أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

الأُطروحة الأَشرفية وأثرها في الاعجاز القرآني  لسماحة المرجع احمد الحسني البغدادي

 

إن الممكن الأخس ـ أي العالم المادي الذي يجيء في مرحلةٍ تالية من العالم العقلي ـ إذا وجد في الخارج المقتضي وجوباً بـ ((الممكن الأفضل والأشرف)) أن يغدو في درجات العالم المادي وما فيه من إنسان وحيوان ونبات وجماد.

قالوا: ان الفيلسوف أفلاطون (ت 347 ق.  م) له شرف الأسبقية في محاولة الاستدلال بالأطروحة الأشرفية, التي تعارض الإنسان لنجاح نظريته في ((المسائل العقلية)) وعلى هذا ذهب قائلاً:

((إن الموجودات التي نراها في عالمنا المادي لا تتصف بصفة الكمال المطلق،  فلا بد أن يكون لها مثال كامل في عالم آخر يختلف عن هذا الذي يسمى بعالم الكون والفساد انه عالم العقول المفارقة للمادة)) [1].

وجاء بعده تلميذه المعلم الأول أرسطو على هذا النهج.. قال الأشراقي (ت587هـ) في مطارحته انه: استفاد من تلك الأطروحة من إشارة إجمالية لأرسطو.. فإنه قال في كتاب السماء والعالم: يجب أن يعتقد في المعلومات ما هو الأكرم والاشرف [2].

والحقيقة تقال: إن مجرد الانشغال بوجود الأفضل والأشرف من ناحية المبدأ خير شاهد على وجوده حتى فيما لم يوجد في العوالم العقلية لما استهدفه الأدراك العقلي.

وعلى هذا الاساس.. يجب بالضرورة على رائد الفكر الفلسفي أن يكتشف حقيقته،  ويتعبد به.. فإذا لم يره هاهنا،  بداهة أنه موجود في عالم الصور،  والمفاهيم العامة،  التي يكون محلها العقل المجرد،  والتي هي المسألة الفريدة للعالم المادي.

إن الأطروحة الأشرفية لها وجود استراتيجي بارزُّ من لدن مفكري الإسلام،  وأولوا لها عناية خاصة بالبحث والمذاكرة والمناقشة،  وغدت عندهم قاعدة فكرية لها أبعادها الموضوعية في عدة موضوعات من مبانيهم الفلسفية الأخرى.

ومن نتائج هذه الأطروحة وفوائدها التكاملية المعمقة بادر أبو علي الحسين بن عبد الله الشهير بأبن سينا،  ورتب على هذه المسألة: ((نظام الوجود في سلسلتي الخلق والبعث)).

والشيخ الأشراقي في موضوعه عن العقول العرضية أي: المثل النورية،  فيندفع بهذا النص من كلامه:

((المجرد المحض أشرف من المجرد المتعلق،  والروح المرسل أشرف من الروح المضاف)) و((إذا كان المجرد المتعلق ـ أي الروح المضاف ـ موجوداً، فليكن المجرد المحض،  أو الروح المرسل موجوداً قبله)).

وبعده بزمن ليس بالقصير.. تطرق صدر الدين الشيرازي لهذه الأطروحة.. بشرح فلسفي مسهب،  وأطرى عليها بقوله:((قاعدة شريفة برهانية عظيمة الجدوى كريمة موادها متوفرة فوائدها جليلة منافعها)).

وفي ضوء هذه الكلمة الكريمة العريقة في التاريخ الفلسفي والمستحقة للتقدير والإكبار والإعجاب والخلود.. نهض بإلقاء الأدلة الفلسفية الاستدلالية على صحة الأطروحة الأشرفية.. وخلاصة ما راح إليه هو،  وما راح اليه الفيضيون في حدوث العالم،  وفق حلقة التسلسل العقلي الذي بدأ بـ ((العقل الأول)) الذي له مساران, وجوبي،  وإمكاني, يغدو عاملاً في خلق عقل ثان،  ولذا أطلقوا عن هذا الواجب بـ ((الغير)) والممكن بـ ((الذات)) كما بينا في الفصل السابق نقداً وتحليلاً وبشكل موضوعي.

ومن هذا المسار ينطلق صدر الدين الشيرازي لأمضاء هذه الأطروحة الأشرفية.. إذ كتب قائلاً:

((إن الممكن الأحسن إذا وجد عن الباري تعالى،  لابد أن يسبقه وجود الممكن الأشرف،  وذلك لأن الباري جلت عظمته, الذي هو في غاية الكمال،  ولا يتطرق إليه شائبة النقصان،  لا بد أن يكون أول ما يصدر عنه أشرف الموجودات, التي هي المثال العقلي التام المبرءة من كل نقص وشين)).

وإذا نظرنا بتأمل إلى التسلسل التاريخي لوجدنا أن الأطروحة الأشرفية تهيمن على مفكري الفلسفة بشكل عام،  وبخاصة المتأثرين بفكر صدر الدين الشيرازي.

وهكذا.. حتى جاء دور السبزواري على هذا المنوال فقد راح يقول:

((هذه قاعدة شريفة عظيمة الجدوى ومن فوائدها إثبات أرباب الأنواع،  وقد استنبطها الشيخ الأشراقي من كلام للمعلم الاول،  وقد أشرنا إلى دليلها المذكور في الكتب بقولنا:

الممكن الأخس إذا تحققا , فالممكن الأشرف فيه سبقا

لأنه لولاه إن لم يفض, فجهة تفضل حقاً يقتضى

وان أخس فاض قبل الأشرف    علل الأقوى عند ذا بالأضعف

وأن مع الأشرف في الصدور   فواحد جاء مصدر الكثير (3).

وأحب أن ننبه ـ هنا ـ القاريء اللبيب أن هذه الأطروحة الأشرفية من

حيث المبدأ لا تفسر العجز الموجود في الظواهر الطبيعية بأنها عجز في العلة،  ولا في وجود الله بوصفه المطلق،  بل العجز كل العجز يرجع إلى الذات المعلول،  وعدم طاقته الفاعلة لتلقي الفيض من المولى الكريم.

وعلى أساس هذه الأطروحة الأشرفية يذهب فريق من المفكرين إلى أن الظاهرة الطبيعية بكل ما فيها من قوى وعناصر, هي النموذج الأصيل للخير والعطاء (100%).. والشر هو الفساد لم يكن له وجود يذكر على صخرة الواقع،  وذلك لأن الأول يتسم بكل سمات الخير والعطاء, محال أن يخلق ظاهرة طبيعية لا فائدة فيها ولا منفعة خيرة،  لأنه لا يخلق الأدنى مع إمكان خلق الأعلى.. حتى جهنم وعذابها العسير خير وعطاء, بالنسبة إلى تحقيق الغرض المقصود منها.. والخير والطبيعة كلمتان جدليتان مترابطتان،  وكذا الشر والفساد كلمتان جدليتان مترابطتان كذلك.  ثم إن كل ما في هذه الظواهر الطبيعية من أشياء شريرة على ما نعتقد فيما هي إالا عناصر خير بالذات.. وأننا لا نكتشفها وأعتقدنا أنها شراً،  أو فيها مصلحة تؤدي إلى حصيلة خيرة وبالملازمة تغدو خيرة بالعرض.

قال صدر الدين الشيرازي:

((الشر موجود في الطبيعة وكثير،  ولكن خير الطبيعة أكثر من شرها،  ونفعها أكثر من ضرها.. أن الذي إحترق ثوبه بالنار قد تضرر بسببها،  ولكن إذا قسنا هذا الضرر البسيط،  إلى منافعه بالنار طوال حياته لم نجده شيئاً مذكوراً.. وهذان في الشخص الواحد.. فكيف النوع ؟.. إن الاشخاص الأصحاء من أفراد الإنسان والحيوان أكثر بكثير من ذوي الافات والعاهات)).

إذن.. فالظاهرة الطبيعية بما فيها من أشياء وقضايا خير وعطاء،  وسعادة (100%).

إن الأطروحة الأشرفية إجتاحت أسس ناموس العلة والمعلول،  وقفزت إلى نقلة نوعية في المنطلقات العقائدية حتى استدل بعضهم بهذه الأطروحة على إعجاز القرآن كتاب الله المحفوظ الاخير من أمور قائمة فيه يعجز الناس عن مجادلتها كإحكام نظمه،  ودقة معانيه،  وروعة أسلوبه.. إلى غير ذلك من الأمور, التي عدَّها المختصون وجوهاً لأعجازه،  وذلك لأن هذه الأطروحة تهدف بأن يغدو قول الله تعالى أفصح القول وأبلغه،  بما أنه معجزة الدهر, التي لا يقف لها أحد،  ولا يأتي بمثلها إنسان.. وإلا غدا ترجيح المرجوح على الراجح،  وهذا محال البته.

نعم.. هذا ما تدلي به الأطروحة الأشراقية بأن في قدرة الله سبحانه إنزال قوله في منتهى صور الفصاحة،  وألوان البلاغة والبيان.. إذن شريطة أن يكون الكلام أفضل وأشرف الكلام في كتاب الإسلام الخالد.

ومع هذا كله.. فقد طرح بعض الباحثين في الإعجاز القرآني أطروحة تناقض تلك الأطروحة القائلة:

إن العرب إنما عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن بعشر سور مثله مفتريات، او بسورة واحدة من مثله،  لأن الله تعالى قد (صرفهم) عن ذلك،  وامسكهم أن ينهضوا له.. ولو نهضوا له وقالوا لكان في استطاعتهم أن يقولوا مثل قوله؛ لأنه من جنس الكلام الذي جرى على افواههم.

ولعل أول من ذهب إلى هذه الأطروحة هو أبو اسحاق ابراهيم بن سيار النظام (ت هـ) الرأس الشاخص في مذهب المعتزلة.

يقول: ابو الفتح الشهرستاني:

((وزعم النظام أن إعجاز القرآن بـ ((الصرفة)) أي أن الله صرف العرب عن معارضته،  وسلب عقولهم،  وكان مقدوراً لهم،  لكن أعاقهم أمر خارجي))[4].

إن كتاب الإسلام المحفوظ الأخير.. هو كلام الله جلت قدرته،  ومستحيل أن يقاس به أي كلام.. فهو لهذه معجزة خالدة في ذاته،  قد أخرس في معجزته فرسان البلاغة،  وقادة الخطابة،  وسادات القوافي،  وملوك البيان.

ولو كان في واقع الأمر قد أعجز أئمة الفصاحة والبلاغة والبيان... بإرادة تكوينية،  وقوة قاهرة غير منظورة عنه لما كان كلام الله أبداً !!..

ولو كان كتاب الله الأخير على تلك الخصوصية.. لكان لأبناء يعرب فيه رأي غير الذي قالوا فيه،  ولما خرسوا أمام فصاحته،  وبهروا من روعة نظمه، وجلال طلعته،  ووقع كلماته على مجامع القلوب التي جاءتهم منه حين سمعوه،  وعقلوه.

ولو كان كتاب الله الأخير.. مرتكزاً على هذا الأمر المعجز ـ أي على أن العرب صُرفوا عن معارضة القرآن صرفاً لما كان لنزوله, الذي لا يلتقي مع شعر الشعراء في وزن ولا قافية،  ولا مع سجع الكهان وثقله وتكلفه،  ولكان يمكن أن يستغني عنه بأدنى شيء يقطع ما بين الرسول القائد (ص) وبين أمته من حوار وأهوال !!..

وهذا القول في ((الصرف)) في منتهى الوهن والسقوط لأن الكثير الكثير من العرب البلغاء تصدوا لأجهاضه ومعارضته،  فلم يتمكنوا من ذلك،  بل وارتعاد فرائص الصناديد والجبابرة عند سماعه،  بل وبقائه إلى اليوم معجزة خالدة ما بعدها معجزة تتلألأ في نورها الرباني،  وتتألق في جمالها القدسي.

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2010©