أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

الخطاب الفكري  الأخر للإمام المجاهد السيد البغدادي

 ( المتوفى  1392هـ )

21 حلقة مستلة من الموسوعة الإسلامية الكبرى : ( التحصيل في أوقات التعطيل )

وسوف تقرأ عما قريب ــ إنشاء الله تعالى ــ  هذه الدورة الكاملة

                                                    

الحـلقة الثانية 

 

ــ7-

قال بعض العارفين من علمائنا المعاصرين :

لقد وقفت اليوم موقفاً عظيماً لازلت لأجله مفكراً ، بل مهتماً متأثراً .. وكيف لا أكون كذلك ؟.. وأرى أمرين بين مواقف لا أنفك عن أحدهما.. فإن دعوت إلى نفسي خاطرت عليها من محاذير في ديني ودنياي .. وأن دعوت إلى غيري فكذلك .. وان اجتنبت هذا وذاك كنت مبتلى بالرؤساء واتباعهم مسحوقا لهم من جهات ، وربما تضرني في ديني .

قلت : هكذا ينبغي أن يكون موقف الديني الكامل ، ولا سيما الذي يؤخذ عنه ، ويقتدى به .

ولكن .. شاع في زماننا الإهمال !!.. فترى تارة من يدعو إلى نفسه مع اختلال شرائط دعوته في نفسه وغيره ووقته ، وهكذا .. مما لا يحصى كثرة .. واخرى من يدعو إلى غيره مع انتقاء أهليته لها ، بل وسقوط صاحبها ، بل وهناك لا يلتفت إليها ، فهو : كالدابة المرسلة المنقادة لأحقر مرعى .. وثالثاً : من يعتزل الامرين متجاهراً ، أو مقابلاً مع ما فيه من المحاذير .

فالواجب هو : بذل تمام الجهد في حفظ أمرك فيما يتعلق بنفسك وغيرها ، فلا تتسارع إلى أمر لا تعلمه ، أو يجر فساداً عظيماً تكون مسؤولاً عنه في آخرتك ، أو مبتلى به في دنياك .

ــ 8ــ

لقد قامت الادلة القاطعة ، ولا سيما الوجدان على استحالة حصول رضا الناس كافة عن شخص واحد ، هذا مع بداهة اختلافهم من جهات شتى .. فبان من هذا أن طلب رضاهم من أوضح الامور المستحيلة .. فلا وجه للتكليف الديني ، ولا سيما الداعية به ، بل هو أكبر المكائد القاضية على الدين وأهله، لاستلزامه المحاذير الخارجة عن حد الإحصاء مع اقتناعه في نفسه .

وكيف كان ؟.. فهذا مع كمال وضوح فساده، قد التبس على بعضهم الامور .. فالواجب هو الاخذ بالميزان المطابق للعقل والشرع .

 

ــ9ــ

أيها الإنسان أنت مبتلى بنفسك من جهات شتى لا تخفى !.. ومع ذلك فلا ريب لابتلائك بأفراد قاصرين مضيفين إلى نقائصك نقائص .. وآخرين بخلافهم.. ملتفتين ومصرين على قذفك ورميك بما أنت بريء منه .

إذا عرفت هذا لزمك الاحتياط التام للامر الذي تدخل فيه ، أن تكون بصفة ممتازة بالكمال وليد ، ونحوهما .. متوجهاً إلى نفسك مشغولاً بها، متحذراً من غيرك ، متأملاً ومتأنياً في أمرك ، واحذر أن تكون متكلفاً، فان ذلك من أكبر مسقطاتك، والله الموفق .

 

ــ 10ــ

كيف يمكنك أن تنهض بأمة قاصرة أفهامها ، غير مستقيمة على مبادئها ، ساقطة في أطماعها ، شحيحة نفوسها ، ضيقة صدورها ، معيبة من جميع جهاتها ، لا زالت في أمورها مختلفة ، وفي أعمالها متخاذلة !!..

إذا عرفت هذا .. بآن لك فساد الاعتماد على هؤلاء في كل أمر ، فإذا دخلت في أمر كبير ، فاستعن بالله أولاً ، ثم كل ما تقوى به .

هذا .. وقد ثبت الاغترار بالناقصين كثيراً ، بل وثبت إلجاء الكاملين إليهم .. حتى إذا بان الاختلال أصغيت إلى الكاملين دونهم ،

وهذا شيء واقع كثيرا ، فتتبع الوقائع الواقعة من هذا القبيل فانه اكبر نافع في التدبير والمعرفة .

 

ــ 11 ــ

الله تعالى معتمدي في كل شيء ، فلا يليق بالمؤمن العاقل اعتماده على نفسه لقصورها من جهات شتى .. فضلاً عن تقصيرها وإهمالها .. ولذلك لا يحسن الاعتماد على غيره ، إذ لا يخلو عن قاصر، أو غافل، أو ناصب، أو مخالف له في نظره ، وهكذا ... بل لو فكر الإنسان ، والتفت اقل التفات ، لوجد المال والجاه، ونحوهما .. مما لا يحسن الاتكال عليه ، بل ربما تجر وبالاً عليه ، بل لو حصلت تماماً لاستحال أن يحكم بأنها دافعة للعروض الواردة عليه .

إذا عرفت هذا .. لزمك الانقطاع اليه تعالى في كل شيء .. نعم غاية ما يلزم العاقل أن لا يكون مهملاً لما هو وظيفته من طاعة وتهيئة معاش ، ونحوهما .. بقدر طاقته ، وعلى كل حال فهو تعالى ملجؤه ومسدده ، وبه التوفيق والاستعانة .

 

ــ 12ــ

أيها المؤمن إذا ابتليت بأمر مهم في دينك ودنياك .. فافزع إلى الله تعالى ، وعليك بتجديد التوبة ، ومداومة الاستغفار ، والمواظبة على صلاة الليل ، والتضرع، والخشوع، والابتهال ، وقراءة القرآن ، وسائر الاذكار .

ولقد شهدت التجربة القاطعة بالنجاح لمن عمل هذه الاعمال .. حتى نقل ذلك عن العارفين ، وعد من كراماتهم ، واعتمده جميع الصالحين في مهماتهم.

بل هذا المقام اكبر مقام ثابت .. حتى توارت به السنة وأخبارهم (ع)، ففي هذا إتمام الغنى عن كل شيء سواه تعالى .

بل تتولد من ذلك الثمرات المهمة الكبيرة .. كحسن التوكل عليه، وتمام الانقطاع إليه ، ونحوهما .

 

ــ 13ــ

المؤمن في كل لحظة ، وفي كل آن، ممتحن أشد امتحان .. فتارة : من نفسه ، فهي تجاذبه إلى أهوائه ، وتدعو إلى شهواتها ، وهو آخذ ردعها ، وتحفظه منها .. وأخرى: في إخوانه يطلبون المراتب العالية ، فكلما حاز مرتبة طلبوا منه أخرى ، حتى يموت كذلك لا يحكم له بالتمام أصلاً .. وثالثة: من كافة القاصرين والفاسدين على اختلاف أقسامهم المشار إليها في كتابنا ، فكلما أجرى مجاملة مع فرد منهم ضويق بأخرى على ضدها مع آخر، وهكذا .. لازال منهم في مكابدات باهضة ، ومشاق عظيمة .

وبهذا تعرف أن المؤمن لازال منغصاً وممتحناً، ونحوها.. ومن كان كذلك ، كيف يمكن الحكم بالراحة ، أو يتفرغ لأمر لا يعنيه ، بل كلما ازداد ابتلاء وامتحاناً .. الا ترى شدة ابتلاء الزعيم الديني قديماً وحديثاً .

هذا هو البلاء المستند إلى الخلق ، فضلاً عن غيره ، نسأله تعالى العافية، وعلى كل حال .

وبهذا ظهر لك وجه الحديث : ((الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر)) هذا أحد معانيه .

ــ 14ــ

المؤمن في زماننا في أكبر محنة واعظم شدة ، فلا محال أنه واقع بين محاذير متناقضة لا يمكن التخلص منها .. ألا ترى انه لو جامل الفساق رمي بالتهاون في الدين تارة .. واخذ منه الامضاء والتقرير أخرى .. وقذف بالاغراء والتغرير ثالثة ..

ولو اجتنبهم ، أو شدد عليهم خاطر من شرهم تارة .. ورمي بالجمود والاعوجاج أخرى .. ونسب اليه كل نقص وقبيح ثالثة .. ولازال مبتلى بهذين المقامين على كثرة أقسامها ، هذا مع ان كثيراً من الناس اليوم على طرفي افراط، أو تفريط فيهما .

فكيف يمكن الحكم بنجاته منهم ؟!.. فلا شك في سقوط كلماتهم الباطلة في حقه ، كما لا ريب في لزوم أخذ الحزم والاحتياط في عمله ، وبهذا ظهر لك ابتلاء الدعاة الدينيين اليوم !..

 

ــ 15ــ

قد أفاض على الإنسان فأوجده بعد أن لم يكن ، ثم امتحنه اهتماماً لأمره ، وإصلاحاً لشأنه .. فتارة بالتكليف ، واخرى: بتوجيه الواردات الشاقة عليه ، فكان إيجاده تعالى إياه فيضاً عليه ، وامتحانه بعد فيضاً آخر .. فالعاقل البصير إذا نظر إلى نفسه وجدها ممتحنة على كل حال ، فهنا يلزم أمور :

الاول : الصبر على ما امتحنه تعالى به .

الثاني : الانقطاع إليه تعالى في كل شيء .

الثالث : أن لا يجر إلى نفسه ما يوجب زيادة محنته بسوء اختياره، وأنت كلما نظرت في هذه الجملة كنت على خير كثير .

إذا عرفت هذا .. فلتعلم أن كلا من إفاضته تعالى على العبد، وابتلائه غير مختصر بالمؤمن ، بل يعم غيره ، وهذا لا ينافي ما قلناه من ابتلاء المؤمن .

وبالجملة الإنسان هو إنسان لا ينفك من البلاء ، باعتبار إيمانه وكفره يختلف ابتلاءه .

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©