|
البنتاغون والبحث عن مجندين عرب للحرب في العراق
د. عماد الدين الجبوري
وكالة يقين
بعد
مضيء خمس سنوات من الاحتلال الأمريكي للعراق، وما شهدته من
مقاومة ثابتة ومتصاعدة وصلت ضراوتها وشراستها أن اعترف القادة
الميدانيين الأمريكيين بانكسار شوكة جيشهم بالعراق. كما وأن
هذا الانكسار العسكري الأمريكي خلق تداعيات سياسية واقتصادية
واجتماعية من الناحية الداخلية. ودولية وإقليمية من الناحية
الخارجية. ولسنا الآن بصدد تناولها وشرح أبعادها. ولكن
البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية) الذي لم يكف عن وضع الخطط
تلو الخطط لا لتحقيق حسماً عسكرياً، فهذا الأمر لاقى حتمية
فشله؛ بل للحد من سعير ضربات المقاومة العراقية المتزايدة سنة
بعد أخرى.
ومن بين الخطط الجديدة التي وضعها البنتاغون هو السعي لجذب
الشباب العربي في الولايات المتحدة للانخراط في صفوف القوات
المسلحة كجنود أو مترجمين تحت إغراءات مالية تصل إلى 80 ألف
دولار كمقدمة للتطوع بالقتال في العراق، وفق عقد خاص لا يقل عن
ستة أشهر. يضاف إليها منح الجنسية الأمريكية أو إعطاء البطاقة
الخضراء للإقامة الدائمة بغض النظر إن كانت هناك مشكلة مع
دائرة الهجرة. علاوة على خصوصية التوظيف والعلاج الطبي وغيرها
من المزايا الاجتماعية.
الدعوة للتطوع
بدأت الدعوة للانضمام في وحدات الجيش الأمريكي عبر خطابات
موجهة إلى أعداد كبيرة من العرب وذلك عن طريق الصحف والعناوين
والاتصالات بالهواتف وباللهجة العربية. ويذكر أن جميع الصحف
المحلية الناطقة بالعربية في الولايات المتحدة تنشر أسبوعياً
عشرات الصفحات الإعلانية المدفوعة الأجر من الجيش الأمريكي
لدعوة الشباب المصري خاصة والعربي عامة للعمل بالجيش الأمريكي.
وعن فحوى هذه الدعوة، يقول العقيد توماس: أن "مهارتك في اللغة
قد تبني مستقبلك وتقوي بلدك. إن هذه فرصتك للحصول على رواتب
سخية وإحداث تغيير في مستقبلك". ويضيف "أنه سيتم تدريب
المتقدمين للعمل كجنود ومترجمين بالجيش الأمريكي لتأكيد
"الاستقرار الإقليمي بالشرق الأوسط". ويشير أيضاً إلى أن
المهارات والخبرات التي سيحصل عليها الشباب المصري من عملهم قد
توصلهم للعمل مستقبلاً في وظائف حكومية داخل الولايات المتحدة
أو في جامعاتها أو في السفارات الأمريكية حول العالم.
ورغم أن البنتاغون في الشهرين الماضيين قد كثف من سلسلة
إعلاناته بالعربية، إلا أنه بدأ خطته هذه منذ شهر آذار/مارس
المنصرم. وجاء في أحداها هذا العنوان" "في أرض عامرة بالفرص،
هذه واحدة منها ربما لم تخطر لك على بال، وظيفة في الجيش
الأمريكي.. أتصل بمنى". والست منى هي مرشدة اجتماعية وخبيرة
لغوية تعمل مع أحدى الشركات التي تتولى تأمين جنود للجيش
الأمريكي. كما جاء في نشرة شبكة سي أن أن الإخبارية الأمريكية.
والتي نقلت عنها قولها: "أن استقبال دعوات التجنيد في صفوف
المنحدرين من أصول عربية بات أكثر ايجابية على الرغم من أن
الأمر كان صعباً للغاية في البداية، غداة التدخل العسكري
الأمريكي في العراق".
هذا وما زالت القوات المسلحة الأمريكية توزع ألاف المنشورات
الدعائية والملصقات في شوارع ديترويت وعموم ولاية ميشغين، حيث
يتواجد أغلب العرب، في مسعى لجذهم نحو التطوع بالجيش الأمريكي.
ولكن إذا تطوع البعض بسبب مصاعبهم الاقتصادية، فأن الأكثرية
رفضت بصورة قاطعة قائلين: أن ارتداء زي الجيش الأمريكي سيجعلهم
محل انتقاد واسع من قبل المحيطين بهم، ويتهمون مباشرة بأنهم
"خونة" يقتلون "أبناء جلدتهم" في العراق. بحسب ما أوردته شبكة
سي أن أن.
ويعترف أحد مدراء التنفيذيين في مركز "التجمع العربي للخدمات
الاقتصادية والاجتماعية" في ديربورن وهو حسن جاير حيث يقول:
"أن الجيش الأمريكي نجح بالفعل في بناء مصداقيته بين ذوي
الأصول العربية، وأن كان الإقبال على التطوع في صفوفه ما يزال
خجولاً نوعاً ما". وتطرق قائلاً" "بحسب علمي، فأن الذين
يوافقون على هذه الوظائف في الجيش يفعلون ذلك شراً. قد يسبب
هذا العار لهم. ومعظم الذين يوافقون على هذه الفرص يفعلون ذلك
بدافع الحاجة المادية، وليس لأنهم يعتقدون بالضرورة أن الحرب
مبررة".
أما الرقيب ماريو بندارس وهو لبناني الأصل منحه الجيش هذا
الاسم المستعار لكونه عمل معه كمترجم عندما خدم في العراق عام
2005 قبل أن ينضم إلى الوحدات المكلفة بالبحث عن مجندين جُدد،
فأنه يقول: "كنت اعتقد أن بوسعي التحدث إلى هؤلاء الأشخاص
المنحدرين من أصول عربية واقنع أثنين أو ثلاثة منهم يومياً
بالانضمام إلى الجيش. لكن هذا لم يحدث". وقال أيضاً: "عندما
يراني الناس هنا مرتدي الزي العسكري يقولون لي: هل أنت في
الجيش الأمريكي؟ هل أنت في العراق تقتل أبناء جلدتك؟". وفقاً
لما نقلته سي أن أن.
هذا وقال بعض وجهاء وكبار الأقلية العربية في الولايات
المتحدة، ومنهم جون زغبي رئيس مركز زغبي الدولي للدراسات، إن
عمليات التجنيد بدأت تنجح في استقطاب الشبان بسبب الأوضاع
المالية والاجتماعية الصعبة في المقام الأول، إذ تؤمن الوظيفة
العسكرية دخلاً ثابتاً في نهاية كل شهر.
دوافع التجنيد للعرب
تحدثت الكثير من الصُحف الأمريكية عن إن الخسائر البشرية
المتزايدة في صفوف القوات الأمريكية بالعراق دفعت البنتاغون
للاعتماد أكثر على تجنيد الأجانب والمهجرين، خاصة غير
الشرعيين، مقابل وعود بالحصول على الجنسية الأمريكية في أسرع
وقت ممكن، فضلاً على الراتب المغري. وبحسب التقارير الميدانية
فأن هؤلاء المجندون يعتبرون بمثابة متاريس ودروعاً بشرية
لعناصر المارينز (جنود البحرية الأمريكية) في العمليات
العسكرية في المناطق الخطرة في العراق وأفغانستان.
كما وتشير بعض التقارير في صحف غربية بأن: المهاجرين العرب لا
ينخرطون في نخبة الجيش المميزة كالمارينز مثلاً. إذ يوكل إليهم
القتال في الصفوف الأمامية وتوكل إليهم المهام البالغة
الخطورة، وهو ما يعرضهم للموت بنسبة أكثر من المواطنين
الأمريكيين الأصليين. كما ويساعد ذلك الجيش الأمريكي على إخفاء
خسائره الحقيقية، باعتبار أن المجندين المهاجرين لا يحملون
الجنسية الأمريكية.
هذا وكشفت بعض المصادر بأن عشرات من الشباب العربي وخاصة
المصريين الذين لهم مشاكل مع دائرة الهجرة الأمريكية قبلوا
بالعمل ضمن وحدات الجيش الأمريكي في العراق، آملين أن تحل
مشاكلهم ويمنحون حق الإقامة الدائمية في الولايات المتحدة. كما
وحذرت هذه المصادر من خطورة ذلك على حياة هؤلاء الشباب وعلى
الأمن القومي المصري.
وقال أحد المتابعين للملف العراقي: هذا يعني أنهم يريدون تهيئة
أفواج لمهمات خاصة مقبلة، وتحمل نفس السحنة العراقية ولمهمات
خاصة جداً. وأن عمليات الرفض في دوائر الهجرة في أمريكا والغرب
هدفها الضغط على هؤلاء من أجل التطوع في بؤر الصراع مقابل
الإقامة أو الجنسية. وهذا يعني أنهم يقامرون بالبشر وبالعرب
تحديداً. ويبدو أنها ضمن "العمليات القذرة" ولكن بقفاز أبيض.
خطة فاشلة
على الرغم من الحركة الدؤبة التي يظهرها البنتاغون في خطته
الرامية إلى تجنيد العرب للحرب في العراق، ورغم الإعلام
والإنفاق المالي المصاحب لها، إلا أن هذه الخطة مصيرها الفشل.
ابتداءً من الداخل الأمريكي حيث التفرقة بين العرب بذكر
المصريين على وجه الخصوص كما أشار العقيد توماس وغيره. وهو خلط
متعمد بين الحاجة الفردية والموقف القومي للشعب المصري تجاه
الاحتلال الأمريكي للعراق. ومن الخارج عندما نشرت بعض
الإعلانات في الصحف النمساوية قبل بضعة أسابيع تطالب بها العرب
للتطوع في الجيش الأمريكي. وكان أغلب المتقدمين من المغرب
العربي، وعند مقابلتهم للمجموعة الأمريكية ومعهم عراقيين،
اشترطوا عليهم أن يكون التدريب في القاعدة الأمريكية في
ألمانيا وبقرية مغلقة وشبيهة بالمناطق العراقية لكي يرسلوهم
إلى هناك. وحالما أدركوا بأن المهمة هي نحو العراق وللجيش
الأمريكي رفضوا واستنكروا وعابوا الغموض في الإعلان المنشور،
وأن بعضهم قد غرر به.
أن السببين اللذين ذكرناهما سلفاً في فشل خطة البنتناغون يضاف
لهما أسباب رئيسة أخرى. والتي يمكننا أن نوجزها وفق الشكل
التالي:
أولاً: أن عدد الذين تطوعوا كجنود أو توظفوا كمترجمين في الجيش
الأمريكي من العرب في الولايات المتحدة،
يعتبر قليل جداً قياساً إلى كثافتهم العددية الإجمالية. خصوصاً
وأن سن التطوع والتوظيف يمتد ما بين 18 إلى 40 سنة. مثلاً على
ذلك، أن الذين تطوعوا من حي بروكلين في نيويورك خلال سنة واحدة
20 عربياً من مجموع الآلاف من الشباب. حيث الرفض الشعبي لهذا
الحي ضد الحرب في العراق.
ثانياً: أن كل الذين التحقوا بالجيش الأمريكي من الجاليات
العربية كان بدافع الحاجة المادية، لا دفاعاً عن إستراتيجية
أمريكا في المنطقة، ولا إيماناً بشرعية هذه الحرب التي افتضحت
جل أباطيلها الكاذبة. وما بين العوز والاستغلال لا يمكن ولادة
صناديد يذودون بأرواحهم في سبيل بلدهم، كما يجري مع بواسل
المقاومة العراقية. مما تؤثر سلباً في نفسية وعقلية الجندي
الأمريكي عند مجابهته واشتباكه مع المقاوم العراقي.
ثالثاً: أن جذب الشباب والرجال العرب بإغراءات مالية وحوافز
اجتماعية، لا تعني ولا تشير إلى قوة ومتانة العقيدة العسكرية
الأمريكية، بقدر ما تعكس مدى الهوان في عملية التجنيد للجيش
الأمريكي.
رابعاً: أن مسألة انخراط العرب بصفوف الجيش الأمريكي بغية
توطيد الثقة بين قوات الاحتلال والسكان العراقيين فهذه مماحكة
سافرة. بدليل جعلهم في الصفوف الأمامية كدروع بشرية تحمي
المارينز، ولا يحسبون ضمن هيكلية الجيش النظامي لأسباب وغايات
صارت معروفة للجميع.
خامساً: أن الاستمرار في نهج التضليل
والكذب التي لا تمد بصلة إلى حقيقة الواقع الاجتماعي أو
الميداني، تعني
حتمية الفشل آجلاً أو عاجلاً. خذ
مثلاً على ما يقوله النقيب تاد كراسنسكي مسؤول إدارة التجنيد
في منطقة بروكلين: أن العديد من الأشخاص الذي تعاملت معهم من
أصول عربية وبخاصة هؤلاء الذين لهم أفراد من عائلاتهم في
العراق يؤيدون الحرب بشدة!! وكأن الدمار الأمريكي هدية السماء
للعراق.
|