خطر نظام صدام حسين على السلم  والأمن وفي المنطقة والعالم اصبح العراق الهدف الاكثر "حظاً" في حملة الغزو العسكري الأمريكي لمنابع النفط في العالم.

ان أزمة نضوب النفط ودخول الحقول النفطية العالمية مرحلة الذروة في الإنتاج، وفي ظل تراجع الإنتاج النفطي في ألاسكا والمحيطات، يجعل من فهمنا لممارسات واشنطن في العراق أكثر وضوحاً. فالعراق في الواقع ليس سوى خطوة على طريق الهيمنة العسكرية الأمريكية على سائر ما تبقى من الاحتياطات النفطية في أنحاء العالم. وهنا يكمن السبب الحقيقي وراء قرار بوش غزو العراق.

وفي مقال نشر قبيل غزو العراق يرى السفير الأمريكي السابق لدى السعودية جايمس اكينز (الذي خدم في عهد كيسنجر) إنها نفس خطة كيسنجر القديمة والذي كان قد عرض مقترحه لاحتلال منابع النفط العربية خلال اجتماع رئيسي ضم كبار أركان الإدارة الأمريكية. ويقول اكينز "انه في أعقاب الصدمات النفطية في السبعينات، تسربت للصحف الأمريكية أنباء عن وجود خطط أمريكية للاستيلاء على حقول النفط العربية". ويضيف اكينز كذلك : "اعتقدت أن الخطة ماتت، إلا إنها أعيدت للحياة كما هو واضح". حيث ان الادارة الأمريكية ترى "في نفط العراق مصدراً متاحاً ورخيصاً، حيث لا يكلف إنتاج برميل أكثر من 1,5 دولاراً, الأمر الذي يجعل النفط العراقي الأرخص إنتاجاً على المستوى العالمي". من جهة اخرى  ينقل المقال عن السفير الأمريكي في السعودية في عهد الرئيس بوش الأب، شاز فريمان Chas Freeman  القول: "إن الإدارة الجديدة تعتقد بأن السيطرة على المصادر هي وحدها التي تضمن القدرة على الوصول اليها".  

والواقع أن اهم الصقور في البنتاغون تحدثوا صراحة عن أن الحرب على العراق هي من أجل النفط وليس نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، فهذا نائب وزير الدفاع بول وولفويتز صاحب تقرير " مشروع القرن الأمريكي الجديد " في مقابلة في سنغافورة بتاريخ 31 مايو 2003 (اي بعد غزو العراق مباشرةً) وفي معرض مقارنته بين هدفين معلنين للادارة الامريكية مما سمي بمحور الشر وهما العراق وكوريا الشمالية  رغم انهما متهمتان بذات التهمة وهي حيازة اسلحة الدمار الشامل قال وولفويتز ما نصه: "دعونا ننظر إلى الأمر ببساطة ... فالفرق الأهم بين كوريا الشمالية والعراق يكمن في الناحية الاقتصادية... لم يكن أمامنا من خيار آخر في العراق، فتلك البلاد تطفو على بحر من النفط". وفي مقابلة أخرى في الشهر نفسه ، أجرتها مجلة فانيتي فيير مع، قال وولفويتز: "لأسباب تتعلق بالبيروقراطية لحكومة الولايات المتحدة، استقر الرأي على مبرر يلقى الموافقة من الجميع وهو أسلحة الدمار الشامل".

 

 

الدولار والإقتصاد

 

في كل عام، تنتج الحكومة الأمريكية والاحتياط الفيدرالي المزيد من الدولارات الورقية. فما من أحد يستطيع منعهما من ذلك، حيث يسيطران على ما يعرف بالمطابع. وفي العام الماضي، تحدث أحد الحكام الاتحاديين بن بيرنانكي Ben S. Bernanke عن هذا الأمر بالقول: " تملك الحكومة الأمريكية تكنولوجيا تدعى المطابع، التي تسمح لها بإنتاج ما ترغب به من أوراق الدولارات وبدون كلفة تذكر... ففي ظل نظام الأوراق النقدية، تستطيع الحكومة، إذا ما أرادت توليد المزيد من الإنفاق والمزيد من التضخم الإيجابي".

ومنذ قرار نيكسون بإخراج الدولار من معيار الذهب ووضعه دون غطاء عام 1971 والأوراق النقدية الأمريكية تتراكم بكميات مذهلة، مشكلة بذلك المصدر الحقيقي للتضخم العالمي على مدار السنوات الثلاثين الماضية. وبالمقارنة، فإن حجم ما تم طبعه من ورقة النقد الأمريكية في عشرين سنة خلال الفترة من1950-1970سجل ارتفاعاً بنسبة 55%، وهي نسبة معتدلة، في حين نجد أن هذه النسبة تضاعفت إلى أكثر من 2000% خلال 30 سنة بين عامي 1971-2000 .

ونتيجة لهذه السياسة، أصبح خارج الولايات المتحدة من الأوراق النقدية الأمريكية (الدولار) ما يزيد على 2500 مليار دولار، هي عبارة عن دين لحاملها دون فوائد للخزانة الأمريكية. وفي حالة عودة جزء مهم من هذه الأوراق إلى الولايات المتحدة، عندئذٍ ستكون الطامة الاقتصادية الأمريكية الكبرى ! .   ولأن الدولار غير محكوم بمعيار الذهب، فإن القيد الوحيد الذي يمكن لجم الدولار به هو القرار السياسي، فالدولار مدعوم حالياً من نوع آخر من احتياط الذهب، والمتمثل في عظمة أمريكا العسكرية والنفط. ومثل هذا الدعم لا يشكل عنصراً مطمئناً، خاصة أن قراراً مصيرياً بأن يكون الاقتصاد الأمريكي أو لا يكون هو في أيدٍ غير أمريكية ! .

ومنذ العام 1971 تعاني الولايات المتحدة من عجز حاد في الميزان التجاري السنوي. ويصل هذا العجز حالياً إلى اكثر من 500 مليار دولار، أي 5% من الناتج القومي الإجمالي. وهي معدلات يمكن أن تدفع بالمستثمرين الأجانب إلى الهروب من السوق، وترك البلاد لمصيرها المحتوم، فيما لو حصل مثل هذا في الأرجنتين أو تايلاند. غير أن الولايات المتحدة هي صاحبة الاحتياط النقدي العالمي، والقوة العسكرية العظمى منذ عام 1990ولا بد أن الصين واليابان (باعتبارهما اكبر مشترين للدولار وسندات الخزانة الامريكية) ستفكران طويلاً قبل أن تقدما على عمل يثير غضب هذا العملاق، خاصة بعد الذي حصل مع العراق .

لقد أدت هيمنة الدولار الأمريكي منذ السبعينات إلى خلق المزيد من الديون وخدمة هذه الديون، من خلال أسواق نيويورك المالية وسندات الخزانة والأوراق المالية، وكذلك الدولار الذي يحتاجه الآخرون للتجارة وشراء النفط واستيراد القمح. هناك أربعة أو خمسة من بنوك نيويورك تتحكم بتجارة الأسهم، أكبرها سيتي غروبCitigroup ، ومورغان تيشيز، وتملك هذه البنوك تأثيراً هائلاً على النظام المالي العالمي، وفي حالة انهيارها كما حصل معLTCM ، سينهار النظام المالي العالمي برمته. فقبل عام 1989 كانت أمريكا دائنة رئيسية قبل أن تتحول إلى مدينة رئيسية للدول والمؤسسات الأجنبية بعد ذلك التاريخ. ويقدر حجم ما تدين به الولايات المتحدة للعالم بأكثر من ثلاثة تريليونات دولار 42% منها أي حوالي 1,5 تريليون دولار، للبنوك المركزية العالمية، وبخاصة الصيني والياباني. ويحتفظ البنك المركزي الصيني وحده بـ 618 مليار دولار كاحتياطي عملة أجنبية، معظمها على شكل سندات حكومية أمريكية مع حلول 2005 أما احتياط بنك اليابان من العملة الأمريكية فبلغ وقتها 750 مليار دولار .

وكانت السنوات الأربع الأخيرة قد سجلت ارتفاعاً فلكياً لديون الدولار، حيث فتحت إدارة بوش الأبواب على مصراعيها أمام العجز في الإنفاق، لأسباب في جزء منها لخلق وظائف حكومية جديدة خدمة لأهدافه الانتخابية. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2004 كان العجز التجاري الأمريكي قد سجل ارتفاعاً بنسبة 28% عما كان عليه في هذا الشهر من العام السابق، ليصل إلى 456 مليار دولار. أما إجمالي العجز التجاري لعام 2004 بكامله فارتفع بنسبة 24% عما كان عليه في العام السابق، ليصل إلى 618 مليار دولار، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 400% عما كان عليه عام 1998, حيث كان حجم العجز وقتها بحدود 165 مليار دولار . ومسجلة بذلك رقماً قياسياً في تاريخها، وهو رقم مرشح للزيادة في ميزانية 2005 مما يعني المزيد من الاقتراض الحكومي لسد هذا العجز، ولكن كيف ؟ .

طبقاً لمكتب المحاسبة العامة في الكونجرس، فإن الولايات المتحدة أصبحت أسيرة مصيدة الديون، وبشكل يصعب عليها الإفلات منه. ومما جاء في تقرير للمكتب بهذا الشأن، القول: " مع أن تحسن الاقتصاد قد يكون عاملاً مساعداً، إلاّ أننا لن نستطيع الخروج من المشكلة، فإغلاق فجوتنا المالية يتطلب تحقيق معدلات نمو تتجاوز 10% سنوياً، وعلى مدار السنوات الـ 75 المقبلة، وهو مطلب مستحيل بكل المقاييس. فمعدلات النمو لم تتجاوز 2,3% سنوياً حتى في سنوات الطفرة الاقتصادية في التسعينات". ومضى التقرير يقول إنه بينما تصل الديون الحكومية إلى سبعة تريليونات دولار، أي بمعدل 24 ألف دولار لكل فرد أمريكي، فإن ميزانية الرعاية الاجتماعية والصحية تشكل العبء الرئيسي على الميزانية ، حيث تستنفد 40 تريليون دولار، بواقع 140 ألف دولار للفرد الواحد. وبالطبع، فإن الأرقام السابقة تتعلق بالدين الفيدرالي، وإذا ما أضفنا الدين الخاص ورهن المنازل، وديون البطاقات الائتمانية، لخرجنا بنتيجة مؤداها أن الأمريكيين يختنقون بالديون .

تكمن مشكلة الديون بالنسبة لرئيس الاحتياط الفيدرالي، آلان غريسنبان ولواشنطن، في أن جهنم الائتمان تقوم على الدين، الذي عادة ما يولد المزيد من الديون (ائتمانات للبنوك)، وذلك تجنباً لحصول انفجار مالي داخلي أو حتى انهيار فعلي للنظام المالي. وفي كل مرة يحاول الاحتياط الفيدرالي التخفيف من زيادة حجم فقاعة الديون، تظهر مشكلة احتمال انهيار الأسواق المالية، الأمر الذي يدفع الاحتياط الفيدرالي إلى فتح صنبور المال بصورة أوسع .

ومن جهة اخرى فالمشكلة بالنسبة للولايات المتحدة تكمن في أن الارتفاع الكبير الحاصل في كلفة الطاقة، حدث خلال أكبر اتساع تسجله ديون الدولار -الخاصة منها والعامة- في تاريخ العالم. فإجمالي الدين، الذي يعاني منه الاقتصاد الأمريكي حالياً، يتجاوز وبكثير أزمة الديون في فترة الكساد العظيم خلال الثلاثينات. وطبقاً للإحصائيات الرسمية للاحتياط الفيدرالي، فإن الحجم الإجمالي لديون الولايات المتحدة يصل إلى 34 تريليون دولار، مقارنة بالناتج القومي الإجمالي الأمريكي، الذي يقدر بـ 11 تريليون دولار. وهذا يعني أن ديون أمريكا تتجاوز ثلاثة أضعاف ناتجها القومي، وهذا الدين يصل حالياً إلى 125 ألف دولار لكل فرد أمريكي من رجل وامرأة وطفل .

الواقع أن الدولة العظمى الوحيدة في العالم، والتي تحاول إعادة أمجاد الاستعمار العالمي للقرن الحادي والعشرين، تعتمد وبصورة كبيرة على سخاء الدائنين الأجانب بصورة لم يسبقها إليها أحد في التاريخ، وكل ما يحتاجه الإضرار بهذه الدولة هو قرار بنكين أو ثلاثة بنوك مركزية بالتوقف عن شراء السندات الأمريكية، حتى تحل الكارثة بالاقتصاد الأمريكي وتنهار هذه الامبراطورية الكرتونية. كذلك فإن قرار الدولة المنتجة للنفط بالسماح بشراء النفط بأي عملة أخرى، سيكون بمثابة الكارثة التي تحدث فعلاً الدمار الشامل بالاقتصاد الأمريكي والمارد الأمريكي.

ويمكننا القول بكل ثقة بأن أحد أسباب احتلال العراق هو محاولة منع حدوث مثل هذا السيناريو الرهيب، والممكن أيضاً في الوقت ذاته .

وعلى عكس ما حصل في حقبة فيتنام، فإن الولايات المتحدة لم تكن لتستطيع تمويل الكلفة الهائلة لاحتلال العراق دون مساعدة خارجية، وخاصة من الصين واليابان واقتصادات شرق آسيا الغنية، التي اشترت الديون الأمريكية بالدولارات التي تكسبها من صادراتها للولايات المتحدة، لمجرد شرائها سندات الخزينة الأمريكية. وهكذا، تدفع الولايات المتحدة لهذه الدول لقاء بضائعها دولارات ورقية لا غطاء لها، ثم تسترد هذه الدولارات وفق وريقات اسمها سندات خزينة .

هذا الوضع يضع الصين واليابان في موقع من يمسك بزمام القدرة على توجيه أكبر ضربة للاقتصاد الأمريكي والدولار، وبما يكفل الانهيار إذا ما قررت بكين وطوكيو ذلك، وهو سلاح من المؤكد أن تستخدماه كخيار أخير، وهو أيضاً مؤشر قوي على مدى الضعف الاستراتيجي للعملاق الأمريكي. فلم يسجل التاريخ لبلد عانى مثل هذه العجوزات التجارية، وهذا القدر من الديون الخارجية حتى الآن، مثلما هو حاصل مع الولايات المتحدة .

والسؤال الابرز الذي يواجهنا هنا هو إلى متى ستستمر الصين واليابان في دعم نظام الدولار هذا ؟ من الصعب القول غير أن الصين واليابان ووكوريا الجنوبية وغيرها من الدول، بدأت في إعادة تقييم شهيتها للسندات الأمريكية، بل إن بعض وزراء المالية الآسيويين تحدثوا علناً عن تنويع استثماراتهم خارج حقيبة الدولار، وتطعيم احتياطات دولهم ببدائل أخرى غير الدولار، مثل الذهب واليورو والنفط والسلع .

وحتى في حال استمرت الصين واليابان ودول شرق آسيا في إقراض واشنطن لمعالجة العجوزات الأمريكية، فإن تغييرات اقتصادية رئيسية يمكن أن تحدث في الولايات المتحدة بتراجع النزعة الاستهلاكية للأمريكيين. فالولايات المتحدة تعاني من عجز مالي عادة ما يصاحبه الركود مع غياب تام للمدخرات العائلية، وهي حالة مزدوجة لم يسبق تسجيلها في تاريخ الولايات المتحدة. ففي أوائل الثمانينات، عندما كان العجز الفيدرالي بهذا الحجم، كانت المدخرات العائلية عند معدل 90% وقتها أتاحت هذه القاعدة من المدخرات للحكومة تمويل عجوزاتها الضخمة إلى حين .

ولعل السبب الوحيد لعدم تعرض الدولار لأزمة حادة في الوقت الحاضر، وإن كان على وشك أن يحدث هذا قبل عام، يكمن في إقدام البنوك المركزية الأجنبية على شراء السندات الأمريكية وغيرها من الأصول بصورة غير مسبوقة، لأسباب منها حماية صادراتها التجارية بالدولار. وهذا يجعل الولايات المتحدة تعتمد على البنوك المركزية الأجنبية، وبخاصة الصينية واليابانية منها. ففي العام الماضي، اشترت اليابان كمية غير مسبوقة من سندات الحكومة الأمريكية ، وبالتالي جزءاً كبيراً من ديونها .وخلاصة القول فانه من الواضح أن واشنطن تعتمد الآن على الإصدارات النقدية التي يصدرها البنك الفيدرالي دون غطاء، وعلى القوة العسكرية الكفيلة بإجبار الدول المتقدمة ودول "المركز" على الاستمرار في تدوير ما تكسبه من دولارات، لتمويل الدين الأمريكي، إلى أن يأتي يوم تتعرض فيه هذه الدائرة للكسر، ويؤدي الانهيار المفاجئ إلى إظهار الامبراطورية الأمريكية أمام العالم كبيت من ورق سرعان ما يتهاوى . وفي الوقت الذي تهيمن فيه الولايات المتحدة على احتياط النقد العالمي من خلال الدولار، الذي يتحكم بالأصول والتدفق المالي لمعظم الدول الصناعية في العالم، فإن أمريكا باحتلال حقول النفط العراقية، تبدو في وضع يجعلها قادرة على امتلاك الاحتكار شبه الكلي لمصادر الطاقة في المستقبل، وستكون قوتها العسكرية الجبارة هي الحامية لهذه الهيمنة العالمية .

 

المطايا الشيطانية الثلاث

1. الكذب والخداع والتدليس.
2. إستغلال الدين عند الحاجة.
3. العهر الأخلاقي والسياسي.

 

 

 

 

 

1. الكذب والخداع والتدليس.

 

المثال الاول :-

في 15 شباط/فبراير عام 1898 تعرضت البارجة الحربية الأميركية "ماين" في خليج هافانا لانفجار عنيف. فغرقت البارجة في مرفأ هافانا وقضى فيها 260 رجلاً. وهذا الانفجار اتخذ ذريعة كي تدخل الولايات المتحدة الحرب ضد اسبانيا ولكي تضم كوبا وبورتوريكو والفلبين وجزيرة غوام. واصبح هناك حالة من الهوس وبدأ الرأي العام واصحاب المصالح بالضغط على الرئيس الأمريكي في حينها وليم ماكنلي الذي اضطر الى اعلان الحرب على مدريد في 25 نيسان/أبريل عام 1898. وفي العام 1911 (اي بعد ثلاثة عشر عاماً) استنتجت لجنة تحقيق في تدمير البارجة"ماين"  أن الانفجار الذي كان قد وقع في حجرة المحركات كان انفجاراً عرضياً.

 

المثال الثاني :-

إن الهجوم الياباني على الأسطول الأمريكي المتمركز في بيرل هاربر - هاواي بتاريخ 7 ديسمبر/ كانون الأول 1941 يجب أن يسجل في التاريخ باعتباره أحد أكثر الأعمال التي يمكن تخيلها من حيث الوحشية والخداع. فقد جاءت الوثائق السرية التي سمح الكونجرس بالكشف عنها مؤخراً لتبرهن، بما لا يدع مجالاً للشك، على أن الرئيس روزفلت تعمد إثارة اليابانيين ودفعهم للدخول في مواجهة مع بلاده، من خلال اعتراض خطوط إمدادات النفط اليابانية، وأن روزفلت كان على علم تام وقبل القصف الياباني للأسطول الأمريكي في بيرل هاربر، بتفاصيل دقيقة حول تقدم السفن اليابانية باتجاه الميناء .

 ومن الواضح أن روزفلت ومستشاريه هم الذين تسببوا بمقتل الجنود الأمريكيين ، وبوقوع ضحايا أبرياء، من أجل حشد دعم الشارع الأمريكي للدخول في حرب ستدخل بلادهم في مرحلة مهمة على طريق ترسيخ "القرن الأمريكي".

وهنا لا يسعنا الا ان نذكّر بانه بعد ساعات من الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر/أيلول 2001 خاطب جورج بوش العالم بالقول: "لقد هوجمنا كما لم نهاجم منذ بيرل هاربر". بعدها سارع البيت الأبيض إلى التوقف عن الإشارة إلى الهجوم الجوي الياباني على بيرل هاربر في ديسمبر 1941 الذي اعتبره الرئيس روزفلت المبرر المطلوب لإعلان الكونجرس الحرب على اليابان وألمانيا. فقد جاء ربط بوش بين بيرل هاربر ومركز التجارة العالمي ليدفع بعدد من الصحافيين الجادين إلى العودة لتقرير أصحاب مشروع القرن الأمريكي، الصادر في سبتمبر 2000 بعنوان "إعادة بناء الدفاعات الأمريكية"، والذي طالب فيه معدوه ومنهم ديك تشيني ودونالد رامسفيلد بإحداث تحول رئيسي في الموقف العسكري الأمريكي، وهي "عملية ستكون طويلة إلاّ إذا وقع حدث مأساوي لتسريعها مثل بيرل هاربر جديدة".

جاءت الإشارة إلى هجوم بيرل هاربر، الذي يشكل رمزاً لسائر الأمريكيين، بمثابة اعتراف مدمر من قبل الرئيس بوش، وليثير الكثير من التساؤلات المحرجة حول مدى معرفة إدارة بوش بالتطورات التي سبقت هجمات 11 سبتمبر، وإذا كان هناك من النخبة المتنفذة من كان يرغب بوقوع أحداث 11 سبتمبر كعامل مساعد لتسريع أحداث التغيرات العالمية .

 

المثال الثالث :-

في العام 1964 ادعت مدمرتان أنهما تعرضتا لهجوم بطوربيدات فييتنامية شمالية في خليج تونكين. فسارع التلفزيون والصحافة بجعل هذا الحدث قضية وطنية، وطالبت الادارة بالانتقام لهذا الاذلال، فقام الرئيس الامريكي في حينها ليندون جونسون باصدار اوامر للقيام بعمليات قصف انتقامية على فييتنام الشمالية. وبعد ذلك طلب من الكونغرس السماح له (عند الحاجة) باستخدام الجيش الأميركي. وهكذا نشبت الحرب على فيتنام والتي انتهت بهزيمة الولايات المتحد الامريكية في العام 1975. واتضح في ما بعد ومن خلال شهادة طواقم المدمرتين مباشرةً أن الهجوم في خليج تونكان كان مختلقاً تماماً.

 

المثال الرابع :-

في العام 1990 وخلال الاعداد لحرب الخليج او ماسمي بحرب "تحرير الكويت" قام ميكايل ك.ديفر المستشار السابق لدى الرئيس ريغان باختراع شهادة مزيفة لصالح مؤسسة رندون غروب (المتعاقدة مع الحكومة الكويتية في المنفى)، وتم الادلاء بهذه الشهادة ضمن لجنة استماع خاصة امام الكونغرس الامريكي واسهمت بشكل حاسم في اقناع أعضاء الكونغرس بالتصويت لصالح الحرب، حيث شهدت "ممرضة" كويتية مزعومة كانت تغالب الدموع وهي تؤكد انها رأت جنود العراقيين ينهبون مستشفى التوليد في الكويت و"ينتزعون المواليد الجدد من حاضناتهم ويقتلونهم دون رحمة وهم يرمونهم أرضاً ". وعلمنا فيما بعد بأن هذه الممرضة المزعومة هي نيرة ابنة سعود ناصر الصباح السفير الكويتي لدى واشنطن في حينها. ونفس هذه المؤسسة (اي رندون غروب) وقعت في 2002 عقداُ بقيمة مئة الف دولار شهرياً مع دائرة "التأثير الاستراتيجي" التي اسست بتعليمات من رامسفيلد ومساعده دوغلاس فايث ورأسها الجنرال سيمون واردر (سلاح الجو) والتي كان من اهم مهامها  نشر المعلومات المغلوطة في خدمة الولايات المتحدة  وممارسة التضليل وخصوصاً مع وسائل الاعلام الأجنبية.

ومن الامثلة الأربعة المختارة اعلاه (ويوجد سواها المئات) والتي حدثت على مدى عشرات السنوات يمكننا ان نرى بوضوح ان الكذب يستخدم بشكل منهجي من قبل السياسيين في الولايات المتحدة والادارة الامريكية ربما وفق التوصيف الميكافيلي "الغاية تبرر الوسيلة". لذا يفترض بنا ان لا نستغرب من ان عملية غزو العراق واحتلاله قد اقترنت بكمية هائلة من الاكاذيب والتي تم عرضها بشكل استعراضي (صورة وصوت) من قبل كولن باول (وزير الخارجية الامريكية في حينها) وجلس خلفه جورج تينت مدير وكالة المخابرات المركزية CIA وجون نيغروبونتي ممثل الولايات المتحدة لدى المنظمة الدولية في جلسة خاصة لمجلس الامن الدولي وحملت الرقم (4701) عقدت في يوم الأربعاء 5 شباط فبراير 2003، اي قبل بدء الغزو بستة اسابيع، وصار معروفاً الآن بأن باول قد اجبر تينت على ان يجلس خلفه لانه لم يكن مقتنعاً بالادلة التي زوده بها تينت. وابلغ باول العالم بعلاقة نظام صدام حسين بالقاعدة وبالنتيجة علاقته بما حصل في 11 ايلول/سبتمبر، وامتلاكه مختبرات متنقلة لتصنيع الاسلحة الجرثومية، وسعيه للحصول على مواد لبرنامجه النووي من النيجر وقضبان الالمنيوم النقي وقصة التسجيلات الصوتية للمكالمات التي تم اعتراضها بوسائل استراق سمع الكترونية من قبل اجهزة الاستخبارات الامريكية لكبار القادة في الحرس الجمهوري والتي تثبت (حسب زعمه) ان العراق يراوغ لجان (انموفيكUNMOVIC ) الخاصة بالتفتيش عن الاسلحة، وسواها من الاكاذيب التي قدمها (باول) في حينها.

ومعظم هذه الادعاءات التي اوردها (باول) لم يثبت كذبها فقط بل انتهت بفضائح كبيرة منها الاعلان رسمياً من قبل (ديفيد كي) عن عدم وجود اسلحة دمار شامل او مختبرات تصنيع اسلحة جرثومية ، والاعترافات المزعومة لمهندسين منشقين يعملون في برامج تصنيع اسلحة الدمار الشامل وثبت فيما بعد بانها مفبركة من قبل بعض المعارضين مثل احمد الجلبي واياد علاوي وسواهما. وكذلك موضوع المواد التي قيل ان صدام كان ينوي استيرادها من النيجر وكانت اكثر هذه الاكاذيب فضائحية حيث انه عندما صرح المبعوث الامريكي لهذا الغرض وهو بدرجة (سفير) بانها غير موجودة ولا صحة لها قامت الادارة الامريكية بالانتقام منه بالقيام بتسريب اسم زوجته الى الصحافة كعميلة للمخابرات الامريكية في سابقة خطيرة جداً في الولايات المتحدة انتهت حتى الآن بمحاكمة (ليبي) مدير مكتب نائب الرئيس (ديك تشيني) وهذه المحاكمة لا زالت قائمة ، ولا يستبعد ان تطال فيما بعد آخرين بما فيهم ربما (تشيني) نفسه.

 

كذبة الديموقراطية المزعومة

في الاجتماع السنوي للجنة الثلاثية عام  1975 عرض صامويل هنتنجتون ورقته المعنونة بـ"أزمة الديمقراطية". كان هنتنجتون وقتها واضحاً بدرجة فظة عندما قال: "ان المبالغة في الديمقراطية يقابلها عجز في قدرة الحكومة على ممارسة سلطاتها ، وقدرة أقل على فرض التضحيات التي قد تكون ضرورية للتعامل مع السياسة الخارجية والدفاعية".

 

خلق الاكاذيب او صناعتها لتبرير العدوان

تشير الوثائق إلى أن الرئيس الديمقراطي جايمس بولك James Polk وفي أول ليلة له في السلطة، أسّر إلى وزير البحرية بأن أحد أهم أهدافه الحصول على كاليفورنيا، التي كانت وقتها جزءاً من المكسيك . وعندما أرسلت حكومة الولايات المتحدة الجنرال تايلور إلى موقع حدودي معترف به بين تكساس والمكسيك في منطقة نهرنويسس  Nuecesكانت التعليمات للجنرال والقوة العسكرية التي يقودها، القيام بما من شأنه استفزاز القوات المكسيكية ما أمكن، بما في ذلك التغلغل داخل أراضي المكسيك. وخلال انتظار القوة الأمريكية للحادثة المطلوبة كمبرر لاحتلال تكساس، كان صبر الرئيس بولك قد نفد، فأبلغ أعضاء حكومته بما يدور في ذهنه وهو أمر وثقه الرئيس في مذكراته بالقول:  "قلت لهم ...حتى الآن لم نسمع بأي عدوان من جانب الجيش المكسيكي ... إنني أرى شخصياً بأن هناك ما يبرر الدخول في حرب وبأنه كان يستحيل علينا السكوت أطول من ذلك".  بعد ذلك وخلال المواجهة القصيرة مع المكسيكيين، وقف الرئيس بولك عام 1846 مخاطباً أعضاء الكونجرس قائلاً: "لقد أراق المكسيكيون الدم الأمريكي فوق الأراضي الأمريكية..وفي ظل الحرب القائمة، والتي حاولنا جاهدين تجنبها، وهي حرب بدأتها المكسيك نفسها، نجد أنفسنا مطالبين بتلبية نداء الواجب والحس الوطني للدفاع عن كرامة بلادنا وحقوقها ومصالحها".  وقتها تحدى أبراهام لينكولن، عضو الكونجرس آنذاك، الرئيس بولك في تحديد المكان الذي أريقت فيه الدماء الأمريكية على "الأراضي الأمريكية".

الواقع أن الرئيس بولك كان بذلك يفكر في شن حرب إجهاضية للقضاء على خطر مستقبلي مفترض ... وهي عقيدة سبق بها جورج. دبليو. بوش بحوالي 150 سنة. غير أن الفرق هنا أن بولك ادعى أنه حصل على ما كان ينتظره، وهي الرصاصة الأولى من المكسيكيين على الجيش الأمريكي المتمركز داخل أراضي المكسيك، أو ما وصفته إدارة بولك وقتها بالأراضي المتنازع عليها .ويبدو ان جورج دبليو بوش قلد تكتيكات سلفه بولك في إثارة حرب خطط لها منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض، وانتظر عملاً استفزازياً لم يقع... وعندها لجأ إلى حادثة لا علاقة لها بالأمر، متخذاً إياها مبرراً زائفاً لاحتلال العراق. وكما شهد الكونجرس عام 1846 حالة من الجدل حيال المسوغات التي أوردها الرئيس بولك في معرض تبريره الحرب على المكسيك. فقد شهد الكونجرس عام 2003 جدلاً مشابهاً حول أكاذيب إدارة بوش لتبرير غزو العراق، مثل الادعاء بامتلاك بغداد أسلحة الدمار الشامل، غير أن ما شهدته قاعة الكونجرس في الحالتين يظل مجرد أصوات ليس إلاً، وهي كانت على الدوام جزءاً من تكتيكات الرأسمالية الأمريكية للتنفيس عن غضب الشارع الأمريكي من خلال مناقشة القضايا المثيرة للجدل، إلى أن تخمد نيرانها شيئاً فشيئاً  .وقبل ذلك وجد الرئيس وودرو ويلسون Woodrow Wilson في الحرية هدفاً للحرب العالمية الأولى عندما أعلن أنها: "الحرب التي ستنهي كل الحروب". وكانت الحرية الحجة نفسها التي ساقها الرئيس فرانكلين روزفلت لتبرير دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية، ولم يختلف الرئيس ترومان Trueman  عن سابقيه في التركيز على الحرية لتبرير الحرب العالمية الثالثة أو الحرب الباردة . وها هو اليوم بوش يبلغنا بأن حربه على الارهاب هي التي ستنهي كل الحروب وتجعل العالم يعيش بأمان.وكما يقول برزيزنسكي مجدداً : " إن السعي وراء السلطة، وخاصة ما يترتب على ممارسة هذه السلطة من كلفة اقتصادية وتضحيات انسانية وغيرها من المتطلبات، أمور لا تتجانس والغرائز الديمقراطية ... فالديمقراطية والحشد الإمبريالي على طرفي نقيض".

قبل ذلك، نجد أن صامويل هنتنجتون، مؤلف كتاب" صراع الحضارات "الخاص بأيديولوجية الحرب على الإسلام، يقول مبرراً ضرورة تخلي الأمريكيين عن حريتهم من أجل هذه المشاريع:

"دعونا نفترض أن مقتضيات المستقبل تشير إلى نتيجة مؤداها أن الأنظمة الدكتاتورية أو حتى الثورية، هي وحدها القادرة على القيام بالمهمة العظيمة المتمثلة في إعادة الهيكلة الاجتماعية المطلوبة لتجنب الكارثة. وهنا يمكن القول إن الحماسة والتضحيات التي ترافق مثل هذه المهمة، ستذهب سدى في حالة وقوع الجماهير تحت ضغوط الانقسامات والخلافات، التي عادة ما يتسبب بها المثقفون الذين يغردون خارج السرب الرسمي". 

 

2. إستغلال الدين عند الحاجة

 

عندما قام كولومبوس بمغامرته وحاول الوصول الى الهند بذهابه في الاتجاه المعاكس واكتشف العالم الجديد كان قد اتفق مع الحكومة الإسبانية على حصوله على 10% من الذهب والهدايا، ومنصب حاكم الأراضي الجديدة التي سيعثر عليها بالإضافة إلى إسباغ لقب أميرال المحيطات عليه .

ومن أول جزيرة نزل عليها، وكانت من جزر الباهاما، توجه كولومبوس إلى ما يعرف الآن بجزيرة كوبا، ومن هناك إلى جزر هيسبونيولا Hispaniola (هايتي وجمهورية الدومينيكان حالياً).

ووصف كولومبوس السكان المحليين ، أو الهنود كما ادعى في رسالته الى ملك وملكة اسبانيا، بأنهم: "أناس بسطاء إلى حد كبير، ولا يترددون في تقديم أي شيء من ممتلكاتهم إلى الغير، وبأنه يكفي أن يطلب أحد منهم ما يريد لكي يحصل عليه، بل على العكس من ذلك، فقد كانوا سباقين في تقاسم هذه الأشياء مع أي أحد". ولكنه عندما لاحظ وجود قطع ذهبية صغيرة في آذان السكان اللطفاء عندما قدموا التحية ، سارع  للغدر بهم واحتجز بعضهم على متن السفينة ، مصراً على أن يدلوه على مصدر الذهب. بعد ذلك وعد كولومبوس الملك والملكة أن يحضر لهم من الأراضي المكتشفة كل ما يرغبون به من الذهب وما يحتاجونه من العبيد. وأضاف كولومبوس:

" وهكذا فإن الله في علاه، ربنا، كتب النصر لمن يتبع صراطه".

وهكذا أطلق كولومبوس أول تجارة للعبيد باسم الدين والحضارة الغربية ، الأمر الذي أكده المستكشف الاسباني عندما كتب يقول :

"لنبدأ باسم الثالوث المقدس بإرسال كل ما يمكننا بيعه من عبيد".  

وبعد ذلك بعقود طويلة وبعد ان قامت الولايات المتحدة اختار الرئيس مكنلي اللجوء إلى الغطاء الديني لتبرير حروبه على الفلبين كما فعل كولومبوس من قبل ، حيث يقول أمام جمع من زائريه، بأن السماء هي التي ألهمته ضم الفلبين إلى الولايات المتحدة واعتبارها أرضاً أمريكية .

وبالنسبة للعديد من الغربيين، وخصوصاً لاولئك الذين شاركوا في غزو فلسطين، فإن ما حصل كان حرباً صليبية أخرى، ولكنها حرب تخاض بالنيابة عن الصهاينة. فعندما وصل اللنبي دمشق، سارع إلى زيارة قبر صلاح الدين، الذي أخرج الصليبيين من الأرض المقدسة وأعاد القدس إلى حكم الإسلام. هناك وقف اللنبي مخاطباً القبر قائلاً: " انهض يا صلاح الدين، الآن فقط انتهت الحملة الصليبية " .

وفي السياق نفسه كتب انطونيو دي بالوبار Antonio de Ballobar ، الذي كان يعمل كقنصل عام يرعى المصالح الإسبانية وعدداً من الدول في القدس خلال الحكم العثماني ، يقول في مذكراته بعد دخول قوات اللنبي الناصرة: " تم اليوم تطهير أرض يسوع الناصرة من الكفرة المحتلين" . ويقول موشيه سيملانسكي Moshe Smilansky من تل أبيب، إنه قابل أحد جنود اللنبي، وهو استرالي يدعى سيد شيرسون Sid Sheerson عرف منه أنه كان يعمل راعياً في بلاده، وقرر التطوع لأنه تعلم في المدرسة بأن أرض الإنجيل اغتصبت من شعب الإنجيل.

وعندما ألحق اللنبي الهزيمة بالعثمانيين ودخل القدس، دقت أجراس كاتدرائية ويسمنستر Westminster Cathedral  لأول مرة منذ ثلاثة أعوام بعد الحرب العالمية الأولى، وأرسل الملك جورج ببرقية تهنئة شخصية للجنرال اللنبي. وفي هذا الشأن، كتب الميجور فيفيان جيلبرت Vivian Gilbert  يقول : " اثنان فقط من حملة الصليب نجحا في تحرير القدس . . . القائد الصليبي غودفيري Godfrey  من بويلون والجنرال ادموند اللنبي ".

ويقول جون روبنز في مقالة له بما يلي: " يشكل الوهم القائل بأن الدولة أو المجتمع، وتحديداً الدولة الأمريكية والمجتمع الأمريكي، هما ظل الله على الأرض، جوهر المسيحية السياسية، وهما المذهب الذي ظهر جلياً في خطب الرئيس جون. اف . كيندي، فقد ورد في أحد هذه الخطب القول: "هيا بنا نقود الأرض التي نحب سائلين الله المباركة والعون ، ولكنا موقنون بأننا نحن من نملك زمام المبادرة على أرض الله".  

هذا الحلم المسيحي الجازم بأن الله اختار الولايات المتحدة لتحمل رسالة للعالم، ورد ذكره ايضاً في خطاب للرئيس ريجان حول الدور الأمريكي في سلام الشرق الأوسط، عندما قال: "غياب الحلم يعني فقدان القوة في المستقبل، سيكون من الصعب شرح رسالة أمريكا، وبأننا شعب يؤمن بأرض الميعاد، شعب يؤمن بأن الله اختاره ليخلق عالماً أعظم". والغريب أن هذه الأصولية المسيحية تطالب بقمع الأصوليات للأديان الأخرى.

اما شامبرز جونسون Chambers Johnson  فيقول في كتابه المعنون  " أحزان امبراطورية ":

" يبدو أن جورج بوش يضع نفسه على قدم المساواة مع يسوع المسيح، بترديده المقولة التي أطلقها في 20 سبتمبر / أيلول 2001 بأن الذي ليس معنا هو ضدنا، وهو بذلك انما استنسخ اصحاح ماثيو Matthew chapter الآية رقم 12 التي تنص على: من ليس معي انما هو ضدي".

تنص عقيدة بوش على أن القيم الأمريكية صالحة للجميع في كل زمان ومكان. وفي عالم تحكمه العولمة، لا بد من أن تكتسب مجموعة القيم هذه صفة العالمية، وبأن على الناس تقرير ما إذا كانوا مع هذه القيم أو ضدها .

يقوم موقف المسلمين على مبدأ الاستعداد التام لترك جورج دبليو بوش بقيمه العالمية وشأنه ، ما دام هو على استعداد لتركهم بقيمهم وشأنهم . وإذا كان بعض الغربيين يسيؤون فهم الجهاد في الإسلام على أنه محاولة من المسلمين لفرض قيمهم على الآخرين ، فماذا يمكن قوله عن جورج بوش الذي أعلن بتاريخ 20 سبتمبر/ أيلول 2002 بأن القيم والمبادئ الأمريكية وحدها تشكل نموذجاً واحداً ثابتاً للنجاح القومي في كل بقعة من بقاع الأرض. بمعنى أنها صالحة لكل فرد في كل مجتمع؛ لأن ما تتضمنه من "مبادئ" صادقة وصالحة لجميع الشعوب في كل مكان .

3. العهر الأخلاقي والسياسي.

 

في عام 1848 استسلمت المكسيك في حربها مع الولايات المتحدة، مما فتح الباب أمام ضم كاليفورنيا، فقد عمد الأمريكيون إلى توسيع حدود تكساس في عمق الأراضي المكسيكية لتصل إلى ريو غراند Rio Grande مع إجبار نيو مكسيكو وكاليفورنيا على الانضمام للاتحاد. غير أن التدخلات الأمريكية في المكسيك لم تتوقف حتى يومنا هذا.

في عام 1893ضربت أمريكا حالة من الكساد العظيم استمرت معظم سنوات ذلك العقد، وكان الخروج منها من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية بحاجة إلى الدخول في حرب، أي حرب...فالركود العظيم وضع أمريكا في حالة صراع طبقي، ووضع اقتصادي خانق.

 وهنا كتب ثيودور روزفلت، الذي أصبح رئيساً للولايات المتحدة في العقد الأول من القرن العشرين، إلى صديق له يقول: " أريد أن أُسر لك بشيء...أنا في وضع يجعلني أرحب بأي حرب...أعتقد أن هذه البلاد بحاجة إلى حرب".  

قبل ذلك بأعوام، وعندما وجدت الولايات المتحدة بأن ثورتها الصناعية أدت إلى فائض في الإنتاج يحتاج إلى أسواق أجنبية، قررت سلوك سبل الاستعمار، فكانت الحرب الأمريكية الإسبانية عام 1898 حيث أقدمت أمريكا على غزو كوبا وجزر الكاريبي الأخرى، واحتلت الفلبين. أما الدوافع السياسية والاقتصادية الحقيقية لاحتلال الفلبين، فكانت تلك التي عبر عنها بوضوح السيناتور البرت بيفيردج Albert Beveridge بتاريخ 9 يناير/كانون الثاني، 1900 بالقول: " سيادة الرئيس... هذا وقت الصراحة... لقد أصبحت الفلبين لنا وستبقى كذلك إلى الأبد... وخلف الفلبين تنتظرنا أسواق الصين اللا محدودة ... ولن نتراجع عن أي منهما، ولن يتخلى الأمريكيون عن المهمة الملقاة على عاتقهم من السماء، باعتبارنا أوصياء على الحضارة البشرية باسم الله ... إلى أين نتجه بحثاً عن مستهلكين للفائض من منتجاتنا؟ الإجابة في الجغرافيا...فالصين هي المستهلك الطبيعي لنا...لقد منحتنا الفلبين قاعدة على أبواب الشرق برمته".

يؤثر عن جيمس ماديسون James Madison ، أحد رؤساء أمريكا الأوائل القول : "إن أكبر المصاعب التي تواجه الحرية الأمريكية تكمن في حقيقة أن (عليك أن تمكن الحكومة من السيطرة على الرعية أولاً ومن ثم إجبارها على السيطرة على نفسها بعد ذلك) " . فبعد مرور أكثر من قرنين على ولادتها، نجحت الجمهورية الأمريكية في السيطرة وبتفوق على الرعية، إلاّ أنها فشلت وبصورة بائسة في لجم نفسها.

في عام 1954لخص الرئيس الأمريكي السابق هيربرت هووفر، في تقرير سري، تصوره الخاص بالحرب الباردة التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية، بالقول " هذه اللعبة (الحرب الباردة) غير محكومة بقواعد ... وعليه ، فإنه لا تنطبق عليها معايير السلوك الإنساني .. وإذا ما أرادت الولايات المتحدة البقاء، فإنه يصبح من الضروري إعادة النظر في التصورات الأمريكية الخاصة بنزاهة اللعب والقائمة منذ أمد بعيد .. علينا أن نتعلم أصول العمل السري والجاسوسية والفساد، وكيفية تدمير أعدائنا بطرق أكثر ذكاءً وفاعلية وتطوراً من تلك المستخدمة ضدنا".

في عام 1961 كتب ارنولد توينبي Arnold Toynbee يقول: " أمريكا اليوم هي بحق زعيمة حركة عالمية شعارها الدفاع عما تعتبره مصالحها عبر العالم، وهي بذلك تعيد للأذهان الدور الذي لعبته روما من قبل. كانت روما تطبق سياسة خارجية تقوم على نصرة الأثرياء على الفقراء في جميع المناطق التي خضعت لاجتياحها، ولأن الفقراء كانوا يشكلون الأغلبية في كل المجتمعات، فقد لعبت سياسة روما دوراً أساسياً في نشر الظلم والتمييز، وفي زيادة تعاسة الأغلبية من الناس" .

وعدد وليام بلام William Blum ما يقارب 150 مرة وجدت الولايات المتحدة فيها نفسها وحيدة أو بصحبة صوت أو اثنين في الاعتراض على القرارات الدولية في مواجهة الأغلبية الساحقة من الدول في الأمم المتحدة ، وذلك للفترة من 1978 - 1987 فقط.

أما النزعة الانفرادية فليست بالأمر الطارئ على السياسة الأمريكية ، ولم يقتصر استخدامها على إدارة بوش .

يقول كلايد بريستوفيتش Clyde Prestowitz (وهو جمهوري محافظ ترأس الوفد المفاوض مع اليابان في عهد الرئيس رونالد ريجان) ، في  كتابه عن سياسة الانفراد الأمريكية والموسوم " الدولة المارقة" : " أدارت أمريكا في عهد جورج دبليو بوش ظهرها لعدد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية، مثل إنشاء محكمة جرائم الحرب الدولية، ومعاهدة كيوتو Kyoto حول تغيير المناخ، ومعاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية. وفي سبتمبر/ايلول  2001 أصدرت إدارة بوش قانون الأمن القومي للولايات المتحدة، وأعطت نفسها الحق بشن حروب إجهاضية كلما رأت أن هذه التدخلات تخدم المصالح الأمريكية. فهي اقدمت، وبناءً على ادعاءات ثبت زيفها الآن، على غزو العراق واحتلاله ضد ارادة المجموعة الدولية" .

ويضع هذا الأمريكي- المحسوب على المحافظين -اللوم كاملاً على إدارة بوش فيما آلت اليه سمعة أمريكا في المحافل الدولية، بالقول: " المشروع الامبراطوري، كما يطلق عليهم من يسمون بالمحافظين الجدد، انما هو مشروع متطرف، أناني ومغامر، يتم تسويقه بلغة مثيرة للمشاعر الوطنية التقليدية".

ولا تكمن المشكلة بالنسبة لمؤلف الكتاب في أمريكا أو الوول ستريت، أو في المجمع الصناعي العسكري في النظام الأمريكي، بل في جورج دبليو بوش وشركاه، ولكن هل الأمر هو كذلك ؟ .

المشكلة لا تكمن في جورج دبليو بوش أو ليندون جونسون أو في هذا الرئيس أو ذاك ، المشكلة في الواقع هي في الرأسمالية الأمريكية الانجلو ساكسونية المفترسة ، التي تعاني من سرطان في روحها. الواقع أن الرأسمالية الأمريكية، التي اعتبرت النمو والمكاسب جوهر القيم ، هي نظام توسعي بالطبيعة، وهذا التوسع يتحقق طبقاً للمفهوم الأمريكي بوسيلتين رئيسيتين : القوة والمال .

ويحلو للكاتبة الهندية أروندهاتي روي Arundhati Roy وصف الديمقراطية الأمريكية بأنها: "عاهرة العالم الحر" ...  لأن كل الممارسات المثيرة للسخط تقترف باسم الديمقراطية. 

وبتاريخ 13 مايو 2003 اختارت روي عنوانا مثيرا (وعلى نفس نمط الترويج والتسويق السلعي في امريكا) لمحاضرة حول الديمقراطية الأمريكية ألقتها في كنيسة ريفرسايد Riverside Church بمدينة نيويورك عندما قالت : "لأن لكل محاضرة عنواناً، فقد اخترت التحدث لكم تحت عنوان : الديمقراطية الإمبريالية الجاهزة وسريعة الذوبان. اشتر واحدة واحصل على الثانية مجانا".  

اما أولاسكي الذي قاد جورج بوش إلى حالة التحول العاطفي التي أصابت بوش وشكلت عنصراً رئيسياً في حملته الانتخابية يقول :" الشيء الآخر الذي لا نستطيع كلانا قوله هو أننا لم ننقذ أنفسنا، لأن الله وحده هو الذي ينقذ الخطائين، وما دمنا قد ولدنا من جديد فلسنا مطالبين بتبرير أنفسنا". مثل هذا القول، شكل مرجعاً لبوش لاحقاً في حديثه مع الصحافي بوب وودورد Bob Woodward  عندما قال: "لست بحاجة لشرح السبب الذي يدفعني لقول ما. لعل هذا أكثر الأشياء إثارة في أن يكون المرء رئيساً.. أشعر بأنني لا أدين لأي أحد بأي تفسير".

اذن هذه الديموقراطية كما يفهمها بوش.

 

خصوصية المقاومة العراقية

مع غياب النماذج المماثلة السابقة

تتسبب في إرباكْ العسكريين والمنظرين السياسيين الغربيين.

 

 

 

 

 

 1. نسبة عالية ممن يجيدون استخدام السلاح.

2. خبرة وممارسة قتالية ميدانية طويلة.

3. جيش احتياطي من الخبراء والكوادر الفنية للتطوير والتصنيع العسكري.

4. المطاولة والمجالدة والتكيف على العمل في ظروف الحصار.

5. الكثرة الوافرة من الاسلحة.

6. هلامية الاشكال التنظيمية ومجهرية خلايا المقاومة.

7. التركيزعلى أساليب قتالية معينة تؤثر نفسياً وبفعالية على جنود الإحتلال.

8. عدم الإعتماد على إي دعم خارجي.

9. مفاهيم قيمّية جمعّية تُمجّد الشجاعة والجهاد والثأر وتأنف الذُل والخيانة.

10. القيم العقائدية الدينية المطلقة الحاكمة لعمل بعض فصائل المقاومة.

 

وهنا يحق لنا ان نتساءل
ماذا بقي من مشروع
الإحتلال الأمريكي للعراق

؟

 

 

1. إشتداد قوة المقاومة العراقية كماً ونوعاً.

2. خسائر بشرية ومادية وسياسية أكبر من أن تحتملها أي إدارة أمريكية ، وظهور بوادر الإنهاك على جيش الإحتلال مع تزايد الدلائل على قرب إنهياره.

3. ثروات نفطية هائلة بيد اكبر قوات عسكرية في العالم ، ولكنها عاجزة عن التمتع باستغلالها او تأمينها او حتى ضمان إستمرار تصديرها.

4. العجز عن تأمين أي دعم سياسي لمشروع الاحتلال أو مساعدته في التخلص من ورطته في العراق.

5. حكومة عميلة عاجزة ومحاصرة عملياً في ”المنطقة الخضراء“.

6. كم كبير من العملاء والواجهات الإعلامية والحزبية والمجتمعية وليس لديها أي أثر فاعل وحقيقي على الساحة السياسية بل وفشل كل ما يسمى ”العملية السياسية“.

7. بدء تفكك جبهة مؤيدي الإحتلال وادواته في العراق والمنطقة العربية وبما ينذر بفشل كل المشروع الإمبراطوري الأمريكي في العراق والمنطقة والعالم.  

8.  نموذج سيء جداً لـ ”ديموقرطية“ مزعومة، مع اكثر الارقام القياسية في سوء الادارة والفساد وتردي الخدمات وكثرة القتلى والمهجرين.

 

علاوة إضافية  Bonus

9. قامت المقاومة العراقية بتحطيم "الماكيت" التي ارادت الولايات المتحدة ان تصنعه وتتباهى به امام العالم لخرافة النموذج "الديموقراطي" الذي بشرت به ، ولم تكتفي المقاومة العراقية بتحطيم "الماكيت" بل شوهت واتلفت مكوناته واجزائه بالكامل ولم يعد في الامكان استخدامها.

10. بعد ان اعلنت الادارة الامريكية قبيل غزوها للعراق قائمة طويلة بالدول التي ستقف بالدور لتنظر القوة الباطشة الامريكية كي تصدر لها النموذج العراقي الموعود، وما فعلته المقاومة انها قامت عملياً بتمزيق كل القائمة بعد ان اجبرت الادارة الامريكية على اختزالها وجعلها قاصرة على اسم واحد فقط هو العراق.

11.  تحولت جردة الحساب في نهاية كل اليوم من ايام زمن الاحتلال الرديء من حساب للارباح التي كانوا يأملون بها الى كابوس لا نهاية له من حساب الخسائر ولعق الجراح ولم الشعث لجنود جيش الاحتلال البائس التعيس.

 12. لا امل بقي في اعتقادي كي تعثر الولايات المتحدة على خونة في بلدان مستهدفة  مستقبلاً يمكن  ان يوافقوا على خيانة امريكا بعد ان خيب الجيش الامريكي امل كل عملاؤها.           

 

 

 

 

 

كلمة اخيرة اود ان اقولها ، وهذا ينبع من تحليلي الشخصي المتواضع للصراع الدائر على الارض بين مشروع الاحتلال الامريكي في العراق بشكل خاص ومشروع الهيمنة الامبراطواري في العالم (وبضمنه طبعاً ما يخص الهيمنة الامريكي- الصهيوني في المنطقة) بشكل عام ، فانني استطيع القول بان الصراع هو صراع ارادات وليس صراع قوى مسلحة ، ارادة تريد الهيمنة وارادة تقاوم وتمانع . وانا ارى بان ارادة المقاومة والممانعة هي الاهم وهي الحاكمة على المستوى الاستراتيجي. وهذا الاستنتاج ليس شعاراتياً او من باب التمنيات. فمن يخالفني الإستنتاج فليتذكر ما حصل في جنوب لبنان في تموز الماضي وما يحدث في العراق منذ اكثر من اربع سنوات او افغانستان ، اوما يحدث في فلسطين منذ ما يقرب من ستين عام. او ما حدث و يمكن ان يحدث في اماكن اخرى اذا ما فكرت الولايات المتحدة في توسيع امبراطوريتها الامبريالية اللعينة.

 

 


بعد كل هذا الذي  قدمته لحضراتكم ...
هل يحق لي ان أردد شعاراً كتبه العراقيون

على الجدران بعد الغزو الأمريكي للعراق

ارفعْ رأسكَ ...

أنتَ عِراقي

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©