|
المقاومة إلى أين؟
الحلقة:الأولى
إنهم ينهون المقاومة
مفهوماً ومشروعاً
أ.غياث الدين العزاوي
أية
قوى تتوافق اليوم على إنهاء
المقاومة مفهوماً ومشروعاً؟
وقد يكون الأسبق سؤالا ليس بريئاً يبحث في أسباب التحول الذي
أصاب اتجاهات المقاومة نفسها باثاً القلق حول أسباب وجودها!
مقاومة حتى التحرير أم مقاومة حتى المساومة!.
أما المقاومة التي نعنيها فهي المقاومة التي انبثقت في بلادنا
العربية حيثما حل الاستعمار والغزو والاحتلال، أي المقاومة في
فلسطين ولبنان والعراق والصومال، والتي مجرد تعدادها يوحي أن
حصة كبيرة في مشروع التحريرباتت حتمية وقريبة جدا !
البدء من النتائج
لعلها مناسبة سعيدة جداً تلك التي تحدث فيها السيد حسن نصر
الله في ذكرى التحرير، وقد ثبت خلفه شعاراً يقول:1948 عام
النكبة، 2000 عام التحرير.
يوحي الشعار أن التحرير أنجز وان المقاومة في لبنان أكملت
المهمة على أتم وجه، معززة انتصارها بعرس تبادل الأسرى
الأحياء، وجثامين الشهداء...
على مستوى القراءة السياسية النمطية ، ندرك أن ملف المقاومة في
لبنان وصل إلى مرحلة الإغلاق، وما يجري اليوم من أحاديث حول
سلاح المقاومة إنما هي مجرد تسويات أخيرة لا تسيء إلى مشهد
النصر.
إذن هو عرس التحرير اللبناني، المعزول جغرافياً وسياسياً عن
مأزق المقاومة بين غزة والضفة، بانتظار أن تحتفل فلسطين بعرس
نصرها على قاعدة التسوية بين دولتين لم تحدد حدودها بعد، رغم
أن الحد الفاصل بين حماس و"السلطة الفلسطينية" واضح جداً.
وفي العراق ما زال عرس التحرير غير واضح المعالم، والصراع
الخفي حول من سيقطف ثمار ركوب المقاومة، يشي به الحراك السياسي
الداخلي والحراك الإقليمي، في ثقله الضاغط على إرادة المقاومة
العراقية وأدائها.
السؤال الأسبق:
بالعودة إلى السؤال الأسبق الذي يبحث في أسباب تحول بنية
المقاومة واتجاهاتها بما يقلق مشروع التحرير في منطلقاته التي
أنتجتها الضرورة التاريخية وشروط الانبثاق الموضوعية، على
ثنائية:( الاحتلال إذن فالمقاومة حتى التحرير)، نجد خلال عقود
المقاومة الفلسطينية بين فلسطين ولبنان ثم انبثاق المقاومة
اللبنانية حدوث تحول في اتجاهاتها، على مستويين، المستوى الأول
الذي يخضع للمصالح الدولية في تحويل الصهيونية من حركة عنصرية
استعمارية إلى حالة أمر واقع وتبني قيام دولتين على قاعدة
تسوية لم تنجز خرائطها بعد. اذ قاد المرحوم ابو عمار اتجاهاً
للتسوية دفع حياته ثمن شروطه المرفوضة. ثم تابع فريق فلسطيني
بعده مسعى التسوية بشروط تتماهى مع الكيان الصهيوني ومصالح
القوى الامبريالية العالمية التي سخرت النظام العربي بعد كامب
ديفيد لسياستها في عزل المقاومة عن عمقها القومي من جهة، وعزل
عملية التسوية عن مسارات "عربية متلازمة" ..
أما المستوى الثاني يؤشر تحول المقاومة عن منطلقاتها في
المشروع القومي التحرري على قاعدة الاستحقاق التاريخي، إلى
مقاومات عقائدية "إسلامية" ليس لها حاضنة عربية في عمقها
القومي، بينما الحاضنة الإسلامية ترتهن بالدور الإقليمي لإيران
إزاء وحدة وصراع مصالحها مع المشروع الشرق أوسطي المرتهن في
أولوياته بالمصالح الأمريكية في الوطن العربي والمنطقة التي
تتبنى الثقافة الإسلامية فيها مفهوم الجهاد حداً شرعياً وحيث
تدعم إيران مقاومة في العراق على القاعدة الشيعية او المذهبية،
في الوقت الذي تدعم فيه نفوذها داخل الجغرافية العراقية بين
الحكومة والمعارضة، كما ترتهن مقاومات اخرى بالدور الإقليمي
للرباعية العربية التي تتبنى مساراً يتماهى مع المصالح
الأمريكية على قاعدة السنة- العرب اقليماً مقاوماً حتى.... هذا
ما نسعى الى قراءته لاحقاً.
صراع مع العدو ام صراع من اجل المذهب
نجد أن مفهوم المقاومة تاريخياً ارتكز على نوازع تحرير الأرض
والإنسان والثروات كما هو الحال مع المقاومات تاريخيا والتي
أنجزت مشاريعها التحررية ثم خاضت تجاربها في مراحل الاستقلال
بمعنى أن المقاومات التاريخية لم تنغمس في الصراعات المذهبية
أو الطائفية أو العرقية بل وحدتها عقيدة التحريرحول برامج
جبهوية تنطلق من تحرير الأرض-الوطن - الأمة وحرية الإنسان.
شهدت المقاومة الفلسطينية مثل هذا التوافق النضالي رغم تعدد
العقائد السياسية بين منظماتها في الستينات والسبعينات وقد
لوحظ حينها انكماش اصحاب العقائد الدينية والمذهبية عن تشكيل
منظمات قتالية ، بل انكماشها عن التفاعل مع فصائل منظمة
التحريروالاسباب لسنا بصدد استعراضها الان لكنها عمليا كانت
تختلف حول مفهوم الامة بين العقيدة وبين القومية كاستحقاق
تاريخي.
لا نستطيع ان نتبنى بسهولة تلك التوصيفات
السريعة التي تتحدث عن ان فشل الاحزاب العربية القومية او
اليسارية في تحقيق اهداف الشعب العربي بالتحرير والوحدة
والاشتراكية وراء فشل المشروع التحرري بعمقه القومي، كما لا
نستطيع ان نتماهى مع اطروحات اللببرالية الجديدة التي تكرس
رؤية شمولية على قاعدة الديمقراطية خارج مشاريع التحرر الوطني-
القومي التي مازالت
تعيش تحدياتها، و لا نستطيع ايضاً
ان نجد في المد الاسلامي او صحوته مجرد تقليعة "موضة" بعد زوال
تقليعة المد القومي او المد اليساري.
إن الاشكالية ترتبط بأسباب اكثر جوهرية تتعلق بمنحيين اساسيين:
المنحى الاول هو عجز نظام سايكس بيكوالعربي عن تحقيق مفاهيم
الاستقلال والسيادة حتى في حدود دولة سايكس-بيكو كمارسمها
المستعمر.
وعلى قاعدة هذه الاتفاقية(وللخوض في هذه المعضلة لا بد من
افراد صفحات عقولنا لنقد تجارب مشاريع الاستقلال في النظام
العربي) ، لعب هذا المنحى دوراً كبيراً في خلق ظرف موضوعي صارم
لمصادرة مفهوم المقاومة من المقاومة الفلسطينية، مثل تبني
السياسة المصرية لمبدأ الحرب النظامية في مواجهة الكيان
الصهيوني، ورفض مبدأ حرب التحرير الشعبية واغلاق مكاتب
المقاومة في مستهل عام 1970 أي قبل عشية احداث ايلول في الاردن
من ذلك العام ثم انفجار احداث ايلول والتي تفضح إندفاع القوات
العسكرية للجيش الاردني على مواقع المقاومة ومخيماتها وبيئتها
في هجوم منظم ادى الى اشتباكات بين الجيش الاردني والمقاومة
دام مدة عشرة ايام، نتج عنه 50 الف ضحية اغلبهم من المدنيين في
المخيمات، وادى الى هجرة المقاومة الى لبنان بإتفاق سياسي-
امني بين قادة المقاومة والسلطة الاردنية برعاية اللجنة
العربية الرباعية المنبثقة عن الجامعة العربية، ليعلن عن
انتهاء مشروع المقاومة في الاردن حيث يمثل الفلسطينيين فيها
نسبة 70% من تركيبة السكان حينها و 90% في عمان وحدها اغلبهم
من سكان مخيمات اللجوء التي تلت عدواني 1948 و1967 ، ضد الوجود
الفلسطيني فوق ارضه وبأتجاه الكيانات العربية.
واذا ما اصيب المشروع التحرري العربي بنكبتين عام 1948، وعام
1967 ، فإن نكبة المقاومة في ايلول الاسود عام 1970 كانت
النكبة الاكثر ايذاء اذ طالت العمود الفقري للمشروع التحرري
ألا وهو "المقاومة".
وبأنتقال المقاومة الفلسطينية الى لبنان ثم غيابها بعد
الاجتياح الصهيوني عام 1982 وانبثاق مقاومة لبنانية على قاعدة
عقائدية مذهبية فكرياً حيث كان التأسيس لإنبثاقها مواكباً
لقيام النظام الاسلامي الاثني عشري في ايران، وللحرب الاهلية
في لبنان التي تأثرت بوجود المقاومة بكل بنيانها كما تأثرت
فيها.
لسنا هنا الان بصدد رصد تأريخي لدراسة تلك المرحلة، انما بصدد
متابعة لحظة التحول في بنية المقاومة على مستوى البعدين
السياسي والتاريخي، وذلك يعزز مطالبتنا بإعادة دراسة اسباب
تأخر وتلكؤ المشروع التحرري في استحقاقه التاريخي في المنطقة
التي تسمى الوطن العربي وتترابط قضاياها ترابطا عضوياً سواء في
اجندة المشروع التحرري النهضوي او اجندة المشاريع الامبريالية
المهيمنة.
المقاومات بين العراق وفلسطين
إذا ما احتاجت المقاومة الفلسطينية الى عقود من الزمن، وحروب
ضد وجودها بين فلسطين ومصر والاردن ولبنان حتى نلحظ لحظة
التحول في بناها وبزوغ حماس وحركة الجهاد في انتفاضة الارض
كأتجاه ديني في قيادنها، ومع تحول بعض من فتح وحلفاء آخرين
بمعية النظام العربي إلى مشروع التسوية، فإن رصد التحول في
اتجاه المقاومة يقودنا عملياً الى الركون بأن مشروعها توقف عند
حدود تحرير الاراضي الفلسطينية حتى حد 1948 . كما ان الانقسام
العمودي بين فتح(السلطة) في الضفة الغربية وحماس(السلطة) في
غزة وصولاً إلى التمييز الذي تبنته حماس مؤخراً بين المقاومة-
الجهاد وبين الارهاب، يؤشر حدود المقاومة جغرافياً وسياسياً في
ظل الدور الاقليمي لدول المنطقة وعلى رأسها ايران والعامل
الدولي بين امريكا، والاتحاد الاوروبي. ولعلنا بإنتظار عرس
تحرير في غزة والضفة قائم على تبادل شاليط بأسرى فلسطينيين.
اما المقاومة في العراق فإنها بمجرد انبثاقها اشّرت عناوين
اتجاهها وكأن خارطتها على الارض تعكس خارطة تشكيل البنية
السياسية للحركات السياسية التي شكلت مجلس الحكم على المحاصصة
الطائفية والعرقية، وكذلك انعكست هذه البنية على تشكيل الكتل
والجبهات السياسية التي تدعي مشاريعها انها مشاريع وطنية
لإنقاذ العراق.
لا بأس ان نستذكر الفوقية واللاجدّية التي تحدث بها بول بريمر
في كتابه (عامي في العراق) عندما اطلق لنفسه الحق في رسم هوية
العراق الجديد إذ استذكر وهو يتثاءب وقبل ان تهبط طائرته في
بغداد، ان الخارطة السكانية العرقية والمذهبية للعراقيين تتشكل
من 20% من الاكراد، 60% من الشيعة و16% من السنة و 4% متفرقات
(إن صح التعبير) ثم تحدث كيف انه تثاءب قبل ان تهبط به الطائرة
بعد ان قدم لنا احصائيته التي سنفهم لماذا ذكرها بهذا
الاستخفاف ولماذا تشكل مجلس الحكم على قاعدتها باستخفاف اكبر
وكيف ان الدستور الذي كتبه ، ومشاريع القوانين التي لحقت به
انما هي تنفيذ لآية بريمر التي آمن بها كقاعدة ذهبية في اعادة
التحكم بالعراق الجديد.
لم يكن العراقيون قاصرين لاسيما النخب الواعية في إدراك أسباب
غزو العراق واحتلاله، وكان بعضهم عندما يحاور المعنيين بمشروع
المقاومة يحذر من خطرين:
الاول: احتواء العراق،اولا بالاحتلال، ثم بتقطيع اوصاله على
قاعدة التطهير المذهبي والعرقي، والثاني: بإحتواء الشيعي
بالشيعي، والسني بالسني، والكردي بالكردي لتحويل مجرى الصراع
في اسبابه الجوهرية وإحتواء مشروع المقاومة وإخراجه من نسقه
التاريخي. واذا "بآية" بريمر الذهبية تتحكم فعلاً بمجرى الصراع
في العراق خلال سنوات الاحتلال الخمسة. إذ يستقطب التيار
الصدري الى العملية السياسية بعد تعرضه للتصفية في النجف
والكوفة وكربلاء عام 2005 ويحدث التغيرفي حراكه بانتقاله من
حالة المقاومة الى مليشيا تتهم وحدها بالتطهير المذهبي والقتل
على الهوية من دون المليشيات المذهبية والعرقية الاخرى
كميلشيات بدر والبشمركة، واذا بالمقاومة تتحول حصراً الى
مقاومة مناطقية جغرافياً لتبدو محصورة في المثلث السني وليتم
التعامل الاقليمي مسبقاً معها كمقاومة سنية وفي حد آخر مقاومة
السنة العرب فقط لاغير، ولتتحول هذه المقاومة الى مشروع سني
تتنافس على ركوبه عدة قوى سياسية مدعومة اقليمياً من الرباعية
العربية( حسب توصيات بيكر – هملتون)، والتي تبدأ بالحزب
الاسلامي، وجبهة التوافق والجيش الاسلامي فالصحوات ، وكأن هذه
القوى شريكة باسم المقاومة في القضاء على المقاومة وفق صيغة
لتبادل المصالح مع المشروع الاحتلالي في العراق الذي يوافق على
منح "قادة من السنة العرب" تمثيل من لا تتجاوز حصتهم من العراق
الـ 16%، قيادة المشروع السني على قاعدة عرس التحرير.أما مشروع
المقاومة كمشروع يملك وحده زمام التحرير بالقدر الذي يمثل فيه
مشروع التحرير الوطني – القومي كما يمثل تاريخياً وحدة مصالح
الشعب في العراق والتفافه حول قضاياه المصيرية في ترابطها
العضوي بما يؤهله ليكون رافعة للنهوض القومي على قاعدة
التعددية، أما هذا المشروع فإن مصالح القوى المتحالفة على
اجهاضه هي التي تشكل المشهد العراقي الفاضح اليوم حيث يتحول
الحر الى مجرم والتابع الخانع السمسار الى (بطل). وللحديث صلة
في استكمال متابعة عملية المقايضة على المقاومة في العراق بإسم
المقاومة.
.
الحلقة الثانية:
سيادة الدولة، سلطة واحدة لا سلطتان، دولة قانون، النظام، حفظ
النظام، الامن والاستقرار، ادوات حماية الامن والنظام
والاستقرار، وجيش الدولة حافظ الامن، والقيادة العليا للدولة
المتمثلة بسلطة!!!
إنها المصطلحات التي يرتكز عليها الحاكم في مواجهة المحكوم،
ويجد فيها الإعلام مرتكزات صياغة منطق صارم يعد كل من يهدد هذه
المرتكزات خارج عن القانون،ويهدد أمن "الوطن"
و"النظام"و"السلطة" وما الى ذلك...
من عام 1970 إلى 2008، ومن سلطة القانون في الاردن إلى دولة
القانون في العراق، ومن حق ألامن لدولة الكيان الصهيوني إلى حق
الولايات المتحدة الامريكية في امنها القومي في العراق عمق
العالم العربي الاسلامي في "الشرق الاوسط"، فإن حكم تنفيذ
الاعدام بالمقاومة مفهوماً ومشروعاً هو عنوان الخطط الامنية.
تحت ذريعة: سلطة واحدة لا سلطتان ، اندفع الجيش الاردني في
مهمة القضاء على المقاومة.
وتحت ذريعة : أمن لبنان انجزت الاتفاقيات التي قذفت بالمقاومة
إلى تونس واليمن، وحقق الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982
النجاح المطلوب وانجزت المهمة.
أما غولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني كانت الاكثر
وضوحاً الى درجة الصفاقة وغياب اللياقة الإعلامية أعلنت عن
المهمة بجلاء مؤكدة ان أمن النظام الاردني هو أمن "دولتها"
!!دعما لدوره في مجازر أيلول.
اذن .... لا يجوز بالمفهوم الامني للنظام العربي السماح
بمقاومة تناضل ضد العدو الغازي المحتل، واذا ما انبثقت
المقاومة في ظل الفراغ السياسي واختراق العدو للامن القومي،
فإن على هذا الظهور ان يكون مؤقتاً، الى ان يستعيد "النظام"
توازنه ويعيد بناء جهازه الامني وتستعيد "الدولة" المخترق
امنها القومي سلطتها على شعبها، وتسوقه بما يؤهله لآن يكون
شعباً مطيعاً قطع رأسه وزرعه في حضن سلطة "الحكومة" المسؤولة
وحدها عن تحديد مفهوم "الامن القومي" وصناعة المصير!!
هذا الاسهاب في التقديم لا بد منه حتى لا يغرقنا احدهم وهو
يحاور مشروعية المقاومة في غوغاء الجدل عندما يخلط بين مفهوم
المقاومة وبين حق السلطة المقدس في القبض على زمام الامن! دون
الوقوف عند مفهوم "الامن القومي" وارتباطه مباشرة بمصالح الشعب
وحقوقه المرتبطة بحق الوجود والحرية والحياة والكرامة وصناعة
المصير.
الى أي مدى نجح الاحتلال
بين اياد علاوي والمالكي صورة مشتركة في استثمار عطايا مجلس
الحكم الذي شكله بريمر، هذا الاخير نقل "السلطة" الى "حكومة
علاوي المؤقتة" على طريق إيجاد "سلطة" خارج مفاهيم الشرعية.
ونجح الاحتلال في لعبة الترتيبات بعد "علاوي" الذي تصدر عهده
بالهجوم الامريكي على الفلوجة والنجف والكوفة بأسم الحكومة
المؤقتة، تهيئة لمرحلة كتابة الدستور المؤقت في "حكومة
الجعفري" محدودة المهمة بكتابة الدستور وفرق موت وزارة صولاغ.
ان آليات إيجاد "سلطة" بعد الفراغ السياسي الذي احدثه الاحتلال
كانت تنجز على قدم وساق في المنطقة الخضراء بمعية خبراء جبهة
الاحتلال، وكان النجوم السياسيون الذين وجد الاحتلال فيهم
ضالته، يخرجون علينا صبحة وعشية يتحدثون عن: الدستور،
الانتخابات، الديمقراطية، الامن، الارهاب، سلطة القانون ودولة
القانون في العراق الجديد!! وكأن العراق القديم اصبح خارج
التاريخ.
ونجح المالكي في تجسيد فقرات برنامجه كما تتطلب فقرات سيناريو
صناعة "دولة القانون" خارج مفهوم الشرعية.
ان تتشكل "حكومة في العراق" على قاعدة الاحتلال، فالرؤية
واضحة، الاحتلال يمنح السيادة لحكومته في العراق ، و"حكومة
المالكي" تمثل السيادة الممنوحة من الاحتلال على قاعدة
الاتفاقية الامنية ومواثيق شرف تفرضها علاقات الصداقة، فالخطة
الامنية التي عنونت "حكم المالكي" هي الآلية النظرية- العملية،
لإنهاء المقاومة في العراق، إذ لا سلطة لغير سلطة دولة
القانون، والمقاوم مجرم يحال الى قضاء القانون لإثبات جرائمه
ضد "الدولة" و"الصديق" أي الاحتلال.
نجح الاحتلال في تحويل سيناريو احتواء العراق الى حالة على
الارض ليوجد له شريكاً محلياً ينفذ فقرات انهاء المقاومة
بذريعة "دولة القانون" والخطة الامنية؟؟؟ وبرع المالكي في
الظهور على الفضائيات يؤكد نجاحاته في فرض دولة القانون، باثاً
رسائله إلى المستثمرين وكبرى الشركات بأن العراق اصبح جاهزاً
للاستثمار.
بين القاعدة والصحوات
لعل بعضنا اخطأ حين وصف "حكومة المالكي" بأنها مجرد حكومة
طائفية، ان الاحتلال كان ذكياً في بنائها على قاعدة الطائفية
والخطة الامنية معاً.
إنها بنظره الصورة لما يجب ان تطمح اليه قوى"البيت السني" بعد
ان نجح "البيت الشيعي" في احتواء حصته من العراق، وكما نجح
البيت الكردي في تشكيل "فيدراليته".
كان المالكي يلعب على المعمولين : ان "حكومته" تمثل "فوز"
الاكثرية الطائفية أي "البيت الشيعي" ، وفي الوقت نفسه تمثل
آلية الشراكة على خلفية الخطة الامنية مع الاقلية، أي "البيت
السني" الذي لم يحقق نجاحات مطلوبة في هيكلة نفسه داخل العملية
السياسية، والمقاومة معادلة غير مسيطر عليها إلا اذا خضعت
لإحتواء "البيت السني" وحدوده في الفيدرالية المطلوب رسمها على
الارض بالدم.
نجح المالكي بالتحالف مع البيت "الشيعي" في احتواء التيار
الصدري المتمرد بطريقتين، الاولى: احتواؤه داخل العملية
السياسية، والثانية: احتواؤه داخل الخطة الامنية وسيادة دولة
القانون! بعد ان استخدمه لرسم حدود الفيدراليات بالدم. واسقط
عنه صفة مقاومة الاحتلال محولاً تمرده إلى حالة خروج عن
القانون تستوجب الملاحقة والعقاب.
وعلى مستوى "البيت السني" الذي لم يثبت اركانه بعد،فإن عليه ان
يستكمل مشواره، لذا كان مفهوماً للمتتبع تصريح الهاشمي في
اثناء اعادة لحمة التحالف بين الكتل المتحالفة في كردستان، ان
اسباباً موضوعية جعلته لم يوقع على تجديد العهد، رغم تأييده
الشرس للحلف، والواضح في التصريح ان الاطراف الاخرى طالبته
بألاسراع في احتواء "بيته السني" وتصفية المقاومة بمشروع
"الصحوة"
!!!
كان العمل يجري ايضاً على قدم وساق من اجل انجاز المهمة في
سياق اجندة الاحتلال المحكومة بمواعيد وتواريخ، كان الهاشمي
يعرف مهمته وكذلك جبهة التوافق، والمقاومة هي موضوعة الاحتواء
ومهمة الاحتواء، هي الشغل الشاغل "للبيت السني"والذي يجب ان
يقوم على قاعدة "المقاومة الشريفة" التي يرتبط انتهاء دورها
بانجاز "البيت السني" لحدود "الاقليم السني".وبالدم أيضا.
اذا كان "البيت الشيعي" تأسس بحماية مليشيات علنية ذات تداخل
وظيفي مع قوى الاحتلال، و "الحكومات المصنوعة" واذا كان البيت
الكردي قام على هذه القاعدة بجهاز البشمركة " كميليشيا مشروعة"
فإن مشروع الاحزاب السياسية لجبهة التوافق قدمت نفسها كأحزاب
مسالمة ليس لها قاعدة مليشاوية، لكنها في الوقت نفسه اعلنت ان
قاعدتها "المقاومة"
غير ان المقاومة في العراق التي تشكلت كمجموعات وفصائل منذ
اليوم الاول للاحتلال لها موقف سلبي من قيادة التوافق والحزب
الاسلامي تحديداً، لكنها وجدت نفسها بحاجة الى أدامة نفسها،
وكأن المناخ اصبح جاهزاً لاحتوائها بالمال السياسي. للقاعدة
اجندة، ولكن القاعدة قواعد مثلما جيش المهدي جيوش، مصادفة قد
لاتبدو غريبة في فوضى العراق ولكن ان ترتهن اعمال التطهير
المذهبي بجيش المهدي والقاعدة خارج مهمة التحرير، فإن ذلك يثير
التساؤل لا سيما ان مشروع الاحتلال قائم على استخدام الدم لرسم
خطوط الفتنة، وإذا بالمالكي يعلن الحرب باسم دولة القانون على
جيش المهدي، واذا بحلفاء امريكا من "السنة السياسية" يعلنون
"الصحوة" ووجوب محاربة القاعدة خدمة للامن والاستقرار ودولة
القانون وعلى هامش ذلك تمثيل " المقاومة الشريفة"، استعداداً
لدخول انتخابات مجالس المحافظات على آلية العملية السياسية في
"الاقليم السني" وتحت رعاية دولة القانون وحماية الاتفاقية
الامنية بين العراق المحتل ودولة الاحتلال! خارج هذا الاداء
السياسي، المفعم بالحراك والتمويل، ونشاط "الجيش والشرطة، وفرق
مكافحة الشغب، والخطط الهجومية على بيئة المقاومة، خارج هذا
الاداء، تمسي المقاومة مجرد فلول القاعدة والصداميين
والتكفيريين والبعثيين والمجرمين الذين يحاولون تهديد امن
الدولة/ ودولة القانون.
الصورة تكتمل عند الاحتلال، في المرحلة الاخيرة لحكم بوش،
والارض جاهزة لعملية سياسية – امنية سترتبط بالرئيس الامريكي
الجديد جمهورياً كان ام ديمقراطياً، للتعامل السياسي مع العراق
على قاعدة الصداقة.
اما الخلل الذي سينشأ عن البناء الكارتوني المخلخل للحكومات
اللاحقة فإنه مشاكل عراقية تستسيغها اللعبة الديمقراطية حتى لو
غمست بدم الاقتتال الداخلي، فالقواعد الامريكية للتدخل السريع
جاهزة "للتدخل" حسب الظرف والمكان. هو ذا المشروع، وهي ذي
الوظيفة.
وتنتهي العملية السياسية في العراق الى إنهاء المقاومة
مفهوماً، وتجتهد في الوقت ذاته لإنهائها مشروعاً وجسداً.
فكيف تواجه المقاومة حلف الاعداء، اين تكمن ازمتها، اين تتجه،
كيف تستعيد طرح مشروعها...ذلك كله له متابعة ومن خلال المقاومة
نفسها في المقالات المتتابعة.
مستل
من موقع بابل
|