|
السنة والشيعة جناحا
الأمة لن تحلق الا بهما
في الحديث عن 'الخلافات المذهبية' ثمة قناعة بان من المستحيل
حسم اي سجال علني بشأنها لصالح أي من الأطراف المشاركة فيه.
وعلى العكس من ذلك، فانها تؤدي الى المزيد من التشنج والاختلاف
بدلا من الحصر والاحتواء، وتدفع الفرقاء الى التخندق الطائفي،
وتؤدي الى تعمق روح العصبية.
وكما هو شأن الخلاف السياسي فان الاستمرار في الردود المتبادلة
لا يؤدي الى حل مواضيع الاختلاف او الخلاف، ولكن الحل قد يتمخض
من خلال الاتصالات غير العلنية المباشرة او عبر الوسطاء. هذه
السجالات او التراشقات لا تقارب لعبة 'الملاكمة'، فلا يمكن
حسمها بـ'الضربة القاضية' ولا بـ'النقاط'. فلكل من الاطراف
اسلوبه في تأجيج أتباعه بهدف تحقيق موقف صلب في مواجهة الاطراف
الاخرى. وبشكل تدريجي يتم استبدال 'العقل' كأداة لاثبات الذات
والموقف، بالعواطف والمشاعر، الأمر الذي غالبا ما يؤدي الى
تعمق روح العصبية. وعندها يتطلب الموقف اللجوء لاساليب اخرى كـ
'النخوة' و 'الحمية'، بدلا من العقل والايمان والاخلاق. وثمة
بعد آخر لتعمق المشكلة يتمثل بوجود رغبة لدى الاطراف المعادية
للاسلام لتعميق الخلاف والاختلاف كوسيلة لاخضاع الامة وتسهيل
الهيمنة عليها. وهنا يجدر التأكيد على ان منطق العقل والحكمة
يقتضي عدم المشاركة الفاعلة في السجالات لان المشاركة تصبح
بمثابة الزيت الذي يزيد المشكلة اتقادا بدلا من احتوائها. ولا
شك ان هناك من يعتبر الانكفاء عن المشاركة 'ضعفا' او 'خيانة'
او 'تخليا عن المسؤولية'. فعامة الناس لا تنظر الى الابعاد
والنتائج، ولا تقوم الموقف بلحاظ تبعاته وانعكاساته على اوضاع
الامة ووحدة موقفها، بل تنطلق بدافع العصبية والوهم بامكان
'توجيه الضربة القاضية' للطرف الآخر، بعيدا عن مقاييس الحق
والعدل والأخلاق. وان من السذاجة بمكان الاعتقاد بان إشراك
الجمهور في السجال سوف يثريه او يحسمه. ولذلك فعندما ينشب اي
خلاف سياسي بين الزعماء، فانه يبدأ بمهاترات كلامية وتصريحات
اعلامية، ولكنه يتحول تدريجيا الى عمل سياسي يتحرك وراء
الكواليس، بلاعبين ماهرين وبأجندات واضحة. ولذلك يتم احتواء
الازمات السياسية. فاذا فشلت الوساطات، اصبح الطريق مهيأ لحروب
مفتوحة تأتي على الاخضر واليابس.
وعند التطرق للاثارات الاخيرة حول 'الشيعة' و 'السنة' على
صفحات وسائل الاعلام العربية، تمكن ملاحظة عدد من الأمور:
اولها ان هذا الحديث من أشد القضايا خطرا وأكثرها قابلية
للاشتعال والتفجر لانه يرتبط بالعقيدة والدين، وهما من أشد
اساليب تحريك المشاعر والوجدان. وكان الأجدى عدم اثارته ابتداء
لعدم جدوى تلك الاثارة. ثانيها: ان الطرح قد يبدأ 'عقلانيا'
وبدوافع حسنة ولكنه ما ان يتحول الى الشارع حتى يصبح شأنا آخر
يختلف تماما عما في نفوس مثيريه، وقد يتحول الى حرب اهلية
طاحنة. ولا شك ان فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي الذي طرح الموضوع
في حديثه مع صحيفة 'المصري اليوم' انطلق من شعور ديني ورغبة في
التعاطي الصريح مع ما يعتبره قضايا اساسية تشغل بال عالم كبير
مثله. ولكن كان عليه ان يدرك ان من الصعب الفصل بين ما هو
'ديني' وما هو 'سياسي'. ففي الظروف التي تمر بها امة المسلمين
اليوم يصعب الفصل بينهما، فهما متداخلان تماما. فالديني شأن
سياسي أيضا. والا فكيف يمكن تفسير ما حدث في العراق في الاعوام
الاخيرة؟ هل كانت الحرب الدامية التي سقط ضحاياها عشرات الآلاف
من الشيعة والسنة خلافا مذهبيا (قوامه الاجتهادات الفقهية
المتباينة) ام سياسيا؟ وما الذي يضمن بقاء السجال الديني ضمن
الاطر الفكرية وعدم الانعكاس سياسيا في البؤر المذهبية
الساخنة، اي البلدان التي يتعايش فيها السنة والشيعة جنبا الى
جنب؟ الامر الثالث ان تأسيس الاتحاد' العالمي لعلماء المسلمين
قبل خمسة اعوام كان تكليلا لجهود متواصلة من علماء المسلمين
لفتح قنوات الحوار بين المذاهب الاسلامية، بدلا من اشغال جمهور
المسلمين بالقضايا الخلافية التي مر على أغلبها 14 قرنا. وبدلا
من ان نجد رئيس الاتحاد (الشيخ يوسف القرضاوي)' ونائبه (الشيخ
محمد علي التسخيري) 'يتحاوران' علنا حول قضايا حساسة عبر وسائل
الاعلام، ربما كان الافضل ان يطرحا آراءهما في لقاءات مغلقة
بعيدا عن اشغال العامة بتلك القضايا الشائكة التي تتطلب اجواء
خاصة تتيح قدرا اكثر من المصارحة والوضوح.
ان من غير المناسب اعتبار ما طرحه الشيخ القرضاوي غير ذي شأن.
فما دام هذا العالم الذي يحظى بمكانة عالية في العالم
الاسلامي، والذي عاش حياة حافلة بالعطاء الفكري والسياسي، قد
تطرق لبعض القضايا التي يعتبرها ذات أهمية، فانها لا شك مهمة
وتتطلب حوارا جادا لازالة الشكوك والظنون، واعادة روح الثقة
خصوصا بين العلماء المشاركين في الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين. ومن غير اللائق ابدا 'شخصنة' القضية ونعت الشيخ
القرضاوي بما لا يليق به، او التشكيك في النوايا التي لا يعلم
بها احد الا الله. وربما الخطأ طرح هذه القضايا علنا بالصورة
التي تمت بها، فمن شأن ذلك ان يثير الطرف الآخر الذي يعتبر
نفسه مستهدفا وعليه الدفاع عن نفسه. وقد اعتاد العلماء اسلوب
'الحوار' و'الجدل' كوسيلة للوصول الى الحقيقة، حتى اصبح علم
الكلام أساسا لفهم العقيدة وترسيخها، ونص القرآن الكريم على
الجدل الايجابي كأسلوب للوصول الى الحقيقة، وأمر الرسول الكريم
عليه الصلاة والسلام بانتهاجه فقال: 'وجادلهم بالتي هي أحسن'،
وقال 'ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن'. والجدال
بالتي هي أحسن يمثل الحوار الهادئ القائم على اساس الاعتراف
المتبادل من جهة والاستعداد النفسي لقبول الرأي الراجح،
والابتعاد عن العصبية المقيتة. وبدلا من طرح الهموم عبر وسائل
الاعلام التي تبحث عن الاثارة والدعاية الاعلامية، كان حريا
بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يضم علماء راجحي العقل
من السنة والشيعة، تداول الهموم التي طرحها الشيخ القرضاوي،
بانفتاح وتجرد ليكونوا من المؤمنين حقا الذين وصفهم القرآن
الكريم بانهم 'الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه'. ولكن يبدو
ان الاتحاد اصبح عاجزا عن القيام بمهماته، لاسباب غير معروفة.
والأمل ان يدفع السجال الدائر حاليا حول القضايا المذهبية
لصحوة جديدة للاتحاد من جهة، ولعلماء المسلمين، سنة وشيعة، من
جهة اخرى لبدء صفحة جديدة' تقوم على الحوار العلمي الجاد
المنتظم بمشاركة العلماء والمؤسسات العلمية كالأزهر والحوزتين
العلميتين في مدينتي النجف العراقية وقم الايرانية.
لماذا اصبح احتواء المسألة المذهبية ضرورة ملحة تفرض نفسها على
الجميع، خصوصا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والحوزات
العلمية؟ السجال المذهبي ليس جديدا، بل يعود في اصوله الى
العصور الاولى للاسلام، عندما كانت الحلقات الدينية تضم
العلماء والطلاب ذوي الانتماءات المذهبية المتعددة. وتكفي
الاشارة الى العلاقات العلمية بين الامام جعفر الصادق الذي
تأسس على تراثه في الفقه والحديث فقه المسلمين الشيعة،
والامامين أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس، تلك العلاقات التي
أسست للفقه الاسلامي الحالي بمدارسه الخمس. انه تحد لعلماء
المسلمين' الحاليين ان يحققوا تقاربا علميا وفقهيا على غرار
ذلك، وان يحولوا الظروف التي تدفع بهم باتجاه الفتن الى مشاريع
للتقارب العلمي والفقهي، والتعالي على مشاعر العصبية،
والابتعاد عن التراشق الديني والمذهبي بما لا يخدم ايا منهم.
وقد عانى المسلمون من العواقب المدمرة للاحتراب الطائفي. فما
شهده العراق على مدى أكثر من' عامين من فتنة طائفية ادت الى
حمامات دم لم تشهد البلاد مثيلا لها من قبل، يكفي ان يكون
رادعا عن اي توجه لاذكاء الخلاف مجددا. ويخطئ من يعتقد ان
بامكانه احتواء آثار الاحتقان المذهبي، فهو كالنار في الهشيم،
تنتشر بسرعة الريح لتلتهم ما حولها، وثمة فرق بين وضعين: الاول
ان يتحول الخلاف السياسي الى حوار مذهبي. وما حدث في العراق
مصداق لذلك، اذ بدأ النزاع بعد سقوط النظام السابق بسبب الخلاف
على النفوذ، وكان محصورا آنذاك بالنخب السياسية، وعندما اتخذ
أبعادا مذهبية فكرية، توسعت دائرته وادى الى حالة استقطاب
طائفي مدمرة. وبعد عامين من القتل على الهوية، ادرك العراقيون
عدم جدوى الاستمرار في المخطط الهادف لتمزيق العراق وتدمير
شعبه، فتراجع العنف المذهبي، وبدأ عهد جديد من التقارب. وما
حدث في لبنان في الصيف الماضي مؤشر آخر لمدى استعداد بعض
السياسيين لاستعمال الورقة الطائفية لتحقيق اهداف سياسية. بدأت
الأزمة بخلاف بين المعارضة والحكومة، وحاول البعض اظهارها في
ثوب طائفي، وكادت الامور تزداد تأزما لولا التوصل الى حل
للازمة بمبادرة قطرية، وبذلك تراجع الاحتقان الطائفي. اما قضية
ايرلندا الشمالية فهي الاخرى تؤكد خطر الاحتقان السياسي اذا
قام على اسس دينية وطائفية. لقد كان صراعا سياسيا على النفوذ
ادى الى اضطراب سياسي وامني استمر عقودا.
اما اذا بدأ الاحتقان ينطلق على اساس خلاف مذهبي او ديني، فمن
شأنه ان يتصاعد بشكل اكبر. وما حدث في البلقان كان من هذا
النوع. فقد كانت حربا على الهوية، تستهدف القضاء على نفوذ
المسلمين في البوسنة والهرسك، سقط خلالها اكثر من مائة' الف
انسان. وتبرز الحروب الصليبية كحرب دينية مدمرة تواصلت عبر
بضعة قرون، واخترقت القارات، وأزهقت ارواح البشر بدوافع شريرة
اتخذت من الدين غطاء، وقادها القسسة والرهبان الذين أضفوا صفة
القداسة على اعمال القتل والسلب والاحتلال. امام هذه الحقائق،
لا يمكن تجاهل التراشق الاعلامي الجاري بين فقهاء أجلاء من
علماء الآمة، لكل منهم انتماؤه المذهبي، واتباعه ونفوذه وعلمه.
وهناك من الوسائل الاعلامية، خصوصا الفضائيات، ما يكفي لبث
الخلافات المذهبية بشكل مبالغ فيه، وتحريك مشاعر الآخرين وفق
نغمات مذهبية وطائفية ودعوات لا تهدف الا لتمزيق الامة التي
طالما تعرضت للتفتيت والاحتلال على ايدي اعدائها. هذا في الوقت
الذي تتصاعد فيه دعوات التخويف من الاسلام (اسلاموفوبيا)
والتصدي لشخصية الرسول الاكرم عليه الصلاة والسلام، والنيل من
الاسلام واتباعه، تارة بعنوان الارهاب، واخرى التعصب والجهل،
وثالثة بالتخلف ومصادرة الحريات خصوصا ما يتعلق بالمرأة وغير
المسلمين. ولقد اثبت التاريخ استحالة القضاء على الدعوات ذات
الطابع الديني حتى ان كانت تافهة وخرافية. وعلى الصعيد
الاسلامي، فهناك حقيقة لا يمكن اغفالها، وهي ان الطرفين
الاساسيين ضمن دين الاسلام هما السنة والشيعة، ولكل منهما أسسه
ومنطلقاته وعلماؤه واتباعه. ولم يعد أمرا منطقيا الاعتقاد
بامكان القضاء على اي منهما، او احداث اختراق تبليغي حاسم لأي
منهما. وفي عالم اليوم، حيث توسعت وسائل الاتصال وتعددت
القنوات الفضائية، لم تعد هناك حواجز جغرافية او سياسية بين
اتباع المذاهب والمدارس الفكرية. وبامكان الفرد الاطلاع على
معتقدات الآخرين بسهولة، والانتقال من قناعة مذهبية لأخرى مع
عدم وجود مشروع' 'التبشير' الذي أشار اليه فضيلة الشيخ
القرضاوي. وفي الوقت نفسه تجدر الاشارة الى جهود الجهات التي
فشلت في التصدي للصحوة الاسلامية والصعود' الاسلامي في العالم
في احتواء المد الاسلامي. وقد صدرت عن البابا تصريحات تحذر من
هذا التمدد الذي اعتبره تهديدا للهوية المسيحية الاوروبية،
وقوبلت تلك التصريحات بانتقادات من علماء المسلمين، وحتى من
مفكري الغرب وعلمائه.
وثمة مشكلة اخرى ما تزال تحرك كامنات المشاعر، وهي اجترار
التاريخ، بما فيه من عاهات. فتاريخنا الاسلامي يعاني من عدد من
السلبيات: اولها عدم دقته في تسجيل الوقائع، فقد كتب بأيدي
الحكام الذين تميز حكم أغلبهم بالاستبداد والقتل، وثانيها: انه
يحتوي على الكثير من الفتن والتوترات والانتهاكات التي لم تكن
منسجمة مع روح الاسلام وتعليماته، وثالثها انه تحول الى 'مقدس'
لا يمكن المساس به او التشكيك في صحته او مساءلة رموزه
الاساسيين. وينطبق هذا على الجوانب الفقهية والعقيدية، كما
ينطبق على تسجيل الوقائع والشخصيات والرموز. وليس مجانبا
للحقيقة القول ان من اسباب التراشقات' المذهبية' التي تحدث بين
الحين والآخر التشبث بهذا التاريخ واضفاء القداسة عليه، وكأنه
لا يقل قداسة عن القرآن الكريم. وثمة أمل بان يتمخض عن
'السجال' المذهبي الاخير توجه لتحقيق عدد من الامور: اولها
تحريك الحوار بين العلماء بشكل منظم، ثانيها: عدم حصر ذلك
بمؤتمرات التقريب المحصورة بالزمان والمكان والإمكان، ثالثها:
الاتفاق على مواثيق شرف بمنح العقل دورا محوريا في الحوار
خصوصا عند قراءة التاريخ ومصادر الحديث والفقه، رابعها: تعميق
مبدأ 'التعايش مع الاختلاف' بديلا لثقافة الاستئصال والتكفير
والقتل على الهوية. اذا تحقق ذلك فستكون الامة الاسلامية قادرة
على التحليق بجناحين اساسيين، يلتقيان في عقيدة التوحيد
ويسبحان في فضاء الحياة بالاجتهاد والاخلاص والحب والاحترام
المتبادل.
|