|
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق في ظل الحزب
الديمقراطي الأمريكي وخيارات الحكومة العراقية
المقدمة:
1. ظلت الحكومة الأمريكية تتخبط في سياستها منذ تولي بوش
مقاليد الحكم فيها عبر ثماني سنوات معتمدا على المحافظين الجدد
وعلى رأسهم نائبه ديك تشيني ووزير دفاعه السابق دونالد
رامسفيلد، وخاضت الولايات المتحدة حربين في أفغانستان والعراق،
واشتركت معظم قواتها في هذين الحربين، ولم تستطع تحقيق نصر
نهائي فيما عدا الاجتياح الأول، وتصاعدت المقاومة في هذين
البلدين حتى أقضت مضاجع الجيش الأمريكي وحلفائه وأوقعت بهم
آلاف القتلى وعشرات الألوف من الجرحى، بالإضافة إلى تدمير آلاف
الدبابات والمدرعات والطائرات، وأنهكت ميزانية الولايات
المتحدة حتى أوصلتها إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عمت
العالم بأجمعه .
2. كل هذه الحروب والتدخلات في شؤون الدول الأخرى في أوربا
وأفريقيا وآسيا كانت بسبب أخطاء إستراتيجية ارتكبتها إدارة بوش
وسوء تقديرها للأمور السياسية والاقتصادية وانتهاجها سياسة
عدوانية مستغلة كونها القطب الوحيد في العالم التي تتمتع بقدرة
عسكرية عالية واقتصاد متين .
3. لقد رفض الشعب الأمريكي قبل شعوب العالم هذه السياسة
العدوانية وصوت لصالح الحزب الديمقراطي الذي يناهض سياسة
الحكومة الأمريكية وحزبها الجمهوري مما أوصل الرئيس الجديد
أوباما الى سدة الرئاسة، وسيطرة الحزب الديمقراطي على معظم
مقاعد الكونغرس، وبذلك فشل الحزب الجمهوري ومرشحه الجديد ماكين
وإدارته الحالية برئاسة بوش في قيادة الولايات المتحدة والعالم
.
الاتجاهات الرئيسية لسياسة الحزب الديمقراطي في العراق بعد فوز
أوباما وسيطرتهم على الكونغرس
4. تتجه السياسة الأمريكية في ظل إدارة أوباما وحزبه
الديمقراطي إلى تصحيح الأخطاء الفادحة في الإستراتيجية
الأمريكية في العالم عموما وفي كل من العراق وأفغانستان خاصة،
ويمكن أن تكون في المسارات التالية:
آ. سحب الجزء الأكبر من القوات الأمريكية في العراق خلال فترة
(16) شهرا كما وعد أوباما بذلك خلال حملته الانتخابية وكما كان
الديمقراطيون ينادون بذلك في الكونغرس, ويعود سبب هذا القرار
إلى فداحة خسائرهم في العراق البشرية والمادية نتيجة شدة
المقاومة العراقية وخاصة خلال السنوات 2003 م–2007م, كذلك فان
العراق لايشكل خطرا على الولايات المتحدة مثلما تشكله القاعدة
وطالبان في أفغانستان مما يتطلب أن تكون أولوية اهتمام
الولايات المتحدة بأفغانستان وليس في العراق، وأن الحجم الكبير
من القوات الأمريكية في العراق غير ضروري بل يؤدي إلى مزيد من
الخسائر البشرية والمادية , وان المرحلة الحالية تتطلب نقل
المزيد من هذه القوات إلى أفغانستان , وان حجم الجيش العراقي
أصبح كبيراً مما يتطلب وضعه أمام مسؤولياته في حفظ الأمن في
بلادهم والاكتفاء بتقديم الدعم الجوي و الإسناد الأرضي لهم من
القوات الأمريكية التي ستبقى في العراق, وان انسحاب الجيش
الأمريكي من المدن العراقية أصبح ضرورة قصوى لتجنب خسائرهم في
الأرواح والمعدات نتيجة القتال اليومي وقصف معسكراتهم داخل
المدن من قبل المقاومة المسلحة العراقية , حتى ان الحكومة
العراقية في المنطقة الخضراء لم تسلم من قصف المقاومة
العراقية, و ان على الحكومة العراقية أن تتحمل نفقات الجيش
الأمريكي المتبقي في العراق باعتباره يحافظ على أمن النظام
الحالي والحكومة وان موارد العراق النفطية أصبحت كافية لتغطية
هذا الانفاق .
ب. الزام الحكومة العراقية بالاعتماد على نفسها وقواتها
المسلحة التي أصبحت بحجم كبير في السيطرة على الوضع الأمني في
العراق وعليها استلام كافة الملفات الأمنية للمدن العراقية ,
وستكون القوات الأمريكية الجوية والبرية جاهزة لاسناد القوات
العراقية عند الطلب والضرورة ولحين استكمال جاهزية القوات
العراقية في الجوانب التسليحية والتدريبية والعددية والاحتراف
العسكري والقتالي .
جـ . الزام الحكومة العراقية بتحمل جزءا من الانفاق العسكري
الأمريكي في العراق كونه كما يدعون لصالح الحكومة العراقية
وللحفاظ على النظام الحالي من خطر المقاومة العراقية والقاعدة
ورجال النظام السابق كما ان الميزانية الأمريكية وبعد الأزمة
الاقتصادية لا تستطيع تحمل مزيدا من النفقات العسكرية بعد
العجز الكبير فيها , كما ان موارد العراق النفطية أصبحت كافية
لسد هذه النفقات العسكرية.
د . اعادة النظر بالاتفاقية العراقية الأمريكية طويلة الأمد
بما يحقق المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة العربية
ولمواجهة ايران وبما يقوي الاستراتيجية الأمريكية في هذه
المنطقة من العالم ,وهي قد لا تقل عن المطالب الأمريكية
والبنود التي وضعتها الادارة الأمريكية الحالية الا أن حجم
القوات الأمريكية التي ستبقى بصورة دائمية في العراق ستكون أقل
بكثير من الحجم المقرر سابقا وقد تكون قوات محدودة للتدخل
السريع عند الاقتضاء أو عند تهديد النظام والحكومة العراقية
الحالية أو لمواجهة التهديدات الايرانية بشكل محدود أو لاسناد
القوات العراقية تجاه المقاومة العراقية أو تنظيم القاعدة
وسيكون قوامها القوات الجوية والدروع والمدفعية والاستطلاع
الجوي والسمتيات وقد تنتشر في مساحة واسعة في العراق ضمن
معسكرات وقواعد الجيش العراقي ويكون الجزء الأكبر منها في
اقليم كردستان كما رحبت بذلك حكومة الاقليم على لسان مسعود
البرزاني رئيس الاقليم .
هــ . الاستفادة القصوى من الحكومة العراقية الحالية لتحقيق
أعلى استثمار في العراق من خلال الشركات الأمريكية واستغلال
الموارد النفطية والغاز من خلال تمرير قانون النفط والغاز ومن
خلال حملة الاعمار المنوي تنفيذها لصالح الشركات الأمريكية
وحلفائها، وإدخال العراق في منظمة التجارة العالمية وربطه
بالاتفاقيات الاقتصادية الأمريكية والأوربية لصالحهم أولا.
واعتبار العراق بموقعه الاستراتيجي نقطة انطلاق للقوات
الأمريكية ضد الجوار وخاصة عندما تتهدد المصالح الأمريكية
والنظام الحالي في العراق الموالي لها، وستكون أولى أهداف
القوات الأمريكية ايران وسوريا بسبب مواقفهما السياسية ضد
أمريكا واسرائيل .
الخيارات المتاحة أمام الحكومة العراقية في مرحلة استلام
الديمقراطيين الادارة الأمريكية الجديدة والادارة الأمريكية
الحالية لما تبقى من فترة حكمها
5. ليس للحكومة العراقية الحالية التي نشأت في ظل الاحتلال
الكثير من الخيارات كونها تعتمد كليا على الدعم الأمريكي
العسكري والسياسي والاقتصادي , وهي لم تحقق شيئا من الأهداف
التي أعلنتها في برنامجها السياسي أثناء الانتخابات، فالشعب
العراقي ومنذ الاحتلال لازال يعاني من تدهور الأمن وفقدان
القانون والحكومة غير قادرة على حماية المواطنين وعمليات
الاغتيال السياسي مستمرة ولم يتحقق شيئا من المصالحة الوطنية
بين أبناء الشعب العراقي والقوات المسلحة العراقية ,وبعد مضي
ما يزيد عن خمسة سنوات من الاحتلال غير قادرة على حفظ الأمن في
البلاد وهي مسيسة وتضم معظم الميليشيات التابعة للأحزاب
الحاكمة ولا يوجد لديها احتراف مهني عسكري وتسليحها ضعيف
ويقتصر على الاسلحة الخفيفة والمتوسطة وأعداد محدودة من
الدبابات القديمة التي تم شراءها ضمن الصفقات الفاسدة ولا توجد
لديها طائرات قتالية سوى عدد محدود من السمتيات ( الهليوكبتر )
وهي قديمة الصنع، ويعم وزارة الدفاع العراقية والجيش العراقي
الفساد والرشوة, والخلاصة فان الأمريكان لا يرغبون ببناء قوات
مسلحة عراقية مقتدرة خوفا منهم على النظام الحالي واسرائيل .
ويعم الفساد الاداري والمالي معظم وزارات الدولة وعلى رأسها
وزارة المالية والأشغال والدفاع والداخلية والصحة والبلديات
وغيرها حسب تقارير المفتشين الامريكان وقد فقدت مليارات
الدولارات في هذه الوزارات وآلاف قطع الأسلحة من وزارتي الدفاع
والداخلية وكلها تسربت الى الميليشيات التابعة لأحزاب السلطة
الحاكمة .
أما الخدمات ( الصحة والكهرباء والماء والوقود بكافة مشتقاته
وغيرها ) فهي أسوأ ما يعانيه الشعب العراقي منذ الاحتلال حتى
الآن ولا حاجة لذكر تفاصيل هذه الخدمات.
والبطالة منتشرة في عموم العراق ولا يجد الشباب أية فرصة للعمل
ويجري التعيين المحدود وفق المحاصصة و المحسوبية والرشاوي ,
أما عامة الشعب العراقي فلا يجدون فرصتهم في العمل والوظائف
أما الانتخابات التي جرت سابقا والتي ستجري لمجالس المحافظات
فهي تعتمد على التزوير والابتزاز .
6. وبهذا الضعف الذي تعاني منه الحكومة العراقية تجاه شعبها
وكذلك فانها تعتبر لعبة بيد الاحتلال وتعتمد في حمايتها
ونظامها على قوات الاحتلال فان لديها الخيارات التالية حول
الاتفاقية العراقية الامريكية :
آ . التوقيع على الاتفاقية العراقية الأمريكية رغم أنها مخلة
بالسيادة الوطنية ومنتهكة لحقوق الشعب العراقي ورغم معارضة
الشعب لهذه الاتفاقية والتي أطلق عليها ( اتفاقية الاذعان
والخنوع ) تحت ضغط الادارة الأمريكية الحالية والرئيس بوش وقبل
انتهاء ولايته ليقول للشعب الأمريكي أنه حقق النصر في العراق
ولكي يعطي لقواته في العراق الصفة القانونية .
أو
ب . المماطلة والتسويف مع الادارة الأمريكية الحالية لحين
استلام الرئيس أوباما مقاليد السلطة وحزبه الديمقراطي عله
يوافق على بعض الأمور التي تحفظ للحكومة العراقية الحالية ماء
الوجه امام الشعب العراقي وارضاءاً لإيران التي مازالت ترفض
هذه الاتفاقية وبذلك تحافظ الحكومة العراقية على علاقاتها مع
ايران وأمريكا معا وهو ما يرغب به رئيس الوزراء نوري المالكي
حيث دعا الى التفاوض مع الادارة الامريكية بشأن المسودة
النهائية التي قدمتها الحكومة الأمريكية والمطالب العراقية
التي تم رفضها وأهمها الحصانة للجنود الأمريكان من الناحية
القضائية وجدولة الانسحاب بعد عام 2011 م .
أو
جـ . قد تلجأ الحكومة العراقية الى عرض مسودة الاتفاقية على
الاستفتاء الشعبي العام بعد عرضها على المجلس السياسي للأمن
الوطني والبرلمان العراقي وهذا يحقق لها كسب الوقت والتخلص من
الضغط الأمريكي عليها باعتبارها من حقوق الشعب العراقي
ولأهميتها الاستراتيجية ولحين استلام السلطة في أمريكا من قبل
الديمقراطيين, وهذا ما تنادي به الكثير من القوى السياسية
وخاصة أن قانون المعاهدات لم يعرض على البرلمان لحد الأن .
7 . اما خيارات الحكومة العراقية في التعامل مع الادارة
الأمريكية الجديدة برئاسة الرئيس أوباما وحزبه الديمقراطي
فانها يمكن أن تكون ما يلي :
آ . ابرام الاتفاقية العراقية الأمريكية بشروط أفضل للجانب
العراقي وحسم قضية الحصانة القضائية لصالح القضاء العراقي
بالنسبة للجنود الأمريكان وكذلك تسريع عملية سحب القوات
الأمريكية من العراق حسب رغبة الجانب الأمريكي ووعود أوباما
للشعب العراقي في حملته الانتخابية .
ب . الطلب من الحكومة الأمريكية الجديدة الاسراع بتسليح الجيش
العراقي وتدريبه ليكون قادرا على استلام الملفات الأمنية لعموم
محافظات العراق ولكي يكون قادرا على الدفاع عن العراق وحماية
حدوده تجاه دول الجوار وتحقيق الأمن الداخلي في البلاد , ومن
المحتمل أن تلبي الحكومة الأمريكية هذا الطلب وبشكل محدود , اذ
لا يمكن أن تقبل أمريكا بجيش عراقي قوي قادرا على القيام بدور
عربي فاعل تجاه اسرائيل .
جـ . وفي حال عدم توقيع الاتفاقية مع أمريكا فان الحكومة
العراقية ستتقدم بطلب الى مجلس الأمن لتفويض القوات الأمريكية
للبقاء في العراق لفترة زمنية سنوية أو كل ستة أشهر, ثم يتم
تجديدها بطلب آخر لحين استكمال جاهزية القوات العراقية .
د . قد تقبل الحكومة العراقية بسد جزءا من نفقات القوات
الأمريكية في العراق باعتبار أن ميزانية الولايات المتحدة لا
تساعد على تغطية نفقاتها خلال الأزمة الاقتصادية التي تعصف
بأمريكا وباعتبار ان الموارد النفطية العراقية أصبحت كافية
لتغطية ذلك .
الموقف العراقي والعربي تجاه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
8 . الموقف الوطني العراقي المطلوب :
آ . رفض الاتفاقية بأي صورة كانت لانها تمس بسيادة الوطن مهما
كان محتواها في ظل احتلال العراق .
ب . دعم المقاومة الوطنية العراقية المسلحة كونها اداة التحرير
الأساسية والتي انهكت واستنزفت قوات الاحتلال وعملائه والسبيل
الوحيد لاجبار المحتل على الانسحاب من العراق .
جـ . تشكيل جبهة وطنية معارضة للاحتلال من القوى السياسية
المناهضة للاحتلال بعد الاتفاق على الثوابت الوطنية التي تقرها
جميع الأطراف الوطنية .
د . المصالحة الوطنية الحقيقية بين أبناء الشعب العراقي وفق
مقررات مؤتمري القاهرة عام 2005و2006م.
هـ . ايصال صوت الشعب العراقي الى كافة أنحاء المعمورة ( الأمم
المتحدة – المؤتمر الاسلامي – الجامعة العربية– الادارة
الأمريكية الجديدة– البرلمانات العالمية والعربية والاسلامية –
القوى الشعبية الخ ..)
9 . الموقف العربي المطلوب:
آ . رفض الاتفاقية العراقية - الأمريكية باعتبارها تسمح باقامة
قواعد عسكرية في العراق للولايات المتحدة قد تكون موقع انطلاق
للعدوان على دول الجوار كما حدث في الغارة الأمريكية على منطقة
البوكمال السورية وابلاغ العراق بهذا الرفض والطلب من الحكومة
العراقية بعدم توقيعها .
ب . دعم المقاومة الوطنية العراقية المسلحة بكل الوسائل
العسكرية والمادية والمعنوية وفي المحافل الدولية.
جـ . الضغط على الحكومة الأمريكية الجديدة لايقاف دعمها
للحكومة الطائفية في العراق وضرورة استقلالية القوات المسلحة
العراقية وابعاد العناصر المسيسة منها بالاحزاب والميليشيات
الموالية لايران وبناء قوات مسلحة وطنية تخدم العراق وشعبه
وتستطيع الوقوف بوجه ايران.
ومن الله العون والتوفيق
المصدر :
دار بابل
|