|
أزمة
العملية الاجتهادية
بين التخطئة والتصويب
الحلقة الثانية
لسماحة آية الله العظمى السيد احمد الحسني البغدادي
ــ دام ظله ــ
(ب) نظرية المعتزلة ..
2- مبدأ التخطئة .. وحجيته
3- مبدأ المصلحة السلوكية .. ومناقشته ..
(ب) نظرية المعتزلة :
حصيلة ما ذهبوا اليه هو : ان يكون هنالك احكام تشريعية واقعية
مشتركة بين العالم ، وغيره .. قبل حصول ظن المجتهد ، الا انه
تحدث على وفق نظرية المجتهد مصلحة ، أو مفسدة غالبة على مصلحة
الواقع ، أو مفسدته ، وتغدو الاحكام فعلية على وفقهما دون
الواقع ، وتكون الاحكام التشريعية الواقعية باقية في مرحلة
الشأن :
قال أبو حامد الغزالي :
(( وذهب قوم من المصوبة الى ان فيه حكماً
معيناً يتوجه اليه الطلب ، اذ لابد للطلب من مطلوب ، لكن لم
يكلف المجتهد اصابته ، فلذلك كان مصيباً ، وان أخطأ ذلك الحكم
المعين الذي لم يؤمر بأصابته ، بمعنى انه : لأدى ما كلف فأصاب
ما عليه ))(179) .
وقد نسب فريق من متأخري اعلام الفكر الامامي هذه النظرية الى
المعتزلة . بيد انا نجد الغزالي نسبها الى الشافعي ..
حيث كتب قائلاً :
(( وأما المصوبة فقد اختلفوا فيه فذهب
بعضهم الى اثباته ، واليه تشير نصوص الشافعي (رحمه الله) ،
لانه لا بد للطالب من مطلوب ، وربما عبروا عنه بأن مطلوب
المجتهد الاشبه عند الله تعالى والاشبه معين عند الله ))(180).
ان هذه النظرية تسمى بـ((التصويب المعتزلي)) .. وفي واقع
الحقيقة انها وان كانت جائزة في عالم الثبوت ، وانها غير
مستلزمة للاستحالة العقلية .. كادور والخلف، الا انه لا دليل
عليها اثباتاً ، بل الاجماع من قبل الامامية ، وتواتر النصوص
على خلافها .
2- مبدأ التخطئة .. وحجيته:
اطبقت كلمة الامامية ، وحشد كبير من
فقهاء أهل السنة والجماعة (181).
على ان لله تعالى في كل واقعة حكماً واحداً ، والمجتهد قد
يخطيء ، وقد يصيب ، فان اصاب فله اجران ، وان اخطأ فهو معذور ،
ولاإثم عليه ، وله أجر واحد .
وقد بينا فيما سبق مناقشة مبدأ التصويب
الاشعري بأدلة(182)وتعتبر تلك الادلة على ما يظهر
أدلى على حجية مبدأ التخطئة كذلك .
3- مبدأ المصلحة السلوكية .. ومناقشته :
من أقسام السببية .. والموضوعية الذي لا ينافي مبدأ التخطئة
ولا يرجع الى مبدأ التصويب ( لأن الواقع باقٍ على حاله ) هو:
القول بـ((المصلحة السلوكية)) . وقد اختار هذا القول من
الامامية الشيخ الانصاري .. وملخصه :
لا شك في ثبوت الحكم التشريعي في الواقع يشترك فيه العالم
وغيره .. ونهوض الامارة على خلافه لا يقتضي إنقلابه عما هو
عليه من المصلحة ، أو المفسدة ، لكن تكون مصلحة في السلوك على
وفق الامارة يتدارك بها المقدار الفائت (الذي يفوت الانسان
المكلف) من المصلحة الواقعية عند خطأ الامارة ، وعدم اصابتها
للواقع ، والمصلحة السلوكية تختلف باختلاف مقدار السلوك .
فمثلاً : اذا نهضت امارة على وجوب صلاة الجمعة ، وأتى بها
المكلف ، ثم انكشف الخلاف ، لانكشاف عدم حجيتها ، وان الواجب
عليه صلاة الظهر ، وانكشاف الخلاف يغدو على صور :
أولاً : قد يكون في الوقت (بعد مضي وقت الفضيلة) ، فيكون
المقدار الفائت من مصلحة الواقع فضيلة أول الوقت ، وهي :
متداركة بالمصلحة السلوكية دون مصلحة اصل الفعل ، فيجب حينئذ
الاعادة .
وثانياً : قد يكون بعد خروج الوقت ، فالمتدارك هو : مصلحة
الوقت دون مصلحة أصل الصلاة ، فلا بد حينئذ من القضاء .
وثالثاً : اذا لم ينكشف الخلاف اصلاً كان تمام مصلحة الواقع
(مصلحة أصل الفعل) متداركة بالمصلحة السلوكية .
قال الشيخ الانصاري:
(( ألاّ يكون للأمارة القائمة على
الواقعة تأثير في الفعل الذي تضمنت الامارة حكمه ، ولا تحدث
فيه مصلحة ، الا ان العمل على تطبق تلك الامارة ، والالتزام به
في مقام العمل على انه هو الواقع ، وترتيب آثار الشرعية
المترتبة عليه واقعاً يشتمل على مصلحة ، فأوجبه الشارع ))(183).
ان هذه النظرية لا إستحالة فيها في عالم الثبوت .. الا انه لا
دليل عليها إثباتاً .. ولكن عدم استحالتها ثبوتاً وواقعاً لا
يكفي الايمان بها اثباتاً .. والذي يمكن التسليم به في عالم
الاثبات هو : القول بالطريقية والكاشفية في الامارات .
|