أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

الدولة الوطنية... والخيار الإسلامي

 

 

  د. حسن حنفي 

 

أصبح العرب والمسلمون حديث العالم كله وكأنه لا يوجد بشر ولا قوم يثيرون المشاكل ويدعون إلى التساؤلات إلا هُم. وتختلط الأمور في الأذهان بين العرب والمسلمين. فليس كل العرب مسلمين، وهناك عرب مسيحيون ويهود. وليس كل المسلمين عرباً، وهناك مسلمون إيرانيون وأتراك وماليزيون وإندونيسيون ونيجريون وغينيون وغيرهم. يثيرون مشاكل في الهجرات غير الشرعية إلى البلاد الأوروبية بحثاً عن الرزق وعن أساليب أفضل للعيش، أو في جماعات العنف ضد مجتمعات أخرى. وكل الشعوب تهاجر ليس فقط من أفريقيا إلى أوروبا بل أيضاً من آسيا إلى الدول العربية الغنية، ومن أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية. بل إن هناك قارات بأكملها سكانها من المهاجرين الأوروبيين الذين هاجروا إلى الأميركيتين الشمالية والجنوبية، وأستراليا ونيوزيلاندا!

العرب والمسلمون تطردهم الأوطان خارجها ولا تجذبهم، كما تصورهم الآن وسائل الإعلام في الشرق والغرب. لذلك كان السؤال: ما هو الشكل السياسي الذي يرتضيه المسلمون حتى تصبح أوطانهم جاذبة لهم، يسعدون فيها، وتقر لهم عيناً؟

1- لقد جرّب المسلمون الخلافة الراشدة ومازالوا يحنون إليها. تستدعيها الذاكرة التاريخية للخطباء والوعاظ والدعاة ومشايخ الفضاء، هرباً من الأمر الواقع، وانتقالاً من الواقع إلى الحلم، ومن الحاضر إلى الماضي، ومن الحقيقة إلى الخيال. لقد أصبح هذا الشكل السياسي مثلاً أعلى في التاريخ على رغم انتهاء عصره، وتغير الظروف والأحوال، واتساع الرقعة من مجتمع المدينة إلى الأمة، ومن المغرب إلى الصين على امتداد قارتين، أفريقيا وآسيا. والهروب إلى الماضي عجز عن مواجهة الواقع. ولكل مرحلة تاريخية شكلها السياسي. تبقى الأوطان، وتتغير أشكالها السياسية.

2- ثم جرّب المسلمون الدولة بالمعنى الإمبراطوري القديم، الدولة الأموية، والدولة العباسية. وتغيرت عاصمتها ثلاث مرات، من المدينة المنورة إلى دمشق، ومن دمشق إلى بغداد، ومن بغداد إلى إسطنبول. ولم تسلم الدولة الأموية من انقلاب الـمَوالي والعباسيين عليها. ولم تسلم الدولة العباسية من حركات الانفصال من الداخل في الأمصار البعيدة وتحولها إلى دويلات فعلية تحتفظ للعاصمة المركزية بالولاء الاسمي فقط. كما لم تسلم من الغارات والغزوات الخارجية مثل التتار والمغول من الشرق والصليبيين والغرب الحديث أخيراً أثناء عهد الدولة العثمانية. ودفاعاً عن وحدتها ضد الحركات الانفصالية القومية والطائفية استعملت الوسائل القمعية وأساليب الدسائس مما دفع الثورة الكمالية لإسقاط آخر صورة لها لصالح الدولة الوطنية.

 

3- ولجأ العرب إلى الدولة القومية، الدولة العربية الواحدة في أشكال متعددة، ملكية أو قومية عربية بمساعدة الجيوش العربية إثر هزيمة فلسطين في 1948. وأصبحت القومية العربية بديلًا عن الأمة الإسلامية بعد أن اضطهدت دولة الخلافة ممثلي الحركة وعلقتهم على المشانق في دمشق في أوائل القرن الماضي. وعلى رغم ما يقال عن ضعف مؤسساتها، الجامعة العربية، إلا أنها استطاعت أن تتحول إلى حركة تحرر عربي، تستقل من خلالها الأوطان. وتقيم أول تجربة وحدوية عربية في التاريخ، الجمهورية العربية المتحدة 1958-1961. وتحولت إلى سياسة اشتراكية في الداخل وعدم انحياز في الخارج. ومع ذلك اصطدمت بالحركات الأصولية، صراعاً على السلطة. وانتهت بهزيمة مروعة في يونيو 1967. وانقلبت على عقبيها بعد وفاة مجسدها الزعيم جمال عبدالناصر. واستعملها الخصوم للانتقام من التعذيب والإقصاء على مدى عقدين من الزمان. وبعد حرب الخليج الأولى وقع الصدام بين القومية العربية والدولة الدينية الأصولية. وبعد حرب الخليج الثانية وقع صدام ثان بينها وبين الدولة القُطرية، كما يرى البعض.

4- لم يبق للعرب والمسلمين إلا الدولة الوطنية القُطرية للاحتماء بها ولو اعتمدت في استقرارها ضد الأخطار الخارجية على التحالف مع القوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة الأميركية. وعلى رغم نجاح بعضها مثل ماليزيا في الوحدة الوطنية والتنمية إلا أن حدود العديد من الدول الوطنية العربية والإسلامية مع غيرها من الدول ما زالت شائكة بفعل مخلفات وإرث الاستعمار. وبين أكثر من قطرين خلافات حدودية لمنع التعاون بينهما.

5- هنا رأى بعض أتباع الإيديولوجيات الأصولية أنه لم يبق للعرب والمسلمين إلا الدولة الدينية العرقية التي تقول بـ"الحاكمية"، ورفعوا شعاراً مؤداه أن "الإسلام هو الحل" للأزمات القائمة، وأنه هو البديل لبعض النظم السياسية الحاكمة، وتطبيق الشريعة الإسلامية وتعني في فهمهم الحدود أي الواجبات وليس الحقوق. يدعون إلى القمع باسم الدين وليس إلى الحرية باسم حق النقد والاعتراض. والدولة الدينية ليست نموذجاً للحكم مثل إسرائيل التي تمارس أبشع أنواع القهر والقتل والطرد والتشريد للفلسطينيين باسم الدين وعقائده. وقد يزدوج الدين بالعرق، والطائفة بالجنس في دول إسلامية عربية في مقابل دول مسيحية زنجية في أفريقيا جنوب الصحراء أو في دول سنية شيعية، عربية كردية في العراق، عربية بربرية في دول المغرب العربي في استقلال ذاتي ضيق أو موسع بحكومة مركزية قوية أو ضعيفة، في صراع أو في تآلف وتراض بينها. والنماذج على ذلك عديدة في لبنان والسودان والعراق وسوريا والصومال واليمن والمغرب والجزائر ومصر.

6- وأخيراً ارتأى آخرون أنه لم يبق لبعض المسلمين إلا العصبية أو حتى العصابة الخارجة على القانون في حالة تفكك الدولة كما هو الحال في الصومال، أو الحروب الأهلية كما هو الحال في السودان، الشكل السياسي للغزوات العشائرية والكر والفر، والقتل والاغتصاب، والخطف وقطع الطريق وطلب الفدية والعدوان على السياح الأبرياء أو على السفن العابرة بجوار السواحل. فأصبحت صورة المسلمين الآن أنهم مختطفو سفن. والتصق الإسلام في ذهن الآخرين باسم الإرهاب والعنف والقتل والعدوان وخرق حقوق الإنسان والهجرة غير الشرعية والغرق في البحار والكوارث الطبيعية والإنسانية.

وفي المحصلة، فإنه لا يوجد بديل عن الدولة الوطنية كشكل سياسي، تعددية في الداخل تقوم على ائتلاف وطني ومساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، ومفتوحة على دول الجوار في تعاون إقليمي عربي إسلامي، أفريقي آسيوي أوروبي في عالم متعدد الأقطاب. والنموذج الماليزي أو التركي ليس بعيد المنال أو مستحيل التحقيق. وهل نموذج الاتحاد الأوروبي الذي يهاجر إليه المسلمون صعب المنال فيما بينهم حتى لا تصبح الأوطان طاردة لأبنائها بل جاذبة لهم؟

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©