أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

الانسان المسلم في المسيرة والفكر والقدرات والتحديات الحضارية   ... لسماحة الاخ المرجع القائد احمد الحسني البغدادي أدام الله ظله

الاسلام دين الحياة، وهو رسالة حضارية متقدمة اخذت على عاتقها انشاء مجتمع اممي انساني، وبناء شعب يقود هذا المجتمع، والانسان المعتنق لهذه الرسالة السماوية الخاتمة التي ما بعدها رسالة يختلف اختلافاً كلياً عن أي انسان اخر من بقية المجتمعات البشرية الاخرى الذي همه الحفاظ على ذاته من الازمات والويلات والكوارث، وان يكسب لوجوده المنجزات التاريخية، والاحداث البطولية، وان يستمر من حصانة تفرده وتقدمه من الارض، وان اجتاح العالم((وهذا هو الاخطر)) التعسف والطغيان والتشريد والاستهتار والموت الاحمر.
والمتصفح لاحوال الانسان المسلم يجده حكيماً متزناً متألقاً حضارياً لا يعبث من الارض عبث الارهاب الفكري والدولي، بل يضع الدواء على الجروح..ويعالج بحكمة واتزان اطوار النفوس والافئدة المتقلبة، واطوار الامم والجماعات، ويضع لها الطب المناسب في الوقت الملائم.. فيعطيها جرعة من السلام والرضوان والطمأنينة إلى جوار الله حين تخشى جوار النعيم المادي المغري، ويعطيها جرعة من الارتباك، والحيطة، والترقب لبأس الله حين تركن إلى قوى الارض الطاغية، وأوضاعها القذرة.
ومن ثم.. كان الانسان المسلم أنبل بديل تأريخي فذ انبعث للجماعات البشرية.. اذن فكونه أنبل إنسان منبثق من دعوته إلى البشرية في كل مكان التي هي سبب انتصاره وانكساره..
سبب انتصاره: عندما يتطلع بوظائفه العليا فيتحرك(حسب مقررات وتوصيات رسالية) لتنفيذ الدعوة الاسلامية العالمية، وتحويلها إلى صيرورة مستمرة صوب الاحسن والارقى في فعالياتها، وفي معطياتها وتوجيهاتها إلى منفعة الإنسان وخيره على حدً سواء.
وسبب انكساره: عندما يتحول دين الإسلام إلى مجرد وصايا على المنابر.. والى مجرد شعائر في المساجد، فإن وصاياه لا تنفذ، ولا تتحقق، وعندما ينحرف عن الخط السوي، ويختار الالتصاق بالظلم، والعمل تحت مظلته، ويقف عن مهام النهوض بواجبه المقدس، ودوره الحقيقي في العالم، ومن خلال ذلك يضيع فلسفته وكيانه وموقفه وقدرته على الوحدة والتماسك والديمومة والبقاء والصيرورة التحررية.
وتوجد تحت مظلة السماء جماعات بشرية تزعم أن لها آيديولوجيا أممية تقدمية إنسانية، بيد أنها تتجاوز حتى على مستوى التنظير حدود العقلانية التكاملية، وتسقط في منحدر سحيق عن أخلاقية البشر، فتقيد منطلقاتها الايديولوجية في اطار عرق، أودولة مخصوصة.. كما في طرح النظرية الماركسية اللينينية، أوفي إطار وحدة حضارية مخصوصة.. كما هوفي طرح النظرية التونبية.
هذا إلى أن مجتمع أوروبا الغربي والشرقي.. كان في عصر الاستلاب والاستعباد يزعم أنه مجتمع انساني ذواختراع امانة الرجل الابيض، وابتداع المجتمع الاوروبي دعوته هذه تسويغاً لحكم الشعوب المستضعفة في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية!..
فعبودية، واستلاب، ومجاعة، وغلق أبواب الحضارة والمدنية على من يهيمن عليه من المجتمع.. كل ذلك خلف وجوداً يئن من الظلم والقهر، والفاقة والاستبداد، وجوداً تفككه المشاحنات، والصراعات، والمعارك الظاهرة والخفية الحامية منها والباردة.. أنهكت هذه الشعوب وسواها ولا تزال مساوئها وشرورها بادية وفاعلة في المجتمع البشري عامة..
هذا بعكس آيديولوجيا المجتمع الاسلامي.. فهي نموذج آخر يختلف اختلافاً كلياً عن بقية الايديولوجيات الجاهلية قديماً وحديثاً.. نموذج أوحدي للسعادة الاجتماعية الانسانية الرحيبة النابعة عن قيم الحق، والعدل، والعطاء، والانعتاق.. لم يستطع اي مجتمع من المجتمعات في العالم أن يصوغ نموذجاً كنموذجها ذلك لأن آيديولوجيا المجتمع الاسلامي تحمل عطاءاً وافراً إلى المجتمعات البشرية كافة.. هي شريعة الإسلام الكونية الاخيرة التي صاغها خالق الكون الكبير..
وقد تبنت أمة القرآن في فجر الإسلام الأول((فجر الايمان والالتزام والابداع)) الرسالة، وحملتها إلى الشعوب والامم التي ذابت فيها المثل والتعاليم، وطغت فيها الاهواء والشبهات، وماتت فيها المواهب والطاقات، فهي توصف بالحياة، كما يوصف الطغاة بالحياة.. كلاب الصيد التي تلهث بين أيديهم، أوأبقار الحرث التي تعمل في حقولهم.. أما الشعوب من المنظور الانساني الحضاري فأموات، فلا بد أن تصدر عليها محكمة الطغاة الحكم بالاعدام!!..
وقدموا بالتجربة العملية، وبالانقلاب المطلق الذي تم في قلوبهم، ومشاعرهم، وحياتهم.. حركة واقعية عالمية، وطرحوا رسالة فريدة تقدمية حضارية مستقلة المنطلقات، ترفض اليأس، والحزن، والهوان، وتخرج من التيه المظلم والحيرة القاتمة.. إلى المعرفة، والطمأنينة، والاستقرار.. وتخرج من الدينونة المهينة لشتى الطواغيت.. إلى الدينونة الكريمة العزيزة لرب العالمين.
انها منطلقة من المسار المستقيم الذي يحقق لها المثل الكبرى لاول مرة في أقدار العالم كله –يومذاك- وفي خط سير التاريخ إلى ان يرث الله الارض ومن عليها.
والشريعة الاسلامية خليق بها أن تنهض بمهام دعوتها الاممية في هذه الازمة الحاضرة.. وحدها كفيلة بإنقاذ الجماعة البشرية المعاصرة من محنتها التي تقود مصيرها القيادات الجاهلية الطاغية الباغية إلى منحدر الضياع والفوضى، والبوار.
فكم.. من عبقريات تدفن، ومواهب تموت، وذكاء يخبو، ودماء مهدورة، وكرامات مستباحة، ومنكرات معلنة، وفقر أسود كفور تحت مظلة الطواغيت.. وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت أبعاد العقيدة، والايمان، والانعتاق.. وجاهدت دائماً لانتزاع هذا السلطان المغتصب من أيدي الطواغيت، ورده إلى صاحبه الشرعي الله سبحانه وتعالى.
وكم.. من جهال وحمقى طغاة يسودون ويقودون، وأغبياء وسفهاء يتحكمون، وتتحطم في طريقهم العوائق والمطبات، وتصفق لهم الجماهير الساحقة، وتصاغ لهم الامجاد الخالدة، وتصفولهم الحياة الكريمة!!..
وكم.. حفل الناس بتجمع جماهيري حاشد، بمن يشكون الزمان، ويتبرمون بالاوضاع الجاهلية، ويسخطون على مجرى الاحداث ثم طال عليهم الامد، فبهتت صورتهم، وعادت شكلاً لا روح فيها..
اذن.. الشريعة الاسلامية خليقة بصنع تاريخها، ومستقبلها، ومصيرها.. وبناء القدرة الذاتية المنشودة من جديد.. وإحلال توازن القوى في وجودها الذي مزقته المذاهب الوضيعة الطاغوتية الشاجبة لحاكمية الله في الارض، وتقرير ألوهيته.. وهي خليقة بأنقاذها من كافة عبودياتها، التي أكلها الفقر، والظلم، والاحتكار، والاستئثار.. بما في هذه الاطروحة من ثورة تقدمية جذرية شاملة..
بيد ان المسلمين غير خليقين بنشر دعوة شريعة القرآن إلى قارات العالم الحاضرة.. كما نشروها إلى قارات العالم السابقة.. كتجربة معقدة متشابكة، وإنسانية حضارية رائعة مشرقة، تمد فعلها إلى مساحات التحرك البشري الفاعل، وتتوغل اطروحاتها إلى كافة مكونات الإنسان.. روحاً، وجسداً.. وعقلاً، وتنظيراً.. وعاطفةً، ووجداناً... والى كل فعاليات الجماعات البشرية في ارتباطاتها الداخلية منها والخارجية.
ان الناهض بنشر دعوة حركية واقعية انسانية حضارية.. المفروض أن يعايشها، وأوتار القلب بين الشريان والوريد تعزف لحن الايمان، والانبعاث، والوفاء، والعودة، والتوجه المسؤول صوب خالق الحياة، وتأدية مسؤولية الخلافة بوعي، وأمانة، وصبر، وتضحية، وشجاعة، واخلاص من جديد.. والمفروض أن يعايشها، ولا يخفي منها شيئاً، ولا يؤجل منها شيئاً.. مهما كانت المعارضة والتحدي.. ومهما كان الاعراض من قوى الثورة الجاهلية المضادة.. ومهما كانت وعورة الطريق وأخطارها كذلك.
وعلى هذا الأساس.. تبنى الرساليون الثوريون في العصر الأول حركة الدعوة بهذه العقيدة، كما أرادها الله سبحانه، ونشروها ما استطاعت قدراتهم وطاقاتهم الخلاقة العاطفية منها والتنظيرية، وباتوا لا يتخلون عنها، ولوظنوا ان النصر لا يجيئهم في هذه الحياة، بل باتوا خليقين بنشرها.. يدركون كيف يدعون الناس؟.. وكيف يوقظون القلوب الغافية؟.. وكيف يحيون الأرواح الخامدة؟..
ان رسالة آيديولوجيا قوى الثورة الجاهلية الطاغوتية المضادة قد غسلت دماغ(براين رشنج) الإنسان المسلم المعاصر، وعملت على تنحيته تماماً عن عقائدية هذا الدين القويم، وعن مراكز التوجيه الأعلى للانسان.. إلى مسار في الحياة الخاصة لا يتفق مع هذا الدين بحال.. قلبت منهج الدين في فكره، وروحه، وسلوكه.. إلى شعور فردي مجرد مبتور العلاقة بفعاليات الحياة اليومية المباشرة لا يصوغها ولا يقوم ما انحرف عنها.
وقد وقع كل ذلك.. ووقع ما هوأخطر منه وأقذى.. وهومصيره الفاجع السائد الذي يملأ شرايينه بالتعاسة، والشقاء، والكرب، والحرج، والضيق(والدنيا الان تزداد تجبراً، وطغياناً، واصراراً، وجحوداً بقوة جارفة إلى غير غاية) وهوغير خليق بحمل مسؤولية حركة الشريعة الاسلامية إلى الجماعة البشرية الضالة المضطهدة، وان عليه لكي يكون انساناً رسالياً نبيلاً ينبعث للعالم بوصفه خليفة الله حقاً على كل المستويات أن يحقق مباديء شريعة الإسلام الكونية في نفسه، وتركيبة سلوكه، ومجالات نشاطه، ومكونات شخصيته، وانفعالاته، واستجاباته، وأحواله، وأسراره، ونظرته العميقة في ملكوت السماوات والارضين، ودراسته التأملية لنواميس الله، وقوانينه، وخفاياه، وجوانب النشاط الواقعي فيها، ومجالات الارتباط، والاحتكاك المتجدد، وتنظيم هذه الحاجات.
ومن هنا.. يملك قوة الاعصاب المشدودة والمتحفزة المرهفة كالجسد المتوتر المستعد للرد أوالمتحفز للانقضاض، ويملك الارادة المركزية الديناميكية لتطوير الحياة على الارض، ويظل موكبه يندفع بها، ويشق طريقه، ويكتسح إلى أن تقوم رسالة الإمام المنتظر -عليه السلام- المرتقبة على حمل الدعوة الاسلامية وانجازها على الارض كل الارض على أحسن ما يرام.
ومن هنا.. يكون أنبل إنسان أنبعث للعالم يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يعبد الله الواحد القهار دون أي شريك، ويطبق شريعته الكونية تطبيقاً رسالياً متطوراً ناجحاً في هذه الافاق كلها.. على مستوى انساني نظيف.. لا يقتصر على طبقة، وطائفة مخصوصة من البشر بدافع الحقد والكراهية، وانما يبذل البركة، والرحمة، والشفقة للبشرية كلها.. حتى أولئك الذين يرفضون هذا الدين.. وحتى اؤلئك الذين كانوا يحاربونه بشراسة من الاشتراكيين والرأسماليين البراغماتيين.
ومن هنا.. حرى بالحركة الاسلامية المباركة أن تستقطب ملايين المسلمين إلى تطبيق شريعة الله الكونية، وتكشف لها أوراق واقعها المؤلم، وعوامل استعمارها واستلابها، وهزيمتها منذ ثمانين سنة، وتحول الموج إلى اتجاهه الطبيعي الهادف، وتحفظ سبيل الانبعاث، والايمان، والتقوى، والعمل الصالح، والثورة، والكفاح السياسي والمسلح الذي يمكنهم من عملية المجابهة العقائدية هذه.. وهم مطمئنون إلى صلابة الارضية التي يتحركون عليها، وان تحشد القوى والاحزاب والمنظمات والحركات المخلصة لله ولرسوله في جبهة تقدمية ثورية اسلامية موحدة.. تستميت في المحافظة على ما بقى، واسترجاع ما ضاع، وتركز ثقلها الستراتيجي على مصدر الخطر الطاغوتي الكبير.. وهو: قوى الثورة الجاهلية المضادة بشقيها الخبيثين الداخلي من الشرق الشيوعي، والخارجي من الغرب الرأسمالي على حد سواء..
كتبنا لك هذا.. اهتماماً بأمر الاُمة.. وتنبيهاً على غفلتها.. نسأله تعالى سعادة الدنيا ونعيم الاخرة.. بجاه محمد(ص).. والله أكبر.. وجهاد حتى
النصر.

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©