أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف مقالات نقدية ..ورسائل تقيمية
 

 

مشاهدات عائد من بغداد وأربيل

 

أ . بشير السامرائي


عدتُ تواً من زيارة قصيرة لبلدي العراق بعد أن أمضيت 5 أيام في أربيل عاصمة اقليم كردستان العراق وثلاثة أسابيع في بغداد العاصمة.
هذه الزيارة جاءت بعد صراع نفسي هائل حيث كانت تعصف بي رغبة شديدة لرؤية بغداد المدينة التي طالما أحببتها، وبعد أن عاد الاستقرار والأمن اليها أو هكذا كنت أريد أن أصدق مما تردده أجهزة الاعلام الأمريكية والحكومة العراقية، وبين نصائح الأصدقاء والآخرين في عدم الزيارة وعدم تصديق أجهزة الدعاية الأمريكية والعراقية حيث أن العاصمة مهدمة وأن الخطر يهدد حياة كل مواطن والموت يتربص بالانسان العراقي المار في الشارع بدون تمييز.
وهكذا حسمت أمري وسافرت جواً من دبي الي أربيل حيث زرتها في العام الماضي، وسرعان ما هبطت الطائرة في مطار أربيل لاحظت تغيرات كبيرة من نظافة المطار ولياقة تعامل موظفي المطار الي التطور الهائل الذي تشهده المدينة من شوارع وحدائق وأبنية في كل مكان فهنالك القرية الأمريكية والانكليزية والايرلندية وهكذا. وفي مجال الخدمات العامة هنالك تحسن ملحوظ في خدمات الكهرباء والماء والأهم من كل هذا وذاك الأمن والاستقرار الذي تنعم فيه أربيل مما دفع كثير من عرب بغداد الي اللجوء الي اقليم كردستان هروباً من الحرب الأهلية وبحثاً عن الأمان ولذلك تجد المئات من أفضل الأطباء المتخصصين وأساتذة الجامعات والمهندسين الذين يعملون في أربيل والسليمانية ودموك.
هذه الصورة اللطيفة للحياة في كردستان العراق لا تخلو من بعض الشوائب والسلبيات حيث تسمع همس المواطنين الكرد عن الفساد المالي والاداري لبعض المسؤولين الأكراد مما دفع بمجموعة من كوادر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني علي التمرد علي القيادات التاريخية برئاسة الرئيس جلال الطالباني وخوض الانتخابات الخاصة بالاقليم والحصول علي نسبة 23% من مقاعد برلمان كردستان بقيادة السيد أنوشيروان مصطفي زعيم قائمة التغيير .
وبعد 5 أيام حزمت حقائبي متوجهاً الي بغداد جواً حيث استغرقت الرحلة قرابة الساعة وعندما حطت الطائرة أرض مطار بغداد بدأت أحس في الفرق الكبير بين الحياة في أربيل وبين الحياة في بغداد ، حيث كانت الصدمة الأولي في المطار حيث لا يسمح لأحد من أهلك ومعارفك لاستقبالك في المطار وذلك لأسباب أمنية ولذلك فعليك ركوب التاكسي الي ساحة عباس بن فرناس ومن هناك ركوب تاكسي آخر خاص ليقلك الي محل إقامتك وهنا واجهت الصدمة الأخري وذلك بوجود مراكز سيطرة للجيش والشرطة علي امتداد شارع المطار وفي كل مداخل ومنافذ هذا الشارع واغلاق كثير من الجسور ومداخل بعض الشوارع المؤدية الي ما يطلق عليها بالمناطق الساخنة كالعامرية وحي الجهاد والقضاة... الخ، حيث لا يسمح لدخول هذه الأحياء الا لسكانها وبعد ابراز هوية الأحوال الشخصية والتثبت من هوية الشخص.
وهكذا يعني أن المرحلة التي تستغرق نصف ساعة عادة يمكن أن تستغرق ساعتين أو أكثر.
بعد وصولي مقر اقامتي بصعوبة حاولت اقناع نفسي بضرورة هذه الاجراءات للحفاظ علي الأمن والاستقرار بعد الحرب الأهلية التي اشتعلت نيرانها في بغداد وكادت أن تحرق الخضر واليابس في العراق بعد تفجير مرقد الامامين علي الهادي وحسن العسكري (عليهما السلام) في سامراء في ظل ظروف غامضة الي اليوم حيث تشير أصابع الاتهام الي القاعدة والموساد!! .

السياسة والفساد
في صباح اليوم التالي زارني أحد أصدقاء العمر حيث تربطنا صلات كثيرة أقلها هو انتماءنا للمعارضة العراقية منذ نظام صدام ومشاركتنا الفعالة في اجتماعات بيروت ودمشق حيث دعاني الي حضور بعض الاجتماعات السياسية الصغيرة مع مجموعة اتحاد " المواطنين العراقيين " وهم مجموعة من شيوعيين سابقين وبعثيين يساريين وقوميين من عرب ومستقلين يجمعهم معارضتهم للطائفية السياسية والفساد المالي والاداري وهيمنة الأحزاب الكبيرة ونظام المحاصصة.
ومن بين أبرز رموز هذا التيار هو الدكتور كفاح الجواهري ابن شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري والأستاذ محمد الحبوبي وهو من المعارضين المستقلين المعروفين لنظام صدام حسين وهذا لم يرتبط بالأجنبي ولم يأت علي ظهر الدبابة الأمريكية كبعض قادة المعارضة الآخرين وأبن اخ الشاعر الكبير محمد سعيد الحبوبي أحد أبرز قادة الجهاد ضد دخول الانكليز للعراق وبينهم مجموعة أساتذة وأطباء في كليات الحقوق والطب.
وبينما تشق سيارتنا الطرق التي تعترضها نقاط السيطرة في كل مكان ووسط جدران كونكريتية عالية تعيد للذاكرة حائط برلين وجدران الفصل العنصري في فلسطين المحتلة رحت اسأل نفسي هل هذا ما تعلمه المحتل الأمريكي من الاسرائيليين؟ ثم لماذا أقام الأمريكيون الدنيا ولم يعقدوها عندما شيد السوفيات حائط برلين وها هم الآن في العراق يشيدون الجدران في كل مكان!! .
إن نقاط السيطرة والتي تتجاوز 500 (خمسمائة) نقطة وجدران الفصل ساهمت في حالات الاختناقات المرورية القاتلة والتي أدت في حالات كثيرة الي حالات الموت لعدم تمكن المرضي والمصابين من الوصول الي المستشفي في الوقت المناسب.
وأثناء مرورنا في الطرق المؤدية الي الكرادة حيث مقر الاجتماع الذي قصدناه وسط الشوارع المحفرة بدا كل شيء في بغداد رمادي اللون ووجوه الناس متجهمة وبائسة بدأت بالتوجه بالسؤال الي صديقي الذي يدفعه الحماس الي عمل شيء ما للمساهمة في انقاذ ما تبقي من العراق، قلت له ما هذا وما الذي جري للعراق يا صاحبي؟
تنهد صديقي وأجابني بمرارة لقد أوفت الولايات المتحدة بوعودها علي لسان جيمس بيكر عندما قال لطارق عزيز في اجتماع جنيف عشية اندلاع حرب الخليج الأولي " اذا ما اندلعت الحرب فإن أمريكا ستعيد العراق الي العصر الحجري ".
وهذا ما حدث تماماً من تحطيم كامل للبني التحتية من كهرباء وماء واتصالات ثم حصار اقتصادي خانق لم يشهد له مثيلاً تسبب في موت مئات الآلاف من الأطفال والشيوخ والمرضي وتجويع لكل العراقيين بدون تمييز وتحطيم كامل للاقتصاد، واستمر صديقي في القول أن أمريكا نكثت في المرة الثانية بوعودها علي لسان جورج بوش الأبن من جعل العراق واحة ونموذجاً للديمقراطية والحياة الكريمة في الشرق الأوسط، فلم يكتف الأمريكان بتدمير العراق اقتصادياً واجتماعياً بل زرعوا بذور الفتنة والألغام في تأسيس نظام محاصصة طائفي ادخله في صراع طائفي وعدم استقرار دائمين فبالرغم من أن الحرب الأخيرة علي العراق كانت تفتقد الي الشرعية الدولية حيث أخذت الولايات المتحدة وبريطانيا علي عاتقها شن حرب عدوانية علي بلد مستقل وعضو مؤسس لمنظمة الأمم المتحدة تحت ذرائع كاذبة تماماً . برغم ذلك كان كثير من العراقيين يأملون أنفسهم بأن هناك ضوءاً في نهاية النفق المظلم بالرغم من الثمن الباهض من تدمير وموت واحتلال إن كان هنالك ثمرة من اعادة الأمن والاستقرار والحياة الطبيعية للناس من اعادة بناء الخدمات الكهربائية والماء وبناء نظام سياسي مدني يقوم علي أسس دولة القانون والمؤسسات في ظل دستور حديث يضمن المساواة لجميع المواطنين بغض النظر عن الانتماء الديني أو المذهبي أو القومي للمواطن أسوة لما حدث في اليابان والمانيا بعد الحرب العالمية الثانية أو هكذا كان يأمل الكثير من العراقيين وهذا ما يفسر انعدام أو ضعف المقاومة المسلحة في الأسابيع الأولي للاحتلال وكم كانت خيبة العراقيين.
ولكن خيبة العراقيين مريرة في " المحرر الأمريكي" حيث سارع الاحتلال الي حل معظم مؤسسات الدولة العراقية من جيش ووزارات ومؤسسات حفظ النظام والأمن من شرطة وحرس الحدود وتم تسريح مئات الألوف من موظفي الدولة وأصبحوا وعوائلهم بين ليلة وضحاها بدون مصدر رزق وانتشرت الجريمة المنظمة وضاع الأمن وبدلاً من أن تسلم الولايات المتحدة ادارة العراق الي عهدة منظمة الأمم المتحدة اختارت الي أن تكون الدولة الاستعمارية الوحيدة في القرن الواحد والعشرين والذي أدي الي نشوء ونمو المقاومة المسلحة.
وبدلاً من أن تسارع سلطة الاحتلال الأمريكي البريطاني الي اعادة الخدمات الحيوية كالكهرباء والماء والاتصالات والتي كانت هي التي سببت تدميرها سارعت الي انشاء ما يسمي بـ " مجلس الحكم من الشخصيات التي تعاونت ونسقت مع قوي الاحتلال ما قبل الحرب وبعدها وهكذا بوشر في تأسيس نظام طائفي سياسي مقيت يحمل بذور الفتنة والاحتراب الدائم بين مكونــات المجتمع عملاً بمبــدأ " فرق تسد " بحيث يمسك المحتل بكل خيوط ادارة الأزمات ليصبح هو الحكم والراعي الذي تلجأ اليه كل الأطراف.
وهكذا تم تسليم الحكم الي أحزاب دينية يمينية لا تمتلك أي برامج سياسية أو اقتصادية واجتماعية غير المتاجرة بالشعارات الدينية وحجمت الأحزاب المدنية والعلمانية وبدلاً من أن تؤسس الولايات المتحدة لدولة المواطن والمؤسسات والقانون بحيث يكون صوت واحد لكل مواطن واحدا شرعت الي دستور مشوه وملغوم وساهمت في خلق نظام طائفي سياسي يتحدث عن مكونات وطوائف بينما يحرم الدستور الأمريكي التمييز الديني أو العنصري ويؤكد علي المساواة التامة بين المواطنين فليس هنالك تميز في الولايات المتحدة بين كاثوليكي وبروستانتي بل أن الجميع متساوون أمام القانون بينما كرسوا في العراق الطائفية السياسية عملاً " بمبدأ فرق تسد " وتم اختزال الديمقراطية الي اجراء انتخابات صورية علي عجل في ظل حراب الاحتلال وغياب الأمن والحرية لتكون هذه الانتخابات اقرب منها الي استفتاء طائفي منه الي انتخابات حرة ونزيه وحيث تم اعداد نظام انتخابي هدفه تكريس الطائفية السياسية حيث عمل بنظام القائمة المغلقة، بحيث يصوت الشيعة للقائمة الشيعية والسنة للقائمة السنية والكرد للقائمة الكردية .

النخب السياسية
كل هذا لاضفاء الشرعية علي الاحتلال وسياساته وحماية عملائه وللامعان في التخريب وافساد النخب السياسية ثم رشوة هؤلاء بطرق شتي ليس اقلها هو منحهم رواتب ومزايا خيالية لأعضاء ما يسمي بالبرلمان ولقد صدق الشاعر العراقي المعروف معروف الرصافي عندما قال:
علم ودستور ومجلس أمة كل علي المعني الصحيح محرف
من يقرأ الدستور يدرك أنه وفقاً لصك الانتداب مصنـــف
ولعل أروع تصوير لواقع الحكم بعد سقوط نظام صدام حسين هو في رواية " حديقة الحيوانات " الكلاسيكية للكاتب المعروف جورج أرويل حيث تحدثنا الرواية بعد أن تمكنت الحيوانات بالثورة والخلاص من سيدها مستر جونس تحولوا الي أكثر من مستر
Jones واحد!!!
وهكذا منح هؤلاء في بغداد لأنفسهم وذويهم الامتيازات الخيالية وانتشر الفساد المالي والاداري بحيث أصبح العراق من البلدان الأكثر فساداً في العالم حسب منظمة الشفافية العالمية وبينما كان في العراق صداماً واحداً أصبح هنالك ألاف من صدام كما يردد العراقيون.
وهذا وبعد 6 أعوام من سقوط النظام السابق لا زالت بغداد تعاني من انقطاع الكهرباء والماء والاتصالات ولا زال الأمن هشاً وهي تتربع علي بركان يمكن أن يتفجر أية لحظة حيث شهدت بغداد انفجاريين هائلين هزا العاصمة وتسببا في فقدان الكثير من الضحايا والجرحي بالرغم من وجود 500 (خمسمائة) مركز سيطرة ومئات من جدران الفصل والعزل.
هذا في الوقت الذي يعيش أعضاء الحكومة والبرلمان في المنطقة الخضراء جنباً الي جنب الي اكبر سفارة أمريكية في العالم في عزلة تامة عن حياة المواطنين اليومية وغير أبهين بما يعانيه المواطن العادي، وعندما يضطر المسؤولين للتنقل في شوارع بغداد فهم يتنقلون بمواكب من السيارات المصفحة بعشرات السيارات وبسرعة جنونية تزيد من حركة المرور اختناقاً وارتباكاً وتنشر الذعر في قلوبهم ولعل مقالة الصحفـي الأمريكــي
ROD NORLAND في صحيفة نيورك تايمس NOV 27-2009) ( عن معالم الحياة في بغداد بعنوان " كيف أن احدي حدائق بغداد الكبري تحولت الي مقبرة مليئة بالأحزان " .
تصف الحياة بشكل دقيق حيث تحولت هذه الحديقة الكائنة خلف جامع أبي حنيفة الي أكبر مقبرة لتضم الآلاف من الضحايا الذين سقطوا بعد "التحرير"!!
ولكن في الجانب الآخر يعيش أعضاء الحكومة والبرلمان في عالم آخر تماماً لا يمت للحياة في العراق بصلة وأن اردت أن تتفهم واقع الهوة التي تفصل حياة هذه الطبقة الجديدة التي تكونت ما بعد الاحتلال فما عليك الا أن تدرك أن راتب عضو مجلس النواب العراقي يتجاوز عضو مجلس النواب والشيوخ الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي حيث يبلغ عشرون الف دولار شهرياً في بلد نسبة البطالة فيه أكثر من 50% ويبلغ معدل دخل الفرد فيه 4000 دولار (أربعة الآف) سنوياً بينما يبلغ راتب عضو الكونغرس بـ 14 دولار.
0 500 شهرياً في بلد يبلغ متوسط دخل المواطن الأمريكي بـ 47.580$ وحيث يدفع عضو مجلس النواب الأمريكي ضرائب تتجاوز 33% من دخله لا يدفع العضو العراقي أية ضرائب !!!
وهكذا يعيش أعضاء الطبقة الحاكمة في ما يسمي بالمنطقة الخضراء حيث يخشون علي حياتهم وعوائلهم تسكن في لندن وبيروت ودمشق ودبي وطهران وعمان بينما يعيش العراق في دوامة حيث ليس هنالك من حكومة مركزية فعالة بل أن النظام السياسي هو في حالة احتضار حيث ينتقل من أزمة الي أخري تحت رعاية الراعي الأمريكي أو هكذا أريد له . حيث عجز بما يسمي البرلمان من المصادقة علي قانون الانتخابات بعد اجتماعه للمرة العاشرة وبحضور السفيرين الأمريكي والبريطاني حيث أعلن السفير الأمريكي كرستوفر هيل علي الملأ بأن البرلمان سوف يمرر هذه المرة قانون الانتخابات حتي قبيل انعقاد الاجتماع وفعلاً فقد تمت المصادقة علي القانون من طرف البرلمان لولا نقض الهاشمي أحد نواب الرئيس له ليعيده للمربع الأول وذلك بسبب اعتراض الهاشمي علي عدم مساواة أصوات المهجرين في الخارج والتي عجزت الحكومة علي توفير الحماية والأمن لهم في العراق والذي يتراوح عددهم الي اكثر من 4 ملايين مواطن في الانتخابات القادمة وذلك لخشية أحزاب الحكومة من أن نتائج تصويت هؤلاء المهجرين لربما يغير من المعادلة السياسية في العراق .
لقد اغفلت بعد هذا السرد الطويل لأن أعرج علي فضيحة كتابة الدستور الذي يتباهي به الأمريكان وأعوانهم حيث تحدثت صحيفة نيويورك تايمس في عددها الصادر في 11 نوفمبر 2009 وهي أن
Peter Golbreith وهو من العناصر الأساسية في صياغة الدستور من الجانب الأمريكي والذي كان يدعوا لفدرالية الأقاليم كان في ذات الوقت يمثل شركة نفط نروجية عاملة في كردستان بحيث حصل علي حصة 10% (عشرة في المائة) من قيمة نفوط كردستان تقديراً لأتعابه وهذا يترجم الي مئات الملايين من الدولارات، ومن الجدير بالذكر بأن كلبرث كان مساعداً لنائب الرئيس الأمريكي الحالي جو يايدن عندما كان رئيساً للجنة الشؤون الخارجية وهو الذي أثر علي أفكار بايدن في تقسيم العراق الي ثلاثة أقاليم أثنية ومذهبية ومؤلف كتاب "نهاية العراق".

مستقبل العراق
(بالمناسبة ليس من بين كتاب الدستور المسخ من عراقي الداخل من أصحاب الكفاءات والأساتذة بل جميعهم من الذين جلبهم الاحتلال وتدربوا في مشروع احتلال العراق للخارجية الأمريكية) فتصور يا صديقي.
وعندما حان موعد سفري من بغداد بعد أن شاهدت وسمعت روايات كثيرة ومؤلمة أدت الي أصابتي في الكآبة وفقدان الأمل في مستقبل العراق بالرغم من أعجابي واحترامي الكبيرين لهذا الشعب العظيم الذي عاني ما لم يعانيه شعب في العالم وبقي صامداً بوجه الاحتلال ومحبطاً لكل محاولات تقسيم العراق ومتحداً ضد من أرادوا أن يقودوه الي حروب أهلية، حيث أنك لا تلمس في بغداد وبين الناس الروح الطائفية بل فقط في عقول فرسان المنطقة الخضراء.
حزمت حقائبي لأعود للمهجر من جديد وفي صبيحة يوم السفر كان علي ترتيب سيارة تقلني الي ساحة عباس بن فرناس والتي تبعد أقل من عشرة دقائق الي مطار بغداد استغرقت الرحلة الساعة والنصف للتوقف والنزول من والي الـ
Bus الخاص طيلة 6 مرات تم خلالها انزال الحقائب في كل مرة لفحصها بواسطة الكلاب البوليسية الأمريكية ووسط نكات العراقيين التي لا تخلو من السخرية والاستهزاء " من أن هذه كلاب أمريكية بنات عشائر أصلية " بعد أن حذرنا المسؤول عنها بأن علينا الحذر لأن هذا الكلب هو ذو مزاج غير جيد اليوم.
وأنا في الطريق الي دبي رحت أراجع نفسي وأطرح عليها نفس السؤال الذي أثار الجدال بين العراقيين وغيرهم والسؤال هو هل أن ما حدث في العراق منذ الحرب العراقية ? الايرانية الي حرب الكويت الي الحرب الأخيرة وما تبعها من " فوضي خلاقة " هو محض صدفة وغباء صدام وجهل وسذاجة بوش الأبن؟ أو أن كل هذا هو نتيجة تخطيط محكم وليست مجرد أخطاء أرتكبها بوش الأبن ومساعدوه من المحافظين الجدد؟
وهنا بدئت استرجع ذاكرتي في كلمات رئيس الموساد السابــق ووزير الداخليــة الاسرائيلي
AVI DICHTER في محاضرة القاها في معهد الأمن القومي الاسرائيلي في 4 سبتمبر 2008م .
وهنا أنقل لك النص كما ورد في هذه المحاضرة وأترك لك يا صديقي أن تستنتج في كل ما جري ويجري اليوم في الساحة العراقية.
" نحن لم نكن بعيدين عن التطورات فوق هذه الساحة منذ عام 2003م ، هدفنا الاستراتيجي ما زال هو عدم السماح لهذا البلد أن يعود الي ممارسة دور عربي واقليمي لأننا نحن أول المتضررين .
سيظل صراعنا علي هذه الساحة فاعلاً طالما بقت القوات الأمريكية التي توفر لنا مظلة وفرصة لكي نحبط أية سياقات لعودة العراق الي سابق قوته ووحدته ".
ثم يسترسل بالقول " نحن نستخدم كل الوسائل غير المرئية علي الصعيد السياسي والأمني، نريد أن نخلق ضمانات وكوابح ليس في شمال العراق فحس بل في العاصمة بغداد "نحن نحاول أن ننسج علاقات مع بعض النخب السياسية والاقتصادية حتي تبقي بالنسبة لنا ضمانة لبقاء العراق خارج دائرة الدول العربية ".
ثم يختتم
AVI DICHTER بالقول " نحن نتفاوض مع الأمريكان من أجل ذلك، من أجل قطع الطريق أمام عودة العراق ليكون دولة مواجهة مع اسرائيل . الادارة الأمريكية حريصة علي ضمان مصالحنا وعلي توفير هذه الضمانات عبر وسائل مختلفة "
وهكذا يا صديقي العزيز أبعث اليك رسالتي هذه بعد عودتي من عراق جريح ومفكك وحزين وقد امتلأ قلبي قيحاً وألماً لادراك أحوال بلد كان اسمه العراق.

المصدر : الزمان

 

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©