|
الخطاب الفكري
الاخر
للإمام المجاهد السيد البغدادي
(
المتوفى
1392هـ
)
الحـلقة الأولى
21
حلقة مستلة من الموسوعة الاسلامية الكبرى
: (
التحصيل في اوقات التعطيل
)
وسوف تقرأ عما قريب ــ انشاء الله تعالى
ــ
هذه الدورة الكاملة
ــ
1
ــ
اجتمع عارف بآخر ، فتذاكر أمر الدين،
والاخرة
..
فقال
:
أحدهما لصاحبه
..
حين انتهاء مجلسهما
:
أرجو أن يكون مجلسنا هذا مقبولاً عنده تعالى
..
فقال له صاحبه
:
اني أخشى أن يكون ذلك أكبر ضربة علينا
!!..
فكيف يكون مقبولاً لديه تعالى
..
فلعل اجتماعنا في تزين أحدنا لصاحبه
بالكلمات الظاهرة ، والنيات الباطلة على خلافها ، وانت إذا
لاحظت أحوال العارفين وجدت فيها ما هو أعظم منها ، فلتكن
ملتفتاً وتبصر
.
ــ
2
ــ
حضر بعض العارفين بعض المحافل العامة
..
فاخذ في الارشاد قائلاً
:
اختلفت الناس في تحصيل معاشهم
..
فتاجر يعيش بتجارته ، ومتوقع سائل وسيلته مد يده إلى غيره ،
وكاسب حقير في كسبه ، ومتظاهر بالدين اتخذ الديانة ذريعة لأمره
، وديوث يعيش بدياثته ، وظالم همه امتصاص دماء العباد ، وهكذا
...
وكل من اختار سبباً لمعاشه غير مضايق لاختياره
.
ولكن
..
الواجب هو النظر في سببه
..
هل هو صحيح مشروع ، أم لا ؟..
وهل هو شاق ، أم لا ؟..
وهل هو حقير ، أم لا ؟..
ثم بعد انتهاء إرشاده قال
:
أصبحت في أحسن عيش ، ولم أكن تحملت مشاق
الكسب ، ولا لي من المال ما به الكفاية ، ولا دخلت مدخلاً
محرماً ، أو ساقطاً ، أو نحوهما
..
فأذعن له بذلك جميع من حضر
.
قلت لا ريب في تواتر الادلة كتاباً وسنة
على أنه تعالى متكفل بالارزاق ، ولا سيما لو كان للعبد موجب
ومؤكد كالكرم والضيافة ونحوهما
..
فكيف بالتقوى ، وعلم الدين ، فانهما من اكبر أسباب الفيض
والارتزاق ، وقد شاهدنا ذلك مشاهدة لا تنكر
..
نعم نحن لا ننكر التخلف في الجملة ،
ولكن تكلمنا عليه فراجع
.
ــ
3
ــ
العرفاء هم الذين فحصوا عن رذائل أنفسهم فنبذوها ، وتتبعوا
الفضائل فأخذوها
..
فاستنارت لهم عقولهم ، واتسعت بذلك معارفهم
..
حتى عرفوا من الناس صفاتهم ما جهلوه، واطلعوا على جملة من
سرائرهم ، وما انطوت عليه ، بل افتضح لديهم جملة من الخواص وهم
لا يشعرون بأسباب فضيحتهم جهلاً وغروراً
..
وهذا أحد وجوه اجتنابهم ترويجا وتوثيقاً
..
فيا عجباه
!!..
من جاهل العصر جاز لهم مضايقتهم ، وقد أخذ العرفاء تمام الحزم
في تخلصهم منهم
..
فإياك أيها الجاهل أن تبادر إلى إنقاصهم ، وإلغاء الاعتناء بهم
، واعجب شيء تشبه بعض الناقصين بهم ، فاجتنب توثيق الثقاة ،
وترويج العلماء ، فانه من وساوس ، ودسائس الشيطان
..
نسأله تعالى حسن التوفيق على كل حال
.
ــ
4
ــ
قال بعض العارفين المراقبين فكرت ليلة
من الليالي في أمري ، فوجدت نفسي على جانب عظيم من المعارف
الالهية والاخلاقية ، كما إني نظرت إلى نعمها ، فوجدتها لا
تحصى ، ثم نظرت بعد ذلك اليها ، فرأيتها على خطر عظيم في
معارفها ونعمها ، ففرضت لها معارف ونعما أخرى تسكيناً لها من
خطرها وخوفاً
..
فإذا هي لا تسكن أبداً فتأملتها
..
فإذا هي كأنها معلقة في الهواء بين الارض والسماء في تمام
المحنة ، وأشد البلاء عاجلاً أو آجلاً لا تحصل لها القرار
والراحة
..
الا بالموت المقرون بالعاقبة الحسنة،
اللهم وفقني لها
.
قلت
:
من كان موقفه كذلك
..
توفرت نعمه ، وتضاعفت معارفه، وواظب على جهاد نفسه ، وتجرد
لخدمة ربه ، بل أدى به موقفه إلى تقوية اليقين ، ونيل أعلى
مراتب المؤمنين
..
فكيف لا يحصل التوكل عليه، والانقطاع إليه ؟..
اجعلني كذلك ، وانت أرحم الراحمين
.
ــ
5
ــ
قيل لعارف اعتزل أهل زمانه
..
ما هذا الاعتزال ؟!..
فقال
:
لو صرحت بأسبابه لكنت لنفسي منزها ، ولغيري قاذفاً
..
وقيل
له أيضا في ذلك
!!..
فقال
:
لو أظهرت الامر
..
لكنت شاكياً خالقي إلى مخلوقه ، أو كان
شامتاً بي عدوي
.
ــ
6ــ
كان لنا أخ من المؤمنين صالحاً عارفاً
ممتازاً في معارفه مسدداً في أعماله، وأفعاله كافة
..
قد أوقفنا على مسائل مهمة ، واستفدنا منه فوائد جمة في
معارفنا، ونصائحنا ، وهكذا
...
مع أنه لم يكن من ذوي التجارب ، ولا من ذوي الافهام العالية ،
فعلمنا بذلك أن المنشأ الوحيد في حيازته مراتب الكمال هو
:
صلابة إيمانه ، وشدة صلاحه
.
وبهذا
..
ظهر لك أن للايمان والصلاح أثراً عظيما
في التوفيق والوصول إلى غايات عالية من المعارف
.
ولكن
..
شاع في زماننا إهمال الايمان، والصلاح من بعض الناس متخيلاً
انهما من أكبر الاسباب القاضية على المعارف ، وهذا عين الجهل
.
|