|
المجلس والدعوة ، وتحولات الصراع
لم تنه وفاة محمد باقر الحكيم الصراع التاريخي بين حزب الدعوة
والمجلس الاعلى ، الحكيم الذي كان ابلغ حزب الدعوة رسميا في
ايران ، بأن مجلسه وحزب الدعوة خطان متوازيان لايلتقيان ،
وكانت المناسبة توسط بعض الاطراف عند الحكيم لتخفيف الضغط على
اعضاء الدعوة الهاربين الى ايران !
ومع ان الحكيم ركب مركب الدعوة واستفاد من شعبية هذا الحزب ،
فأنه تنصل منه وكان يردد ان له ـ أي الحكيم ـ منهجا وخطا خاصا
خارج المنهج الحركي الشيعي الذي بناه قادة حزب الدعوة ، وفضلا
على ذلك فأن التعاون الايراني مع الحكيم في استهداف الدعوة وصل
الى حد التنسيق لشق صفوف الحزب من داخله وتجريده من قوته التي
بنيت في الاساس لقتل الجنود العراقيين والاسهام في الجهد
العسكري الايراني ضد العراق في الثمانينات !
الصراع اليوم يأخذ
بالطبع منحى اخر ، كون الطرفين شركاء في قائمة انتخابية واحدة
، وشركاء في الهيمنة على مقادير الدولة العراقية ، ومواردها
ودماء ابنائها ايضا .. لكن الملك عقيم والشراكة في السلطة
الواحدة ممتنعة ، وتتصادم المشاريع حتما بعد فراغ الشركاء من
استهداف المقاومة ضد الاحتلال بأوجهها المختلفة .
ويمكن القول ان الصراع بين الطرفين لم ينقطع يوما ، حتى وهما
يبنيان قائمة الائتلاف ، التي صممها نجل السيستاني من جانب ،
واحمد الجلبي من جانب اخر ، ولم ينقطع وهما يتسابقان لازاحة
التيار الصدري او كسبه الى القائمة ، لكن المتغيرات التي
انتجها تشرذم القائمة وضعفها بخروج الفضيلة والتيار الصدري
وجماعة " ابراهيم الجعفري " وظهور بوادر تأسيس خط يعتبر نفسه
مستقلا داخل القائمة ، كما ان فشل محاولات الطرفين تأجيل
انتخابات مجالس المحافظات ، وضعهما امام مجال ضيق للمناورة في
الانتخابات القادمة ، كل ذلك ومتطلبات السيد الامريكي التي
لاتراعي في احيان كثيرة ما تتسببه من حرج للحكومة وللقائمة ،
جعل الصراع يخرج الى العلن .
المالكي الذي قطع
الحبال مع التيار الصدري ، اصطدم مع عدوه التاريخي المجلس
الاعلى في محافظات الوسط والجنوب ، فيما كان حزبه يؤسس لنفسه
قاعدة جماهيرية بأستخدام موارد الحكومة واموالها ، وكانت تجربة
( مجالس الاسناد العشائرية ) البديل الموضوعي لمليشيات المجلس
الاعلى في تلك المحافظات ، مع ازدياد ضعف حزب الدعوة
بأنشقاقاته المتكررة ، وأضطراره لتنفيذ سياسات امريكية صارخة
في البلاد .
ولابد هنا من الاقرار ان الدعوة نجح في خطته العشائرية مع
تراجع نفوذ المجلس الاعلى على العشائر والمجتمع العشائري في
المحافظات التي يسيطر عليها بالفعل عن طريق مليشياته الظاهرة ،
او التي احتلت مواقع متقدمة في مجالس المحافظات وفي وحدات
الجيش والشرطة المسيطرة على الامن هناك ، وهي مفارقة ذات دلالة
، يحاول المجلس معالجتها منذ دخل مع الاحتلال الى العراق ،
لكنه لم ينجح في تجاوزها : سلطته الباطشة مع ضعف قاعدته
الاجتماعية ، حتى بدا مثل اقلية تهيمن على مقاليد الامور في
وسط معــارض مختلف .
هادي العامري المعروف
بدهائه الشديد وبأنتقاء الفاظه بعناية ، صرح بقوله : " ان
تشكيل الحكومة العراقية لمجالس الاسناد من دون تنسيق مع
الحكومات المحلية ، غير دستوري ولا قانوني " لأن " الدستور
العراقي ينص على ان الحكومات المحلية هي المسؤولة الملف الامني
في المحافظات " .
فيرد عليه حيدر العبادي القيادي في حزب الدعوة جناح المالكي ،
بقوله ان " المجلس يريد ان يدير المحافظات التي يسيطر عليها
وحده ، خارج سلطة الدولة العراقية ، ويتهم المجلس بقوله :
هؤلاء لايريدون للدولة العراقية ، ان تكون قوية ، ولايريدون
للمليشيات التي مازال البعض منها يخترق القوات المسلحة ان
تجتثها الحكومة " ، وبالطبع فان العبادي لايريد بالمليشيات هنا
، جيش المهدي ، بل منظمة بدر بالتحديد وهو تطور لافت في علاقة
الطرفين .
والمالكي الذي كان لحزبه
دور مخالف لدور المجلس الاعلى في تمرير المادة ( 140 ) من
قانون مجالس المحافظات ، اذ ساعد التصويت السري على انحياز
اعضاء غير قليلين في حزب الدعوة على احباط المشروع الكردي ،
يغمز في قناة المجلس ومن طموحاته الفيدرالية ، عندما يخاطب
الاكراد بقوله " لايمكن للدولة ان تقوم من دون السلطة المركزية
، وان الشراكة السياسية لاتعني وضع فيتو يوضع من طــرف ضد
طــــرف اخر " !
مضيفا ان " الفدرالية
لايمكن ان تكون بديلا عن الدولة " وهو تطور لافت اخر في الموقف
من الطموحات التقسيمية للمجلس ، والتي تنتظر حسم موضوع الاكراد
وكركوك ، لتعلن عن نفسها بقوة وعنف .
اختلافات المنهج بين الطرفين ، انما هو في من يمسك السلطة
الحقيقية ، ووجود الطرفين في صيغة التحالف الرباعي ، هو وجود
شكلي لا يقدم حقيقة قوة كل منهما او مجال نفوذه ، ولايمكن ان
يمنع الصدام المحتمل في المستقبل ، والملفات التي كان يجري
تعليقها او تأجيلها ، سوف تفتح مرة واحدة ، اتساع المعركة
الانتخابية ،
ـ وربما قبلها ان جرى تأجيل تلك الانتخابات ـ وللتهيؤ لذلك ،
فأن حزب الدعوة يلعب لعبة التحرك على التيار الصدري لكسب بعض
قياداته ، حتى وان كانت قيادات منشقة . برغم الضربات القوية
التي وجهها الامريكان وحكومة المالكي لعصابات جيش المهدي ،
ويلاحظ ان ردود الفعل على محاولات الدعوة للتقارب الحذر مع
الصدريين ، ليست قاسية ولا تسد الطريق تماما على ( الدعوجية )
، فاللغة التي يستخدمها صلاح العبيدي المتحدث بأسم التيار
الصدري ، لغة مائعة ، خلاف المعتاد من لغة الصدريين ، يقول
العبيدي : " لاتزال المسافة بيننا وبين الائتلاف ليست قريبة "
ومع ذلك يضيف " ان انهاء الخلاف بين الطرفين ليس سهلا ويحتاج
للعلاج وازالة قيود كثيرة " لكنه بالطبع ليس مستحيلا والتيار
الصدري يحاول المناورة بالاستفادة من الخلافات بين المجلس
والدعوة ، والتي ظهرت للعلن وبنحو لا لبس فيه .
أما الثمن الذي يطلبه
التيار الصدري لقاء تعاونه مع الحكومة وحزب الدعوة ، فهو ثمن
ممكن الدفع ، خصوصا وان الامريكان لايمانعون من بروز قوة صدرية
جديدة تنفعهم في سياستهم التي تقول ان الصدريين ليسوا هدفا
للابعاد ، بل المجاميع الخاصة المنشقة عن جيش المهدي .
وفي جميع الاحوال فأن
الانتخابات ـ انتخابات مجالس المحافظات ـ سوف تكون فرصة كبرى
للفرز ، وتحديد القوى الفاعلة في الحكومة القادمة ، بالتعاون
مع المحتلين ، لكن هذه النتيجة الميكانيكية ليست بمنأى عن
مفاجأت محتملة ، ويومها سيكون لكل حادث حديث .
نعمان
الجبوري
|