|
أيها الصدريون ..اصبروا وصابروا ورابطوا
بذكاء غير مفرط يمكن للمتابع أن يفهم شكل وحجم الجنين
الذي ستتمخض عنه الخارطة السياسية العراقية ، وبقراءة أقل
جهداً من التمحيص يمكن لنا أن نفهم بأن تباشير الغد تنبئ بأيام
لله سيضطلع الصدريون بقيادها في المستقبل القريب ، وليس لأحدنا
أن يتقمص دور (نوستر آداموس) ليتنبأ بذلك ، ولا داعي لأحدنا أن
يضع أمامه (الدرة المسحورة) ويخفت الأضواء مردداً (جلجلوتيات)
إحضار الأرواح والأشباح ليفهم أن البقاء للأصلح .
لقد كان لسقوط السلطة الديكتاتورية في العراق أثراً
واضحاً على انبلاج التهافتات التي كانت تتلجلج في سماء العراق
من قريب ومن بعيد ، وكانت تناغم معاناة العراقيين ، مرددة في
دهاليز الخوف والغربة بأنها هي الأصلح ، وهي الأوفى ، وهي
الأحسن ، وهي الأكثر إخلاصاً ، وهي ، وهي ، وهي ، ولكن لله في
خلقه شؤون ، وله إرادة لابد أن تتحقق ، وله أمر هو بالغه .
المتمسحون بعباءة العروبة ، والمتمسحون بعباءة الكرد ،
والمتمسحون بعباءة التشيع ، والمتمسحون بعباءة التسنن ،
والمتمسحون بعباءة الصدرين الشهيدين ، والمتمسحون بعباءات
مختلفة ، كلهم ، شاء الله لهم أن يقتسموا مقاليد العراق في
السنين العجاف الست الماضية ، لكي لا يبقى للمعتب من مستعتب ،
وكي يخرس من كانوا يقولون ((يا ليتنا كنا نحكم العراق)) ، وكي
يصمت إلى الأبد من كانوا يستنكرون على الظالم ظلمه ، وهم أشد
منه ظلماً .
وعلى رأي المولى المقدس (محمد محمد صادق الصدر) ، حين
كان يتسائل عما يمكن أن نفعله لو ((عُرضت علينا دنيا هارون
الرشيد ..وهل كنا سنمتنع عن قتل الإمام موسى بن جعفر ؟)) وصدق
هذا الرجل المكتسب العصمة ، فقد وضعنا على المحك في تساؤله هذا
، وأخجل فينا إدعاءاتنا الكاذبة .
صحيح أن الدنيا لم تلق إلى الصدريين بمقاليدها ، ولكن
البعض من المتمسحين بعباءة الصدريين استطاعوا في يوم ما أن
يتسلقوا أسوار المنهج الصدري كاللصوص ، وأن يختزلوا المبادئ
بالرغبات الشخصية ، وأن يجعلوا من مصالحهم هدفاً فوق كل
الأهداف ، وأساءوا للطيبين والشرفاء من أتباع المنهج الصدري
أيما إساءة ، في وقت كان فيه الصدريون الحقيقيون مشغولون بالهم
الوطني والإنساني ، مترفعين ومستقذرين كل ما يمكن أن يستفز
لعابهم للسيلان من أجل الدور المزخرفة أو المركب الفارهة أو
جعجعة بالسلاح بوجه الفقراء (أو ربما شراء برج في دبي ، أو شقة
في ساحة الميكاديللي) ، وهؤلاء مكشوفون وإن دفنوا رؤوسهم
كالنعام في التراب ، وهم الذين يصدق عليهم قول السيد القائد
مقتدى الصدر في شكواه لأبيه المولى المقدس في ذكرى استشهاده
حين قال :- ((وأما أتباعك ، فمنبرك قد هجروا ، وحوزتك قد
احتقروا ، وأخوتهم قد قتلوا ، والفقراء قد ابتزوا)) .
هؤلاء الانتهازيون ، غير المنتمين لمنهج الصدر المقدس
، والمتمسحون بعباءة الصدريين النقية الناصعة ، هم الذين
انشطروا بعد المحنة إلى شطرين يبعثان على الغثيان ، فشطر آثر
أن يكون ذيلاً لأهل النعمة ، وبدأ يرجع لأصله حين بدأ يمارس
دور (الدليل) على الصدريين الشرفاء ، وأخذ يبدع بدور (العلاسة)
في زمن الخيبة .
وشطر آثر أن يهرب بالجمل وما حمل إلى الخارج ، تاركاً
أخوته تحت مطارق الظالمين والحاقدين ، مؤثراً العافية ،
ومردداً بينه وبين نفسه (في الشجاعة لم أجرب نفسي ، ولكنني في
الهزيمة كالغزال) ، وبذلك يكون قد حمل الصدريين مغبة اعتداءاته
، ودفع بالصدريين الشرفاء نحو الهجرة بدينهم نحو بلاد الله
العريضة ، أو نحو البقاع الآمنة بانتظار أن يأذن الله لهم
بالعودة .
ليس بوسع أي أحد أن ينكر بأن هناك ثمة متلصصين
ومتقافزين يمكن أن يستغلوا حمحمة الخيول وغبار الميدان من أجل
أن يتسللوا إلى دهاليز المصالح الشخصية ، وبذلك ، يصبحوا مدعاة
لجلب الفتنة ، وسلب التوفيق منهم ومن غيرهم ، وأشدها هي الفتنة
التي لا تصيبن الذين ظلموا خاصة ، بل تعم حتى الطيبين .
الآن ، وبعد أن أثرى من أثرى ، وأمتص المنافع من
امتصها ، لم يبق غير أن تتطاير الأوراق ، وتنكشف السرائر ،
وليس أبناء المنهج الصدري بغافلين عن الشخوص التي تتلوى
كالأفاعي لتحاكي (البيئة) ، وهم ليسوا ببعيدين أو غافلين عن
التفريق بين رجال المقاومة الحقيقيين المرابطين الثابتين ،
وبين الذين كانوا يحملون السلاح ليعوضوا عن نقص في نفوسهم
المريضة ، وليسوا عاجزين عن التفريق بين من كان يسعى سعي
الأنبياء ليحافظ على اسم ومنهج (الصدر) المقدس ، وبين من كان
يستغل هذا الاسم كي يبتز نظراءه في الدين والوطن والإنسانية .
الانتهازيون ، هم أقدر الناس على التنصل من الآثار
المترتبة على المواقف ، وهم أسرع الناس بيعاً للمبادئ والثوابت
، وهم أكثر الناس خبرة بالمتاجرة ، وهم أشد الناس قدرة على
التلون ، ولكن ، في نفس الوقت ، هم أكثر الناس انكشافاً تحت
الأضواء ، لأنهم غالباً ما يمارسون دور (العميان) فيتحركون
حركات هجينة ، ظناً منهم بأن الآخرون (عميان) مثلهم ولا يرونهم
، بيد أن الآخرين يرونهم بوضوح ، ويعرفون سر تحركاتهم ، ولكن
لكل وقت آذان ، ولكن موعد ملف
الآن أيها الصدريون الحقيقيون ، يا أتباع محمد الصدر ،
حصحص الحق ، وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ،
وكما قال ويقول المثل العراقي (ذهب الكثير .. وبقي القليل) ،
ووشيكاً سينبلج صبحكم الإنساني ، ولن تلبثوا إلا ريثما يـُركب
الفرس ، فتكون لكم الكرّة عليهم ، وسيمددكم الله بأموال وبنين
ويجعلكم أكثر نفيرا ، فقد اخترتم لأنفسكم طريق (يا ليتنا كنا
معكم) ، وأثبتم أنكم كنتم وما زلتم بها ولها ومنها وفيها ،
قتلاً ، وحرقاً ، وتهجيراً ، وسبياً ، وصبراً ، واعتقالاً ،
وتعذيباً ، وهتكاً ، وقدمتم الأنموذج الصادق لهذه الـ (يا ليت)
دون غيركم ، وتعديتم حدودها في أحايين كثيرة وفي مواقف كثيرة
تدل عليها ممارسات التعذيب اللاإنسانية والـ (لا أخلاقية) التي
يمارسها معكم أصحاب مقولة (يا حسين ..قلوبنا معك ، وسيوفنا
عليك) بشكل قد يستغربه حتى قتلة الحسين أنفسهم .....فصبر جميل
.
أيها الصدريون المهجرون (وأشباهكم فاكهون وادعون
آمنون) ، أيها الصدريون المهاجرون (وأخوتكم يبنون مساكن
الظالمين) ، أيها الصدريون الذين يعانون ضيق الزمن (والبعض
يرتاد أندية التسالي) ، أيها الـ تدفعون فواتير مواقفكم (وهناك
من يصافح عدوكم بحرارة) ، أيها الـ لا تجدون ما تسدون به رمق
أطفالكم (في وقت تتطاير فيه الملايين بأيدي من تسلقوا على
أكتافكم) ، أيها الـ تهربون من مالكي البيوت الضيقة التي
تسكنونها حين يأتي موعد دفع بدل الإيجارات (والانتهازيون فيكم
يشترون الأملاك في بلدان مجاورة) ، أيها المحتارون بأجرة النقل
لحضور صلاة الجمعة (والحيتان تتقلب بين السيارات لتختار أكثرها
فراهة للتنقل) ، أيها الـ تتقافزون بين سطوح البيوت هاربين من
الاعتقال والقتل (وغيركم يتنقل بين مكاتب – العقارات - بحثاً
عن بيت أكثر حداثة) ، أيها الصدريون الـ يحتاجون لكلمة محبة
وتصبير وتشجيع (وغيركم أغلق موبايله بوجهكم) ، أيها الصدريون
الـ واضعون حب الله ورسوله والدين والمذهب نصب أعينهم (وغيركم
يضع المال والثراء والجاه نصب عينيه) ، أيها الصدريون الـ
يعتقدون بأن كل الجدوى تكمن في مقاومة المحتل (وغيركم يرى لا
جدوى من مقاومة المحتل) ، أيها الصدريون الـ يبحثون عن عز
الدنيا والآخرة (بيد أن غيركم يرى العز محض وجع رأس) ، أيها
الصدريون ..أيها المرابطون .. أيها الثابتون .. لكم المستقبل ،
وهو عنكم ليس ببعيد ، إن هي إلا أشهر ، وما الأشهر في عمر
المبادئ بكثير .
خذوها مني أخاً لكم ، ولا تستيئسوا ، واخلصوا لله
نجياً ، ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تكفروا ، واعلموا أن المولى
المقدس (محمد الصدر) حين قال بأن (الدين في ذمتكم ، والمذهب في
ذمتكم) فهو لم يضع منتهى أو مقاييس لهذه الذمة ، ولم يجعل لها
حدوداً أبداً ، وأغلب الفهم أن الدين والمذهب هنا لا متناهيان
، وهما يعنيان (الحب ، والأخوة ، والإيثار ، والوطن ،
والإنسانية ، والشراكة في الوجود) ، ولئن أصابكم قرحٌ فقد أصاب
القوم قرحٌ مثله ، وسيعلم الخائنون ، والذين ظلموا أي منقلب
ينقلبون .
وشيكاً ، حين ينبلج بوجهكم صبح الخلاص ، ستصبح
معاناتكم وتشردكم وتهجيركم وهجرتكم وخوفكم وجوعكم وفقركم
ومآسيكم محض ذكريات ، وفصص تتذاكرونها في ليالي انتصاراتكم
المقبلة إن شاء الله ، وسيشارككم شهداكم ومعذبوكم ومعتقلوكم
فرحة الإنعتاق والإنبثاق ، ووشيكاً ستنعقد حلقاتكم لتتذكروا
سوداوية هذه الأيام التي تعيشونها تحت مطارق الظالمين ،
وستشيرون بأصابعكم المزدانة الخناصر نحو من كان (..........)
ثم الصمتُ ..فالخبر ُ.
أيها الصدريون العراقيون المؤمنون ...الصبح آت
..فاصبروا وصابروا ورابطوا ، وترقبوا رياح الحق التي ستذهب
بالزَبَدَ جفاءً ، بعد أن كان هذا الزبد طافياً على مواقفكم
الوطنية الإنسانية الرائعة المختنقة تحت طائلة ضربات
الإنتهازيين ، وعندها سيعرف العالم من هم أتباع محمد الصدر
الحقيقيين ، ولن تخفي الشمسَ غرابيل المنتفعين .
راسم المرواني
المستشار الثقافي لمكتب السيد الشهيد (قده)
العراق / عاصمة العالم المحتلة
|