|
هل من سبيل لبعثيي العراق للتخلص من رهن
المحبسين؟
أ. فائز محمد عبد الله
بعد ان انهيت قراءتي لكتاب المحامي خليل الدليمي (صدام حسين من
الزنزانة الامريكية: هذا ما حدث) تأكدت من مسألتين؟ وانا هنا
لست في معرض نقد الكتاب او تحليله؛ الاولى ان المرحوم الرئيس
ليس على اطلاع بمجريات مسيرة العمل الحزبي بعد الاحتلال،
والثانية ان مسيرة العمل الحزبي تجري على غير فهمه لطبيعة
العمل في المرحلة الراهنة. وهنا لا بد من الاشارة بان هذه
المقالة تفترض صحة ما ورد من معلومات في الكتاب المذكور. ولعل
الكثير من المؤشرات فيه بينت ان نظرة المناضل صدام حسين لكيفية
معالجة مسألة الاحتلال مغايرة لما يسير عليه حالياً النشاط
السياسي لقيادة تنظيمه بخاصة في مجال العلاقات مع القوى
المناهضة والمقاومة للاحتلال. فالرئيس دعا بشكل واضح الى
الانفتاح على هذه القوى والخروج من مأزق الحزبية الضيقة في
التعامل، لابل توقع مثلما ورد في الصفحة 304، "انضمام البعثيين
الى الامام البغدادي".
ولو اردنا مراجعة
الواقع الحالي فماذا نرى؟.
اولاً: توجهات
واضحة لجعل التنظيم الحالي تنظيما طائفيا واخرها الرسالة
المذهبية المتشددة للمناضل امين سر قيادة التنظيم المؤرخة في
19 كانون الأول الماضي .
ثانياً: احكام
اغلاق علاقات التنظيم مع طرف مذهبي متدين واحد وانشاء تحالفات
مع شخصيات متطرفة دينيا واعطاء هذه التحالفات أشكالا مبالغ
فيها ومسميات وصلت الى حد قال فيه احد ابرز الناشطين في اعلام
التنظيم يوم الاعلان عنها بانه (يوم تاريخي في حياة الشعب
العراقي) مما أعاد الى الأذهان كلمة بحر العلوم اثناء الاعلان
عن تأسيس مجلس الحكم الانتقالي حيث طالب بان يكون يوم الاحتلال
عيدا وطنياً. الا ان الفرق متوفر بالتاكيد بين الشخصيتين ولكن
المبالغة والاستخفاف بمشاعر البعثيين والشعب العراقي وبعقله
صفة مشتركة لديهما.
ثالثا: ان الرئيس
يريد تحرير العراق وان (العراق لمن يحرره) وان مرحلة ما بعد
التحرير سوف يكون مع (حزبنا احزاب اخرى) صفحة 307. فيما مؤشرات
النشاط السياسي لقيادة التنظيم الشخصية حالياً لم تتجاوز مفهوم
الرجوع الى الحكم وفي ذلك مؤشرات كثيرة وشتان مابين الرأيين
والمفهومين.
وثمة من يقول بأن
المسؤولين عن الانشطة السياسية والاعلامية للتنظيم ليسوا ممن
يمتلكون خبرة التنظيمات السرية وعلاقاتها ويرفضون استشارة
الكادر القديم وهذا يعني ان الجهاز الحزبي المناضل واقع في
اشكالية انعدام الخبرات من جهة والتطرف الديني المذهبي من جهة
اخرى. وهذان الأمران انعكسا انحساراً بشبه عزلة داخلية وخارجية
مع الاسف بالنسبة للأمر الأول ولعل التصريح الاخير للرفيق ابو
محمد (الناطق الرسمي) عن مؤتمر مساندة المقاومة في بيروت خير
دليل على ذلك. فيما خلق الأمر الثاني تبعات جعلت الحركات
الدينية المناهضة للاحتلال في موقف ضبابي اذ لا تنسجم ولا
تتواءم مسألة الحزب القومي الاشتراكي ونطريته مع الثقافة
المنحازة مذهبيا التي تحشر في التنظيم حالياً. لذا بقي التنظيم
عائما امام الهيئات والحركات الدينية وكذلك امام الحركات
القومية والوطنية المناهضة والمقاومة للاحتلال فهو تنظيم قومي
اشتراكي يحاول قائده الباسه مسحة مذهبية منحازة ليست من صفات
التنظيم الفكرية ولا التاريخية.
وفي الوقت الذي
تتنصل فيه احزاب مذهبية منحازة من هذه الصفة محاولة التمسح
بالوطنية ورفض الطائفية اعلامياً يظهر المناضل امين سر تنظيم
بعثي وكأنه يمهد للتراجع عن فكره القومي والوطني نحو التمذهب
الديني ومن دون استشارة الجهاز الحزبي عبر الوسائل الشرعية
الداخلية فاصبح الجهاز محتاراً ومضبب الفهم وهو يقرأ عبر
الانترنت ثقافة غريبة عن تقاليده الوطنية والقومية، فبدلاً من
طرح حلول للوطن المحتل واوضاع شعبنا القاسية ويتدارس الصلة مع
الحزبيين جعلنا نغوص في متاهة التصوف والفقه والشريعة
بتفاصيلها المذهبية وبالتالي اصبح الامر، اردنا ام لم نرد، يصب
في تدعيم الثقافة التي جاء بها الاحتلال من ان هذا التنظيم
البعثي لايعود لعموم العراقيين انما يعود الى طائفة دينية
واحدة.
قد يكون وضوحي وصراحتي شديدين ولكن هذه هي الحقيقة وهكذا تحلل
الجهات الاخرى هذا الواقع الذي لن يؤذي الا اعضاء التنظيم
ومناصريه ويزيدهم حيرة ومشاكل وهم يواجهون منفردين اكبر حملة
اجتثاثية لم يواجهوها من قبل . اما لماذا منفردين فيعود الى
عدم نجاح القيادة الشخصية للتنظيم في ايجاد روابط العمل الحزبي
وصلاته مما ادى الى ان تكون المواجهة بين الحزبيين كأشخاص
وأفراد وبين مجموعة المليشيات للأحزاب الوافدة كجهات مسلحة
ومنظمة. وهكذا قتل الحزبيون واحدا واحدا وقيادة التنظيم
الشخصية غائبة ومنقطعة عنهم وعن أي رد دفاعي او تحصيني.
واستشهد الآف الاعضاء في الوسط والجنوب والشمال ليس في معركة
مواجهة انما في عمليات غدر وقتل فردي بطريقة اقتياد الحزبي من
مسكنه او اطلاق النار عليه في الشوارع. لذا لا يوجد توثيق لهذا
الأمر ولا تعرف القيادة الشخصية العدد الحقيقي للشهداء من
الرفاق ولهذا الموضوع قصة أخرى.
وبصراحة أيضا فان
عدم تمكن القيادة الشخصية للتنظيم من النجاح في تنفيذ وصايا
الرفيق الأمين العام ورؤاه قبل استشهاده والتي وردت في الكتاب
من مثل " التوحد ضمن منهج مناهض للاحتلال مع كل التيارات التي
تعمل على وحدة العراق" وهذا هدف استراتيجي كبير يعي تماما
الطريق الصحيح لاعادة السيادة لبلادنا ونيلها الاستقلال ، يعود
الى عدد من الأسباب أهمها:
1. غياب القيادة
كمؤسسة، وعندما ظهرت تركزت في شخصية قيادية واحدة يتم الاتصال
بها عبر الانترنيت او الانتظار لأشهر لكي يتم لقاء لعرض موضوع
يتطلب موقفا سريعا فيكون الوقت المناسب للموقف المطلوب قد مضى
وانتهى.
2. انعزال القيادة
الشخصية عن محيطها التنظيمي وعن الأحداث والتفاعلات في وطننا،
لابل حتى داخل الجهاز الحزبي فكيف بالنسبة للاحداث الاقليمية
المحيطة والاحداث الدولية؟
3. تسبب انعزال
القيادة الشخصية في التورط بمواقف خاطئة عديدة لانها تتخذ
القرارات بمعزل عن المعطيات الحقيقية التي تدفقت بعد كارثة
زلزال الاحتلال معتمدة الرغبات المستندة الى ارضية خلافات
حزبية ومشاكل منذ اواسط الستينيات من القرن الماضي ولم يعد لها
وجود حالياً مما ادى الى تكرار مقولة محمد حسنين هيكل عن
الخميني من انه قذيفة انطلقت من القرن التاسع عشر ووصلت في
الثلث الاخير من القرن العشرين. ومعروفة هي النتائج التي جاءت
بها تلك القذيفة والمعضلات التي خلقتها وتسببت في موت الملايين
وتدمير بنى تحتية وما زالت تؤزم المنطقة عدا الكوارث التي
عاشها شعبنا العراقي وفي مقدمته ابناء الحزب ولحد هذه اللحظة
نتيجة عدم اكتمال صورة وفهم كيفية التعامل معها ومع ظروفها
التي خلقتها.
4. رفض اية وجهة
نظر لتقويم المسيرة السابقة.
5. حرمان الجهاز
الحزبي من ممارسة حقوقه التنظيمية كحق اختيار القيادات
الملائمة للمرحلة الراهنة والاستمرار بسياسة التعيينات بعيدا
عن النظام الداخلي مما جعل التنظيم كله يعيش حالة مرتبكة نظراً
لان التعيينات ليست مبنية على الكفاءة والمقدرة انما على اساس
المعرفة الشخصية او معرفة الوسيط.
6. استمرار تأثير
بعض من المزايدين والمداهنين في مكاتب المسؤوليات الخارجية
الثقافية والاعلامية الذين لايعلمون شيئا عن الساحة الداخلية
الا اسمها حيث يتواجد بعضهم على بعد الاف الكيلومترات عن الوطن
وقضاياه الساخنة لكنهم يصدرون البيانات ويتخذون المواقف
الغريبة والبعيدة عن الواقع من دون اية مسؤولية حيث انعكس ذلك
سلبا على التنظيم وعلى الحزبيين. وكمثال على بعض من هؤلاء فقد
تم ايفاد احدهم بمعية الرفيق الناطق الرسمي الى احدى دول
الخليج بمهمة للعلاقات لكنه ما ان قابل المسؤول الاول في تلك
الدولة حتى ترجاه ان يقبله لاجئا فيها متنصلاً عن مهمته ورفيقه
والنضال ضد الاحتلال. وقبل فعلاً لكونه مسؤولاً في احد المكاتب
الخارجية للتنظيم وهو اصلا قد عين بالمعرفة الشخصية على الرغم
من الاعتراض عليه لكونه احد المشرفين على قتل العديد من
الحزبيين القياديين سنة 1979 ومارس التعذيب بحق من بقي منهم
حيا بعد ان حكموا بالسجن لسنوات محددة اذ كان ينظم يومياً
عمليات تعذيب جسدي ونفسي راح ضحيتها مجموعة من الكادر المتقدم.
وبعض ممن عاشوا هذه القصة وتلقى التعذيب اليومي منه وشهد مقتل
رفاقه بعينيه مازال بيننا، فقد كان المذكور يأتي الى السجن
الخاص في ابو غريب ويصيح بالحرس (هل مازال هؤلاء المجرمين
احياء؟) ويأمر باخراجهم من زنازينهم لتبدأ عملية التعذيب
والضرب بالعصي والالات الجارحة عدا المسألة النفسية التي يندى
لها جبين النضال والاديان. فهل يصلح مثل هذا ان يستلم مسؤولية
في علاقات التنظيم الخارجية وهو لايصلح ان يكون حزبياً
بالاصل؟. ومن المسؤول عن هذا الاختيار غير الشخصانية وآلية
العمل الحالية بكل ثقلها ومخالفتها النظام الداخلي والشرعية
الحزبية التي ادت الى تعظيم المأزق الداخلي بقدر التعظيم
الانشائي والتأليه للرفيق امين السر الحالي الذي اطلق عليه
المداهنون القاباً لاتغني ولاتسمن منها خادم الجهاد والمجاهدين
على وزن خادم الحرمين الشريفين والمنتصر والمعتز بالله الى
اخره وكأننا في أواخر العصر العباسي قبيل انهيار الدولة
واجتياح المغول لبغداد متناسين اننا في الألفية الثالثة
وبدايات القرن الواحد والعشرين وان احتلالا مدمرا قد وقع على
بلادنا. والحق يقال ان الاجتماع الاخير لمكتب العلاقات
الخارجية قد اعترض ورفض خطوات تأليه الرفيق امين سر التنظيم
الحالي ودعا الى الاتعاض من تجربة التأليه السابقة.
واذا ما عدنا الى
مسيرة العمل الحزبي التي تجري على غير مفهوم الرئيس ،الوارد في
الكتاب، حيث ان فهمه أوسع وأوضح وأدق واكثر تشخيصا للمرحلة على
الرغم من وجوده في حينها داخل السجن الاميركي، نجد ان النقاط
الاتية تدلل على هذا الامر:
اولا: طالب بأن
يدعم الحزب جميع التيارات التي لا صلة لها بايران.
ثانيا: طالب
بتوضيح الامور امام التيارات والفصائل الدينية من ان الافتراض
" بأننا خصوم" اي التنظيم والتيارات الدينية " هو من اكبر
الاخطاء" ص307. وخاطبهم قائلا " لن نختلف معكم في امور الدين
".
ثالثا: وفي رسالته
الى المناضل امين السر حاليا أكد على" كنا دائما ندعو الى
الايمان .. وكان نهجنا عدم زج الدولة في المذهبية" ص 307.
رابعا: قال "
ينبغي للحزب .. ان يحث التيارات التي تعمل على وحدة العراق
للتوحد ضمن منهج مناهض للاحتلال" لذا " علينا ان نتعاون معهم
ونشجعهم" .
نقاط اربعة لابد
من التوقف عندها بشكل مكثف وأخص مسألتين.. الأولى هي المذهبية
والثانية هي الجبهة الاستراتيجية للتحرير. فبالنسبة الى الاولى
لم يتوقف الرفيق امين السر حاليا عن محاولاته زج التنظيم في
المذهبية وهو يكون بذلك على العكس من دعوة الرئيس صدام حسين
التي تضمنتها رسالته الشخصية اليه .. فما المقصود من ذلك غير
عزل التنظيم وتحطيمه وتفكيك منظماته عدا عن أن الفكر المتوارث
داخل التنظيم يرفض الطائفية والمذهبية تماما وان الفكر القومي
العروبي الوحدوي على النقيض من الطائفية والمذهبية التي يدعو
اليها .
وبالنسبة الى
ايجاد الجبهة الاستراتيجية لنيل الاستقلال واعادة السيادة فقد
صدرت مواقف بالضد من هذا الهدف منها مسألة المحاولة الجادة
لوحدة التنظيم ذلك المشروع الذي تداولته القيادتين القوميتين
بشكل استبشر فيه الحزبيون بحل معضلة كبيرة ، واذا بمواقف
وبيانات تصدر من الرفيق امين عام التنظيم يعتبر فيها مشروع
وحدة الحزب مؤامرة ضد الحزب!؟ متجاهلا ان القيادة القومية التي
وافقت على ان يكون وريثا للأمين العام بعد استشهاده هي التي
تقود خطوات المشروع.فمن هو الحزب اذن ومن هو الضالع في مؤامرات
ضده وكيف يكون مشروع وحدة الحزب بكل مواصفاته وأثره الكبير على
الواقع المتردي مؤامرة، ولماذا اعلن موقفه بعد ان بدأت
القيادتين القوميتين اجتماعاتهما في خطوات تمهيدية تجري للمرة
الثانية منذ سنة 1965 ثم 1979 لبحث آلية المسألة وليس قبل
ذلك؟.
الموقف المفاجئ
أحضر الى الذهن مأساة 1979 عندما اتهم نصف القيادة القطرية
واكثر من 70 من الكادر المتقدم من اعضاء المؤتمر القطري
والامين العام المساعد للقيادة القومية وعضو في القيادة
القومية (بمؤامرة) انتهت باعدام مجموعة من المناضلين الاكفاء
وسجن اخرين وموت بعضهم جراء التعذيب اليومي ولا احد يعرف
الحقائق اذ لم يحقق التنظيم في المسألة بل لم يسمح لاحد
بالسؤال عن الموضوع وهل هناك مؤامرة فعلا ام لا ومن هو الحزب
في هذه الحالة هل هو امين السر فقط ومجموعته الأمنية والبقية
لاعلاقة لهم به خاصة بعد اعدام نصف القيادة القطرية من دون
تحقيق قانوني او حزبي!!.
وبعد مضي هذه
السنوات وفي ظروف الاحتلال لم تتغير الصورة على الرغم من دعوة
الامين العام قبل استشهاده لاقامة تحالفات حقيقية وليست شكلية
فان الجبهة المنشودة بقيت بعيدة عن سلوك القيادة الشخصية
للتنظيم حاليا. ولا نعلم هل ان هذا الموقف نابع من عدم القناعة
بتوصيات الرفيق الامين العام قبل استشهاده ام من عدم اهمية
ووعي وجود جبهة بكل معنى الكلمة لادارة معركة اعادة السيادة
ونيل الاستقلال لبلادنا؟ .
واخيرا نسأل هل
سيظل التنظيم واعضائه المناضلين رهناء المحبسين؟ محبس الاحتلال
وحكوماته بكل ما تملكه من بطش اعمى وحقد على الحزب وفكره
العروبي الوحدوي الذي ادى الى قتل الألالف منهم، ومحبس عقلية
القيادة الشخصية التي وضعته ضمن اطار التراجع والتآكل والمصاعب
التي لم تنجح القيادة المذكورة في مواجهتها وفي اتاحة الفرصة
للتنظيم وللحزبيين الدفاع عن انفسهم بل جعلتهم يسيرون في
المجهول بدلا من مواجهة المشاكل المصيرية الجسام؟ .
المصدر :
دار بابل للدراسات والاعلام
|