أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

الإرهاب .. الإرهاب

 

د. حسن حنفي

مازالت المؤتمرات والندوات وحلقات البحث المحلية والدولية تعقد منذ عشرات السنوات عن الإرهاب. وقد كتب حتي الآن 140000 مقالا عن الموضوع، ومازال الغرب لم يفهم الإرهاب. وأنفقت ملايين الدولارات علي البحوث ومازال الموضوع مستمرا. لا تخلو جامعة أو مركز بحث خاصة في أمريكا وأوروبا عن مشروع حول الإرهاب. ومع الجامعات ومراكز الأبحاث تدخل الأحلاف العسكرية القديمة مثل حلف شمال الأطلنطي، والمخابرات العامة، ووزارات الدفاع والخارجية ومجالس الأمن القومي وهيئات أركان الحرب والكنائس والأحزاب والاتحادات والنقابات.

وقد عقد في مقاطعة توسكانيا بإيطاليا في منتصف الشهر الماضي ندوة دولية عن العوامل النفسية والاجتماعية في تكوين الإرهاب. والقصد كالعادة تجميع المعلومات، وتحليل العوامل، ورصد الإحصائيات، وعمل الرسوم البيانية، والاعتماد علي النماذج الرياضية من أجل فهم ظاهرة الإرهاب. ولم يكن هناك أي بحث عن الواقع الحي والمعيشي في المخيمات ورؤية مآسي الشعب الفلسطيني التي قد تغني عن كل هذه المجردات التي تعمي أكثر مما تكشف، وتبعد عن الموضوع أكثر مما تقرب منه. فالاقتراب من الواقع الحي في فلسطين أو العراق أو أفغانستان أو الشيشان قد يكشف عن العدوان الأمريكي البريطاني الإسرائيلي علي الوطن العربي والعالم الإسلامي. فوظيفة العلم الكشف وليس التعمية، والدخول في الموضوع وليس الدوران حوله، وعيشه ومعاناته وليس تجريده والابتعاد عنه.

ودعيت إليه أسماء لامعة في البحث العلمي ما يزيد علي العشرين أكثر من نصفهم من الولايات المتحدة الأمريكية ثم بريطانيا ثم إسرائيل. ثم باحث واحد من كل من أسبانيا والنمسا وروسيا والأمم المتحدة وفلسطين ومصر. وتوزعت الأوراق علي أربعة محاور علي أربعة أيام. الأول كيفية دراسة الجذور النفسية والاجتماعية للإرهاب. والثاني البواعث الفردية والجماعية للانخراط في العنف السياسي. والثالث العوامل الاجتماعية والثقافية والدينية والأعمال الاستشهادية التي يطلق عليها لفظ القنابل الانتحارية. والرابع الخطوات العملية لدي علماء النفس والاجتماع للإقلال من خطر الإرهاب.

والغريب أن كل البحوث المقدمة تبدأ من الأحكام المسبقة المعروفة المكررة آلاف المرات، ربط الإرهاب بالإسلام وبالفلسطينيين وبالعراقيين وبالأفغان وليس بالمسيحية ولا بالنزاع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك في أيرلندا الشمالية، ولا بالصراع في بلاد الباسك علي حدود فرنسا وأسبانيا، ولا بالهندوكية وإسالة الدماء في سريلانكا، ولا بالجريمة المنظمة في الولايات المتحدة الأمريكية من اليمين كما تم في تفجير مبني الحكومة الاتحادية في أوكلاهوما، ولا باضطهاد المسلمين الأتراك في ألمانيا خاصة، وسوء معاملة العرب والمسلمين في كل أنحاء أوروبا. فالربط جوهري بين الإسلام كدين والإرهاب كعنف دون ما ذكر للظروف النفسية السياسية والاجتماعية التي أدت إلي استعمال العنف في حالة الاضطهاد وغياب أي أساليب أخري للمقاومة. وتؤدي الأحكام المسبقة إلي الإدانة المسبقة. فالمقدمات هي النتائج، والأهواء هي الحقائق. المقاومة الفلسطينية إرهاب، والمقاومة العراقية إرهاب، والمقاومة الأفغانية إرهاب، وحزب الله تنظيم إرهابي، وسوريا نظام إرهابي يسمح بتسلل الإرهابيين العرب عبر الحدود المشتركة مع العراق، ويؤيد حزب الله، والنظام الإيراني إرهابي لأنه يرفض الدخول في بيت الطاعة الأمريكية دفاعا عن استقلاله الوطني وحقه في امتلاك القدرات النووية، وإسرائيل مدججة بأسلحة الدمار الشامل النووية والكيميائية.

وما يرعب الولايات المتحدة هو أن تتسرب أسلحة الدمار الشامل إلي "الإرهابيين" وكأنها حكر علي الدول الكبري وحدها. ولا تري خوف الدول الصغري منها وهي في يد الدول التي هدفها العدوان وتكوين إمبراطوريات جديدة مثل أمريكا وإسرائيل. الغاية هي احتكار الإرهاب ضد من يقاوم هذا الاحتكار.

والخلط واضح دائما بين الإرهاب والمقاومة، بين العنف العبثي غير المسؤول علي أتفه الأسباب بالرغم من وجود بدائل أخري كالحوار والحلول السلمية، والعنف الهادف الذي هو حق شرعي للإنسان للدفاع عن النفس في حالة العدوان. لذلك لم توجد ورقة واحدة لتحديد معني الإرهاب، للهروب من الموضوع برمته. وما أسهل التعليل بالجواهر الثابتة مثل الإسلام أو العروبة أي بالأيديولوجيات وليس بالظواهر الاجتماعية والسياسية طبقا لرؤية شعوبية عنصرية تلصق الإرهاب وغيره من الظواهر مثل التخلف وغياب حقوق الإنسان ومظاهر الاضطهاد والقهر والتسلط بطبائع الشعوب والثقافات.

وتغطي الأوراق كل شيء فرعي وتترك كل شيء رئيسي. تتكلم عن ردود أفعال الإرهاب عند أطفال فلسطين، وأثر تدمير المدارس علي نفسيتهم، وكيفية التأقلم مع الإرهاب، ورغبتهم في العيش في سلام! ولا شيء يُذكر عن الاحتلال وإرهاب الدولة. فالإرهاب من الفلسطيني للفلسطيني وليس من الإسرائيلي إلي الفلسطيني.

ويحضر الأمريكيون والإسرائيليون بكثافة فهم الضحية! ويغيب العرب والمسلمون إلا القليل فهم الجلادون! ويتحول المؤتمر أو الندوة إلي إرهاب الأغلبية للأقلية. وقد يحضر باحث عربي أمريكي يفكر علي استحياء، ويتكلم بحساب. ويتحول العلم الرصين إلي سياسة فاضحة. وتتحول وجهات النظر المختلفة إلي صراع قوي. وينتقل الصراع بين العدوان والمقاومة في فلسطين والعراق وأفغانستان إلي حلقات البحث والندوات العلمية. فالباحث يدافع عن سياسات ولا يبحث عن حقائق. وهو ما يثير من جديد قضية الصلة بين المؤسسة الأكاديمية والمؤسسة السياسية، والاستقلال العلمي للجامعات. وهو نفس السؤال المثار لدينا بين المؤسسة الدينية والإعلامية من ناحية والنظام السياسي من ناحية أخري.

ويشعر الباحث العربي أنه واقع تحت إرهاب العلم ونظام العالم والكون. ويشعر بضعفه وعجزه وغياب العرب. ويقدر الشهيد الذي يسمونه "القنبلة الانتحارية" الذي لم يعد له وطن ولا قريب ولا صديق. ولا يملك إلا نفسه يضحي بها طواعية واختيارا. لا يملك أسلحة الدمار من طائرات وصواريخ ومدرعات حتي يقاوم جيشا لجيش في معركة متساوية الأطراف. الغلبة فيها لمن يحسن القتال.

وكان السؤال في النهاية: من يُرهب من؟ من يخاف من؟ إنه الصراع الأبدي بين القوي والضعيف، بين الغالب والمغلوب، بين من يملك كل شيء ومن لا يملك شيئا، بين الجلاد والضحية.

وواضح أن مراكز الأبحاث في الغرب والولايات المتحدة مازالت تفكر وكأنها مازالت في أجواء الحرب الباردة. موضوعاتها نفس الموضوعات القديمة مثل العنف، الإرهاب، الصراع، الحرب. مازالت الذهنية في عصر الحرب الباردة. ولم تحاول مد النظر إلي الأمام بعد الاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبعد التسليم بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس. ولقد رضي العالم كله بخارطة الطريق كدليل ومؤشر علي طريق السلام. لم تتناول الأبحاث موضوعات مستقبلية مثل آفاق السلام، طرق السلام، شروط السلام، العيش المشترك، التنمية المشتركة، استثمار الموارد، المياه، الطاقة، العمالة. هذا لمن ينوي السلام. ومن الواضح أن الغرب يتحدث عن السلام ويفكر في الحرب مثل إسرائيل تماما. ومراكز الأبحاث تعلم ذلك. ومازالت تخطط للحرب باسم الحرب علي الإرهاب، بالغزو مرة وبمشاريع الشرق الأوسط الكبير والشرق أوسطية مرة أخري.

فمتي يتغير الغرب ذهنيا؟ ومتي يعترف بالآخر المساوي له والكفء في الحوار معه. ومازالت المركزية الأوروبية مصدر العنصرية الدفين هي التي توجه مراكز الأبحاث طالما ظل الاستقطاب قائما بين المركز والأطراف.

 

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©