أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

الخطاب الفكري  الاخر للإمام المجاهد السيد البغدادي ( المتوفى  1392هـ )

 

21 حلقة مستلة من الموسوعة الإسلامية الكبرى : ( التحصيل في أوقات التعطيل )

وسوف تقرأ عما قريب ــ إنشاء الله تعالى ــ  هذه الدورة الكاملة

 

الحـلقة الثالثة

ــ 16ــ

الاعتقاد بالله واليوم الاخر أكبر سلوة للمبتلى .. بداهة رجاؤه كشف بلواه عاجلاً ، أو تعويضه عنها آجلاً ، بل ذلك اكبر رادع للمعافى المغرور فأنه يخشى زوال نعمته ، أو عقابه على معصيته .

 

ــ17ــ

الإنسان مبتلى دائما بكل من الملائم والمنافر ، وهو لا محال لا ينفك عن الحركة لاجلها، فإذا كانت حركته نحو المشروع منها كان كذلك، بل ربما جرته إلى عدة فضائل ، والا كانت غير مشروعة ، بل ربما جرته إلى عدة رذائل .. ولنضرب ذلك مثلاً يكون منهاجاً نافعاً كافياً عن الاطناب والتطويل وذلك : نحو من قاوم الفقر بكل ما أمكنه مما كان مشروعا ، بل ربما قاومه بالزهد والقناعة ونحوهما، وهذا بخلاف آخر ممن جره هذا الموقف إلى ارتكاب الرذائل كالكذب ، والسرقة ، ونحوهما .. بل إلى ما هو أسوء، كالدياثة، والقيادة !!..

 

ــ 18ــ

لا ريب من توارد كل من العافية والبلوى على اختلاف أقسامها عليك .. فلتكن معتبراً على كل حال ، وإياك والاقتصار على النظر في حالة الحاضر ، فأن البلوى توجب يأساً وقنوطا ، والعافية توجب بطرا وغروراً ، فيا عجباه ممن قصر نظره عليها ، ولم يلتفت إلى الحالة السالفة ، وهذا وصف الناقصين والمهملين ، فعليك بتجويز الانقلاب والتغيير في كل آن ، كما كان الامر كذلك في سالف الزمان ، فإذا قررت هذا على نفسك أفادك فوائد شتى ، والله الموفق.

 

ــ 19ــ

يا ولدي أنت في بلاء واقع ، أو بلاء متوقع .. والعافية منهما بمنه تعالى .. هو الذي أوقفك هذا الموقف الشديد كان ذلك منه فضلاً وإحساناً ولطفاً وامتناناً كي يحصل لك الاقبال عليه ، والتوجه إليه ، وهكذا أنت في نعمة موجودة ، وأخرى مأمولة .. فأنت في حفظها ومضاعفاتها واستمرارها ملجأ إليه تعالى ، فهذا هو الموقف يوجب لك دوامها وكثرتها وحفظها ، فلا بد لك من شكره تعالى عليها .

وعلى الاجمال إنك لو نظرت فيما كتبناه هنا نظرا دقيقاً، استفدت منه فوائد شتى، فعليك بالاهتمام لأمرك ، وتوجه لربك، نسأله تعالى التوفيق على كل حال .

 

ــ 20 ــ

يا ولدي أنت بين أمرين متقابلين اختباراً وامتحاناً .. فان أخذت بأمر ابتليت بما يلزمه، وبما يترتب عليه .. وان عدلت عنه ابتليت بما يلزمه، وما يترتب عليه .

ولنوضح ذلك بأمثلة :

منها : من يتكلف الرئاسة، وقع في مشاقها ، وإن أعرض عنها، وقع في الخمول وآفاته .

ومنها : من اقتصر معاشه على الحلال عليه الامر ، وإن توسع في طلبه وقع في مشاقة .

ومنها : من أعرض عن لدنيا ، وانصرف عنها تخلصاً من محاذيرها، فاته الجل إن لم يكن الكل من أمرها ، ومن أقبل عليها وقع في محاذير طلبها، وما يترتب عليها ، ومن تجمل ضويق بوظائف الغنى ، ومن تبذل حقر .

ومنها : من أظهر له عذرا ضايقه من لا عذر له بمثله .. وأنت لو نظرت هنا عرفت شدة موقفك .. بداهة شدة ابتلاء ذوي الاعذار بالمضايقات الشديدة ممن لا قدر له .. كان بين إسقاط عذرك الصحيح ، وبين ترويج العذر الباطل.. كلاهما ضرر عليك .

ومنها : انك مع حيازة النعمة ابتليت بالحسد والبغي ، ومع فوتها ابتليت بالاستهانة .. هذا موقفك لا تحل من أحد  أمرين على الغالب الشائع، نعم يمكن التخلف ، ولكنه نادر بالاضافة إليه .

فان قلت : لم كان الامر كذلك ؟..

قلت : قد جعل الله تعالى امتحاناً واختباراً ، فعليك بما يرضيه فعلاً وتركاً هنا .

واعلم أن المتعارف عند أهل الدنيا هو دخولهم في مقاصدهم ، كما هو شائع عندهم المألوف لديهم ، وان كان التخلف ممكنا ، ولكنهم لا يعتنون به أصلاً .. أما أهل الدين ، فكانت طريقتهم على خلافهم .

ومن هنا .. كان الحرمان غالباً عليهم .. نعم ربما نجحوا في مقاصدهم ، ولكنه نادر .

والخلاصة أن أهل الدنيا ولو نجحوا في أصل طريقتهم .. إلا أنها لم تكن منتجة دائما ، وإنما كانت منتجة غالباً ، وأهل الدين وإن خالفوها في اختيار طريقتهم مراعاة لدينهم .. الا انه لم تكن طريقتهم عقيمة دائما ، بل ربما أنتجبت مقاصدهم ، وان كانت نادرة .. وعلى كل حال فأنت واقف موقف الاختبار والامتحان، والله الموفق وعليه الاتكال .

 

ــ 21 ــ

يا ولدي يجب أن تعتبر نفسك في كل آن مبتلى تارة ، ومعافى أخرى ، ولتكن أخذاً بما يلزمك من وظيفة البلوى والعافية ، بل لا يمكن انفكاك إحداهما عن الاخرى .

وبيان ذلك : هو أنك مكلف بالتكاليف الشرعية ، وما هو إلا من أوضح أقسام البلوى ، بل لو نظرت إلى ابتلائك بالعباد وعوارض الزمان  لرأيت انك مبتلى بالضرورة بما يشق عليك ، كالمرض والعداوة ونحوهما .. لكن هذه البلوى التي ابتليت بها ، وان كانت شاقة لا يمكنك في حالها أن تحكم لنفسك بالعافية من أخرى .. فتحقيق من ذلك أنك مبتلى لا محال ، فلا يحسن منك الاغترار بمن لا يراك كذلك جهلاً وجحوداً ، كما لا يحسن منك الاغترار بعافيتك .

والحاصل : ليس الإنسان الا محالا للوظائف العقلية، والشرعية، والاخلاقية .. بل لا إشكال في كونه محلاً للعوارض الخارجية، كتبنا لك هذا لتكن حازماً متيقظاً ، والله الموفق والمستعان .

 

ـــ 22ــ

لا ريب في ابتلاء الإنسان بالقصور، والنقصان، والغفلة، والخطأ، والنسيان .. وكلما ازداد المرء كمالاً احمل ذلك في حقه احتمالاً قريباً ، فكان ذلك أكبر حاجز عن إصراره على مطالبه ، وإعطائه تمام التروي لكل أمر في عواقبه .. فمرة تراه واقفاً متردداً .. واخرى تراه حازماً محتاطاً .

فان قلت : لا ريب في حصول القطع له في جملة منها ؟..

قلت :

 أولاً : نحن لا نضايق من كان قاطعاً .

وثانياً : كثيرا ما ينكشف أشباهه في قطعه .

وثالثاً : من أين يحصل القطع دائماً ، أو كثير مع احتفاف أمره بما لا يحيط به ، ولا يعلمه الا الله تعالى .

فكم غني أمسى فقيراً .. وبالعكس ؟!..

وكم من تاجر ربحت فيها ، وخسرت في الاخرة ؟!..

وكم من مريض عوفي ، وكان ميؤوساً ؟!..

وكم صحيح عرض عليه ما لم يكن يحتمله ؟!..

وهكذا .. ما لا يحصى .. نعم منشأ هذا الامر تسويل النفس ودواعيها ، فتذهب بذلك إلى خلاف الحقيقة ، والغرض من هذا هو أن النفس انتفاء عصمتك اكبر سبب موجب لتوجيهك اليه تعالى ، وتوكلك عليه .

 

ــ 23ــ

الإنسان بما هو إنسان في غاية الابتلاء، ونهاية الامتحان، وذلك من جهة اخلاقه وعاداته ، بل ومن جهة العوارض العارضة عليه .. كالمرض، والفقر، والعداوة إلى ما لا يحصى، بل مجرد ارتباط النفس بالجسد اكبر موجب لابتلائه وامتحانه كما برهن عليه في محله، وقد شد عليه الامر بسبب ايمانه وكفره .

فان قلت : قد ذكرت في عدة مواضع من الكتاب اختصاص المؤمن بذلك، فما وجه هذا التعميم ؟!..

قلت :

أولاً : البلاء الوارد على المؤمن غالبا لم يكن مسبباً عن سوء اختياره، بل ربما يكون فيضاً منه تعالى عليه، وهذا بخلاف الكافر .

وثانياً : الغالب هو شيوع ابتلاء المؤمن، وهذا بخلاف الكافر، فان الغالب هو شيوع عافيته للاستدراج ونحوه .. نعم رب كافر أعظم بلاء من المؤمن، ولكنه نادر .

 

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©