|
الطائفية والميثولوجيا الحديثة
يقول علماء الميثولوجيا الحديثة : إن الإنسانية الحديثة لا بد
أن تأخذ عاداتها وتقاليدها من نصائح مختلف العلماء من مختلف
الاختصاصات ، ومن هذه الاختصاصات الحديثة هو علم الميثولوجيا
الذي يقول : إن كافة الأفكار والمعتقدات والطبائع والأساطير
التي حملتها البشرية إنما هي تراث بشري يجب النظر إليه
بإيجابية ومن دون تعصب لأجل فهم الآليات والمحركات النفسية
والاجتماعية التي أوصلت ذلك الفرد أو تلكم المجموعة إلى هكذا
تصورات .
يقولون حتى عندما نعرض بالتحليل لطبائع القبائل المتوحشة التي
تأكل لحوم البشر فإن علينا أن لا ننظر باشمئزاز وتأفف واستخفاف
تام بعقولهم بل يجب أن ننظر من زاوية الآليات والمحركات
الزمنية والمكانية التي أوصلت تلك الشعوب إلى هذه العادات .
يقولون أيضا : إنه عند النقاش والحوار مع أي إنسان يحمل فكرة
ما فإن علينا أن لا نستخف بالفكرة ، فهناك دائما أسباب خارجية
سواء من الظروف المحيطة بالإنسان أو داخلية نفسية أنتجت هكذا
أفكار ، وأن هؤلاء الذين ننظر إليهم أنهم يفكرون ويعتنقون
أفكارا خاطئة هم أيضا ينظرون إلينا بنفس الطريقة .
أن هذا الكلام لا يعني أن ليس هناك معتقدات حقة ، ولا يعني أن
ليس هناك حقا وباطلا ، ولكننا عندما نتصرف وكأننا نملك الحق
المطلق ونتعامل مع الناس على هذا الأساس فإننا سنتحول من
مصلحين ودعاة خير وهداية للناس إلى محاكم متنقلة تضم ادعاءا
وقضاءا وسلطة تنفيذية على الناس ، ونكفر ونهدر الدماء كيفما
نشاء ومن دون ضوابط ومن دون رعاية للحرمات .
إن كل ذلك يعني الاعتدال في النظر إلى
عادات الناس وطبائعهم
ومعتقداتهم ، ولدينا عشرات
النصوص الدينية من قرآن وسنة نبوية كلها تحمل هذا المعنى ،
ولكن شبابنا مع الأسف يغفلون عن كل ذلك ويتأثرون بكلام بعض
أدعياء الدين ويتأثرون بالهجمات والمخططات الخبيثة لبعض
الدوائر الاستعمارية التي تبتغي استعمار واستغفال الشعوب وجرها
إلى مواجهات داخلية وصراعات طائفية تحت شعار ( الانتصار للمذهب
الحق )
.
إذن كان كلامنا سابقا فيما يخص الموقف من العادات الإنسانية
بشكل عام فإننا نريد الوصول هنا إلى تأسيس موقف من الذين
يتعصبون للمذاهب داخل دين وشريعة واحدة أنزلها الله تعالى كما
ندعي رحمة للعالمين .
إننا جميعا نتفق أن هذا الدين إنما هو
رحمة للناس كافة ، وإذا كان هذا الاتفاق كاشفا عن شيء فإنه
إنما يكشف عن أن الأصل الذي يجب أن يتعامل به الإنسان المسلم
تجاه الآخرين هو الرحمة والاحترام وتقدير ظروف الآخرين ، يقول
الله تعالى في سورة الإسراء ( وننزل من القرآن ما هو شفاء
ورحمة للمؤمنين ) هذه الشريعة المنظومة الأخلاقية التي جاء بها
القرآن ونبي الإسلام محمد صلى الله عليه واله وسلم جاءت لتصلح
تلك الأخلاقيات السيئة التي عانت منها البشرية لقرون طويلة ،
وكانت دائما الشعارات الدينية تستخدم لقتل الناس وتشريدهم وهتك
أعراضهم
تحت شعار امتلاك الحق .
من هنا ذكر فقهاؤنا أن كل حروب النبي الأكرم صلى الله عليه
واله وسلم كانت دفاعية ، حيث لم يدخل النبي الأكرم في حروب إلا
في حالة الدفاع أو استنقاذ الحق ، حروبه مع قريش كانت ضد
ابتدائهم بالحرب ضد المسلمين ، وحروبه مع اليهود كانت لنقضهم
المواثيق والعهود المبرمة معهم وتحالفهم مع قريش ضد المسلمين ،
وحروبه مع أعراب الجزيرة لتحشدهم واجتماعهم لغزو المدينة ،
وحروبه مع الروم لسبب قتلهم الدعاة وإرسالهم الجيوش لغرض
القضاء على الدعوة .
لقد كان رسولنا الأكرم يعتبر أمة
الإسلام كلها أمة واحدة ، وإذا اعتدي على أحد ما من هذه الأمة
فهو اعتداء على الجميع ، وكان يريد العزة لأهل الإيمان
والتوحيد ، ولكنه أبدا لم يرسل الجيوش لقتل الناس وإجبارهم على
اعتناق الدين ، بل كان يعتمد مبدأ إرسال الدعاة والمبلغين
لهداية الناس ، ومن هنا كان يحث أصحابه على التعلم والتفقه
لأجل حمل راية الهداية للناس ، من جهة أن الدين إنما بني على
موضوعة الهداية ، ومن هنا يقول القرآن ( وكذلك جعلناكم أمة
وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ، بل
حتى الرسائل التي أرسلها لملوك العالم والتي كان يصدرها بمقولة
( أسلم تسلم ) تعني الدعوة للإسلام
والدخول فيه وإلا كان مصير
المتلقي والسامع النار والعذاب من الله تعالى بعد أن تمت الحجة
عليه ، وليس كما يتصور المتعصبون : أسلم وإلا قاتلناك ، فهذه
الرسائل كانت دعوة للهداية وللسماح للدعاة بدخول البلدان
وتعريف الناس بالدعوة للرسالة الإلهية الجديدة ، ولم تكن دعوة
للحرب أو القتال.
إن منظومة الأفكار الإسلامية الأصلية تفترض أنها قادرة على
الدعوة والمواجهة الفكرية مع أي فكر آخر، فهي متسلحة بالمنطقية
والانفتاح على المعارف وتشجيع الأخلاق وتنمية المكارم ، وتفترض
أنها هادية لكل الناس ولا تحتاج إلى إجبارهم على اعتناقها ،
فهي تنساق وتتلاءم مع الفطرة الإنسانية ( فأقم وجهك للدين
حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ، أو قل إنها تحمل
معتقدات جاء بها الرسول الظاهر- محمد صلى الله عليه واله وسلم-
متناسقة مع ما هو راسخ في العقل - أو الرسول الباطن - الذي هو
الفطرة السليمة للإنسان .
الحوار والبرهان والدليل هي أس هذه
الشريعة والدين الجديد ، ومن هنا تشيع
في أوساط الحوزات الدينية مقولة
( نحن أتباع الدليل نميل حيث يميل ) . وها هو القرآن يؤسس لذلك
المعنى بسيل من الآيات الدالة على ذلك ( ومن يدعو مع الله إلها
آخر لا برهان له به )( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ( إن
في ذلك لذكرى لمن كان له قلب –أي عقل – أو ألقى السمع وهو شهيد
) .
وإذا كان هذا هو منهج الإسلام في الحوار والدعوة فما بالنا نرى
منهجا مشوها لدى دعاة المذهبية ، منهج هو أقرب للإجرام والرغبة
لا في إلغاء الآخر معنويا فقط بل حتى إلغاؤه جسديا وماديا ،
إنهم يحملون فكرا لا يمكن وضعه في أي خانة من خانات العقلاء ،
ولا حتى بعض أنصاف العقلاء ، ويعتمدون منهجا وفكرا وخطابا
إلتقاطيا لا يفقه من الدين شيء .
الحوار لا الإجبار ، هو الأصل الإسلامي الأول فلماذا نحيد عن
هذا الأصل الأصيل ونتبع مقولات الهيمنة والإجبار والقسر والعسف
؟ الحوار هو الأسلوب الذي وصلت فيه دعوة الإسلام إلى كل بلد
وطرقت كل باب، ورصانة الفكرة وسلامة الطرح والقلب المنفتح هو
الذي يجلب الهداية للعقول، ولولا ذلك لما دخل الناس في هذا
الدين أفواجا.
الكثير من الشباب في العراق كانوا يقولون لي : لا نحب الدين
ولا المتدينين ؛ لأننا إذا جلسنا مع أي من متديني الطائفة
الفلانية أوغروا صدورنا تجاه بقية الطوائف حتى يترسخ الحقد في
قلوبنا تجاه الآخرين ، ولا نتعلم من هؤلاء أيا من مفاهيم
المحبة والألفة والتسامح ، يقول لي أحدهم : إني تابعت واحدا من
المشايخ المشهورين في فضائية دولة يعتبرها الكثيرون الدولة
الإسلامية الأولى في العالم الإسلامي ، وكان عنوان الموضوع هو
التسامح وقبول الآخر فقلت في نفسي الحمد لله لعلي سأسمع شيئا
جديدا تقر به نفسي وينشرح فيه صدري وأسمع للمتدينين صوتا يدعو
للرحمة والتواصل بين الناس فأرجع بذلك إلى ديني الذي يواكب بين
عقلي ونفسي ، فبدأت أنصت لما يقول وليتني ما أنصت ، لقد تحدث
وأسهب كيف أن أئمة الفروع الفقهية اختلفوا فيما بينهم ولكن
الاختلاف لم يؤثر في الود بينهم ، وهذا لحد الآن شيء جيد ،
ولكنه قال أيضا إن ذلك الاختلاف هو في الفروع الأربعة أو
الفروع الفقهية الخاصة ، ولكنه لو كان اختلافا بالأصول فإن
الأمر مختلف ، إذ أن الذي يخالف بالأصول التي قال بها السلف
فإنه يقتل ، نعم قال : يقتل ، وببساطة ، يقتل .
ويضيف هذا الشاب : إنه إذا كان الإسلام يأمرني بأن أقتل كل من
يتصور الإسلام في صورة أو فكرة أخرى غير التي يراها هذا فأي
دين هذا الذي لا يستطيع تحمل صورة أخرى للفهم أو الإيمان ؟ وأي
دين هذا الذي يرفض أي إنتاج فكري جديد أو مخالف لما أنتجته
طبقة من الناس عاشت قبل ألف سنة ؟
ويقول لي شاب آخر : إنه يكره المتدينين لأنهم يعيشون في الماضي
حتى كأنهم وقعوا خطأ في عصرنا ، فهؤلاء مثلا إذا استعملوا
الانترنت الذي هو وسيلة حديثة أنشئت أساسا لتداول المعلومات
والأبحاث العلمية المفيدة للناس ، هؤلاء يكرسون مساحات هائلة
من الانترنت للجدل الطائفي العميق ، وبدل من أن يتحدثوا عن
الاستعمار والتخلف والتراجع العلمي في بلادنا نجدهم يتجادلون
ويكفر بعضهم بعضا حول أحقية من بخلافة النبي الأكرم صلى الله
عليه وسلم الذي مات منذ أربعة عشر قرنا ، أو من الذي درس على
يد من من أئمة المذاهب الذين عاشوا قبل أكثر من ألف عام أيضا
وتعلوا اتهاماتهم وتشتد صراعاتهم ، وهؤلاء كلما عرض لهم أمر لا
يراجعون عقولهم ويقلبون أوضاعهم ليستخرجوا الوسائل الأنجع
لتحقيق الأهداف المرجوة ، بل هم يذهبون إلى مقولات التاريخ
لتطبيقها في الحاضر ، ويأخذون مقولة ( لا يصلح أمر آخر هذه
الأمة إلا بما صلح به أولها ) يأخذون هذه الكلمة على عواهنها
من دون تحقيق أو تمحيص أو تطوير فهم جديد لها ، وإنها لا تعني
إعادة تطبيق الصور والأشكال والمواقف بحذافيرها ، بل تعني
إعادة إنتاج المعاني الخلقية والسمو الروحي وإشاعة مفاهيم
الرحمة والود والتعاطف والألفة .
وهؤلاء يكون جاره من طائفة أخرى لا يكلف نفسه السعي خطوات ودق
باب جاره ليسأله عن آرائه وتصوراتهم حول المفاهيم العقائدية
والهموم العامة لهم ، بل يذهب إلى مخطوطات عمرها سبعة أو
ثمانية قرون ليراجع ما قال شيخ الإسلام أو محقق الإسلام أو ثقة
الدين الفلاني أو اية الله أو حجة الأسلام الفلاني عن هذه
الطائفة .
ولما كان هؤلاء تربوا على منهج إقصائي تكفيري إلغائي يحاول
دائما حصر الدين والرحمة لهم فقط ، وسلب صفة الإيمان عن غيرهم
فإن هؤلاء لا يعمدون إلى جلب مقولات الأخيار والوحدويين من
العلماء الذين فهموا الدين والشريعة حق فهمها وطبقوا مقولة
الإسلام المشهورة ( شهادة أن لا إله إلا الله حصني فمن دخل
حصني أمن عذابي ) بل يعمدون لجلب مقولات الطائفيين والإقصائيين
وذوي العقول المتحجرة ليستشهدوا بها وينشروها في أوساط الجمهور
، ويعلمون الناس هذا الباطل ويقولون لهم هذا هو الدين ، ويكفر
الجار جاره على أساس هذا الهراء الذي يوصف كذبا بأنه علم
ومعرفة . وأي تحطيم وتمزيق وإضعاف للدولة أكبر من أن يكفر
الجار جاره أو أن يستبيح دمه ويستحل ماله ويرى القرب لله في
قتله أو تهجيره ، وكل ذلك على أساس مقولات ( المتدينين ). وأي
خطر على السلم الأهلي الذي هو أساس حياة الشعوب أكبر من خطر
العداوات الاجتماعية بين أطياف الشعب ، وأية حضارة أو تقدم أو
تطور يمكن أن تحققها دولة تحوي هكذا مشاكل ؟؟؟؟
إذن أي كلام لنا حول وجود حضارة عريقة مع وجود أولئك الطائفيين
الذين يدعون احتكار الإسلام ويقفون كالقضاة يحكمون على هذا
بالإيمان وهذا بالانحراف ؟ يقسمون الناس على أساس ذلك إلى مصون
الدم ممن هو من أصحابهم ، ومستباحه من مخالفيهم .
وأي حديث عن الأخلاق الإسلامية التي يفترض أن تعلم معاني
الرحمة للناس كافة ونحن أمام خطاب طائفي يستبيح دماء ملايين
الناس من المخالفين في الرأي .
إن البعض قد يتصور أن الأزمة الناشئة عن مواقف الطائفيين هي
أزمة موقف أو أزمة بين فلان وفلان من الناس ، ولكن الحق أن
أزمة الطائفية تحولت إلى أزمة بين الأمة وبين الأخلاق والفضائل
، وهي بحد ذاتها أزمة أخلاقية من شأنها أن تزلزل الأمة بأسرها
وتفقدها ارتباطها بالمعاني الأخلاقية التي هي بادئة مصيرية لا
بد منها لكل أمة تريد أن تبني حياتها وتطور حضارتها ومعالمها
الوجودية .
إن ذلك يعني ببساطة هو أن أمة طائفية تكفيرية هي أمة بلا أخلاق
، وأمة بلا أخلاق لا يمكن أن تحترم الإنسان ولا تبني الحضارة
ولا تشترك في صنع الحياة ولن تقتات إلا على السلب والنهب ،
سواء النهب المادي أو الفكري أو العملي .
إن ذلك يعني أننا عندما نفسح المجال للطائفيين أن يهيمنوا
علينا بأفكارهم وتعليمهم الديني الشاذ فإننا نسمح أن تتحول
أمتنا إلى أمة بلا أخلاق ، الجهود والدماء والدموع والآلام
التي كابدها المؤسسون الأوائل لحضارتنا بدءا من الرسول الأكرم
صلى الله عليه واله وسلم مرورا بالأصحاب والأئمة والفقهاء
والشهداء الذين دافعوا عن أمتهم ، كل ذلك نخاطر به ونسوقه إلى
الضياع لو سرنا وراء مقولات الطائفيين .
إن هؤلاء الطائفيون ينطلقون في خطابهم
على أساس استثمار حالة شهوانية شيطانية تطرأ في نفس كل إنسان
ألا وهي تخيل كونه يحمل الحقيقة لوحده وأنه هو الوحيد الذي
يسير في الطريق الصحيح وأنه على هدى وغيره في ضلال مبين
.
إنها حالة شيطانية راسخة في نفس كل إنسان وهي كما هو الحال في
كافة الميول والشهوات النفسية كحب الدنيا وحب الشهرة وحب
الرياسة وحب التسلط وما إلى ذلك ، هي تتفاوت من إنسان إلى آخر
، شدة أو ضعفا بحسب الأجواء التي تحيط بالإنسان . فعندما يجد
الإنسان علماء أخلاق يعلمونه محاربة هذه الميول فإنها تضمر
وتتضاءل وقد تتلاشى ، أما عندما يعم الخطاب الطائفي الذي يمجد
بالطائفة ويبحث في نقائض الآخرين ويدعي كونه ينتمي إلى الفرقة
الناجية التي ستذهب إلى الجنة في حين تذهب بقية الفرق إلى
النار ، فإن هذه الشهوة ستكبر وتتضخم . وعندما يفتقد الإنسان
القدرة على النظر إلى أخطائه أو عيوبه وينظر إلى عيوب الآخرين
وأخطائهم ، ومن ثم ينصب نفسه حاكما عليهم فانه عند ذلك يكون
منقادا لتلك الشهوة سواء شعر بذلك أم لم يشعر.
البعض
يتصور أن الشهوات هي في شرب الخمر أو العلاقات الجنسية
المنحرفة أو السرقة ، ولكن هذا البعض ينسى أن مثل هذه الشهوات
ليست كل الشهوات بل هي أهونها ؛ لأنها قد تؤذي إنسانا واحدا أو
اثنين ، بل لعل بعضها تؤذي صاحبها فقط ، وإلا فالشهوات
الحقيقية المنهي بشدة عنها هي تلك التي تؤذي عموم الأمة
وتقودها إلى التلاشي والضياع والتقاتل والفشل ، كحب الرياسة
وحب السلطة والميل نحو تكفير الآخر، فهذه الشهوات تؤذي بالجملة
وتقتل أمما وشعوبا بأسرها ، ناهيك أن الصنف الأول من الشهوات
هي شيء ظاهر ومعروف للناس ويمكن تجنبه بسهولة ، أما الصنف
الآخر فهو يجري في عروق حتى القديسين ، ولذلك ورد في الحديث (
آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة ) .
المداخل النفسية ليست شيئا كماليا فيما يتعلق بتنظيم حياة
الشعوب والأمم ، والميول التكفيرية للنفس المنحرفة لا بد أن
تحارب ، ولا بد لعقلاء الأمة من محاصرتها ومحاربتها ؛ لأنها
تدخل في بناء الإنسان الذي هو أساس بناء الأمة والدولة ، ولا
بد أن نعلم الناس أن التكفير هو في أصله لا أكثر من انحطاط
نفسي وشهوات وميول رخيصة في نفس الإنسان . إنه أخطر من العجب
الذي ورد في الروايات أنه أشد من الرياء ، والرياء هو إظهارا
العمل الصالح أمام الناس ، في حين أن العجب هو أن الإنسان
يتصور أنه يمن على الله بالعمل الذي يؤديه ، وكل هذه قضايا
تبقى ضمن إطارها الشخصي ، ولكن الأخطر بكثير هو أن يرى الإنسان
نفسه الفضل والأقرب إلى الله ، بل يضع مرضاة الله في جيبه ،
وأن غيره كافر وضال ومنحرف عن طريق الإله .
هذه ستمثل بداية نحو التعدي على حقوق الآخرين في الحياة
والاعتقاد والتفكير وممارسة النشاط الحضاري ، وهذا التعدي
سيتخذ طابعا ثيوقراطيا تحت عنوان إرادة الإله ، وبذلك يحول
الطائفيون أخطر الشهوات والانحرافات النفسية التي تصيب المجتمع
إلى ما يصفونه بأنه جهاد في سبيل الله وتخلص من أعدائه ،
فيلبسون الباطل بلباس الحق .
واحدة من أسباب ذلك هو أن المدارس الدينية لا تعلم ولا تدرس
الأخلاق ولا تبحث ولا تتعمق في المناهج والمداخل النفسية
الأخلاقية متناسية أن هذه في النهاية هي الهدف من كل التشريعات
، والصوم والصلوات ، والحج والزكوات التي يؤديها المسلم .
يتعلم الطالب في المدارس الدينية أيا
كان مذهبه مناهج كلها تفوح منها رائحة الطائفية ، فعلم الكلام
إنما وجد ليتعلم الطالب الأدلة العقلية
وكيفية تقليب النصوص وتطويعها
لتأكيد وتسويق مذهبه ، وكذلك علوم الحديث والفقه والأصول
والعقائد كلها لتأكيد أقوال المذاهب ، لا أقصد أن هذه العلوم
مضرة وغير نافعة بل ما نحذر منه هنا هو أن تدريس هذه العلوم في
أجواء طائفية وبعيدا عن تدريس علم الأخلاق يؤدي إلى نتائج
سلبية وخطيرة كما رأينا من ذلك في مجتمعنا العراقي الذي عانى
ما عانى من الطائفية المغلفة بغلاف الدين .
إن ترك وهجر التعليم الأخلاقي ليس ضار بعلم الدين فقط فقد
ذكرنا دائما أن التعليم الأخلاقي يجب أن يرافق كل علم وبذلك
يتعلمه الطبيب والمهندس والفيزيائي والكيميائي والاقتصادي
والموظف والعامل والكاسب وكل إنسان ؛ لأنه الغاية من الحياة
أصلا ، ولكنه يترسخ ويتأكد أكثر في الطالب الديني ؛ لأن
المفروض أنه يخرج ليعلم الناس الأخلاق ، أما إذا كان هذا
الطالب الديني أساس لا يعرف الأخلاق ولم يدرسها ، ولعله في
أفضل الحالات قرأ كتابا عنها أو تعلم بعض صورها للخطابة
والإلقاء والتكسب بها ، فإن ذلك يعني الخطر ليس للطالب الديني
فقط بل لعموم المجتمع أيضا .
لم نسمع أحدا قبلا يوصم التكفير بأنه شهوة نفسية منحرفة ؛
لأننا وعلى صعيد كافة المذاهب لا نملك أبحاثا أخلاقية معمقة
ودقيقة بل لا أكثر من مؤلفات شخصية لأصحابها ؛ ولذلك لم نطور
نظرتنا إلى الأخلاق لتتحول إلى أخلاق عملية تفصيلية دقيقة
تلاحق بالشرح والإيضاح كل موقف أو فكرة تتواجد في الأوساط
الاجتماعية لتنشرها وتحث الناس عليها إن كانت نافعة ، وتحاربها
إن كانت ضارة وخطيرة .
ولو كان علم الأخلاق تطور لدينا لوجدناه قد تضخم وتوسع وتداخل
مع العلوم الاجتماعية والسيكولوجية النفسية وما إلى ذلك ،
ولكننا مع الأسف لم نضع القدم على الطريق إلى اليوم .
الدليل أن التكفير والتفسيق هو مدخل
شيطاني شهوي منحرف هو الآلية الطائفية التي يستعملها الطائفي ،
فهو يمارس عملية الاتهام وفي
كثير من الأحيان يكذب أو يدعي
إيمان الطائفة الفلانية بشيء فاسد ليقول بعد ذلك إن كل هذه
الفرق والطوائف فاسدة وضالة ومنحرفة وإنه الوحيد الذي على هدى
.
الكذب والقذف والاتهام هي مكونات العقل التكفيري فكيف لا تكون
مدخلا نفسيا شيطانيا ، والتحريف والدس والتحوير هي آلية العمل
الطائفي فكيف لا يكون انحطاطا خلقيا ؟
والدليل على ذلك أيضا أن التكفير الطائفي لم يقترن يوما بفضيلة
، فمعلوم لأهل الأخلاق أن الأعمال الصالحة تحوي في ثناياها
جملة عناوين أخلاقية ، فإكرام الضيف والكرم وحسن التلاقي
والاحتفاء والبذل كلها تأتي سوية في حين يأتي الطمع والجشع
والحرص وما إلى ذلك سوية أيضا ، والتكفير الطائفي لا يأتي
عمليا إلا مع الرغبة في السلب والنهب وسفك الدم والإقصاء
والكذب والافتراء وقلب الحقائق وما إلى ذلك .
والدليل أيضا أن هذا التكفير الطائفي لا يدخل بلدا إسلاميا إلا
هده وأنقضه، بل لا يدخل أي أمة مهما كان دينها أو عقيدتها إلا
أشاع الدمار والبوار فيها .
دليل ظاهري عملي آخر هو أن هذا التكفير الطائفي دخل واستعمل من
قبل الاحتلال الذي جثم على صدر شعبنا العراقي ، ولم نسمع يوما
أن محتلا أشاع الفضائل في أوساط شعب محتل ، بل يعمد لكل بغيض
وشهواني وشيطاني لينشره ويبثه بين الناس .
الخلاصة: أن الفكر الطائفي هو من المفاسد الأخلاقية التي لا
يليق بالإنسان المتدين المحب لدينه وشعبه ووطنه أن يتخلق بها
مطلقا، بل لا يليق به السكوت عنها وغض النظر عن تصرفات
أصحابها، لأنها تقود وتوصل أمته وشعبه إلى الدمار والبوار.
عصام الحسيني الياسري
|