|
بين السيستاني وسليماني .. والقوائم المفتوحة والمغلقة
.. الى أين سنصل ؟!..
أ. علي الحمداني
لم يعرف تاريخ الإنتخابات التشريعية في العالم نظاماً
يسمى بالقوائم المغلقة .. أي إنتخاب أرقام فقط تمثل حزب أو
كتلة سياسية أو إئتلاف كتل وأحزاب بدون معرفة الناخب لإسم أو
شخصية مَن سيقوم بانتخابه ليمثله في المجلس النيابي .. إلا في
العراق الجديد !!
هذه العملية تعني بالمفهوم العصري بديل ومرادف محوّر
لكلمة ( المقامرة ) ، أو على أقل تقدير كشراء ( بطاقة يانصيب )
قد تحمل أرقامها لصاحبها الحظ السعيد أو السيئ . كما أنها
تعتبر على طرفي نقيض مع مفهوم كلمة الديموقراطية التي يفترض أن
النظام السياسي في العراق يؤمن بها ويعمل على تطبيقها لأنها
ستفقد أهم ركن من أركان الديموقراطية أي الشفافية التي يفترض
وجودها في العملية الإنتخابية والتي تُعتَمد بشكل صحيح في
الأنظمة الديموقراطية العريقة أو حتى بشكل أو بآخر في تلك
الديموقراطيات الصورية .
أما بالمفهوم الإسلامي الشرعي ، وأذكر هذا لأن أغلب
وأقوى الكتل السياسية التي تدخل الإنتخابات العراقية هي أحزاب
دينية أو ذات نهج ديني ، فإنها أي القائمة المغلقة الرقمية ،
تعتبر محرّمة نصاً لأنها تدخل تحت مسمى ( التقاسم بالأزلام ) .
والغريب أن البعض من أبرز هذه الأحزاب الدينية لايزال يصر على
غلق القوائم وترقيمها أمام الناخب لأسباب أصبحت مكشوفة ومجرّبة
أيضاً لوضع مَن يشاءون من أفراد تنظيماتهم في مقاعد البرلمان .
كما أن دولة تطلق على نفسها إسلامية مثل إيران تؤيد نظام
القائمة المغلقة الرقمية في (الإنتخابات العراقية) ، مع أنها
لاتطبقها في إنتخاباتها العامة ..!!
مع تقارب موعد الإنتخابات العراقية فإن المضامين
والأفعال والنتائج سوف لن تؤثر فقط على الداخل العراقي ، بل
ربما أن العراقيين سيكونون الأقل تفاعلاً معها أو إنتفاعاً
منها . لكن النتائج الأبعد ستكون على تماس مباشر بالخطط
الأمريكية القادمة والتي بدأت مقدماتها تظهر للعيان من خلال
التحركات الرسمية المكثفة التي تشهدها المنطقة إقليمياً وكذلك
تأثيراتها على الوضع الإيراني الحساس في الوقت الحاضر .
الصراع الجديد والإجتهادات التي بدأت تطفو على السطح
على حين غفلة حول إنتخابات السادس عشر من كانون الثاني / يناير
القادم في العراق ووفق أي نظام يجب أن تكون رقمي مغلق أم إسمي
مفتوح لم نشهدها مثلاً في الإنتخابات السابقة لامن قبل مراجع
دينية ولا من قبل أحزاب سياسية ولا من قبل مكونات قومية أو
إقليمية ولا حتى على مستوى إعلامي لمجرد إثارتها ، مع أن
الأشخاص والأحزاب والقيادات هي نفسها لم تتغير ..!! فماذا يمكن
أن يعني ذلك ..؟
يبدو ، أن البوصلة قد إتجهت الى جهة جديدة لاعلاقة لها
بالقطب المغناطيسي الجاذب لها في الفترة السابقة ، وهو
ماأعتبره تمهيداً لمتغيرات جديدة ، وقد أشرت الى ذلك شخصياً في
مقالات ثلاث في الأشهر الثلاثة الأخيرة فيما يتعلق بالخارطة
السياسية القادمة من باب التحليل السياسي للأحداث وتكوين نظرة
إستباقية قد تكون محصلة فعلاً لما يحدث .
السيد علي السيستاني ، وبكل ثقله الديني وموقعه كـ
((مرجع أعلى)) ، كان أول من فجّر القنبلة برفضه نظام القائمة
المغلقة في الإنتخابات القادمة .
السيد السيستاني يحظى باحترام الأمريكيين في العراق
ومنذ عهد بريمر حين أصدر فتواه التي دعى فيها الى عدم رفع
السلاح بوجه الأمريكان .. كما أنه يحظى بطبيعة الحال بالإحترام
والطاعة من قبل أغلب الأحزاب الشيعية التي تأدي دوراً مهماً في
السياسة العراقية اليوم .. كذلك كان وخلال السنوات الأخيرة في
ظل الحكومات التي تعاقبت على العراق في ظل الإحتلال ، المرجع
الذي يرجع اليه المسؤوليين العراقيين ليس فقط من الجانب الديني
أو المذهبي ، بل من جوانب القرارات السياسية والإقتصادية
الحاسمة للحصول على توجيهاته والإستماع الى وجهة نظره بخصوصها
.
في السادس من الشهر الحالي ، وإثر نشر آراء السيد
السيستاني ، وما أحدثته من إرباك لدى هذه الكتلة السياسية أو
تلك ، صرح حامد الخفاف المتحدث بإسم ((آية الله)) السيد علي
السيستاني :
( أن إعتماد نظام القوائم المغلقة سيحد بشدة من رغبة
المواطنين في المشاركة في الإنتخابات وسيكون له تأثير سلبي
بالغ على سير العملية الديموقراطية . إن المرجعية الدينية
العليا تؤكد على أعضاء مجلس النواب أن يكونوا في مستوى
المسؤولية الكبيرة التي أنيطت بهم ويستجيبوا لرغبة معظم أبناء
الشعب العراقي باعتماد القائمة المفتوحة في الإنتخابات
النيابية المقبلة )
يعني ، أنه يمكن أن يُقرأ من بين السطور تلميح الى
مقاطعة الإنتخابات في حال إقرار النواب لنظام القائمة المغلقة
.!!
هذا الموقف بظاهره لايتفق مع النَفَس الإيراني .. وهنا
تبرز علامة إستفهام كبيرة ..!!
من خلال إحتدام الجدل وتصاعد وتيرته إثر تحذيرات السيد
السيستاني ، ظهرت على الساحة العراقية مايشبه عملية ( فرز
للأصوات ) قبل حدوث الإنتخابات بحيث يمكننا قراءة المشهد
بالشكل التالي :
ـ رفض الكتلة الكردية لتصريحات السيستاني والتقليل من
أهميتها واعتبارها غير ملزمة وإعلانها عن تمسكها باعتماد نظام
القائمة المغلقة أي الرقمية .
ـ تأييد أحزاب وكتل دينية شيعية وسنية لدعوة السيد
السيستاني ورفضها لإنتخابات القائمة المغلقة .
ـ التزام الصمت لحد الآن من قبل أكبر كتلتين وهما كتلة
إئتلاف القانون لرئيس الحكومة نوري المالكي ، وكتلة المجلس
الأعلى بقيادة الحكيم ، ماعدا خروج الصدريين عن ذلك الصمت
وإعلانهم تأييد القائمة المفتوحة مع أنهم يمثلون أحد الكتل
المهمة التي تنضوي في إئتلاف المجلس الأعلى !!..
فلقد صرح الشيخ صلاح العبيدي الناطق الرسمي بإسم
التيار الصدري بإنه في حالة إصرار الأحزاب التي تعاني من إفلاس
جماهيري على إعتماد القائمة المغلقة التي يرفضها التيار الصدري
رفضاً قاطعاً فإن جميع الإحتمالات مفتوحة أمام التيار ! وذهب
الى أبعد من ذلك بالقول أنهم لن يسمحوا لرجال الدين من أبناء
التيارمن الترشيح لمجلس النواب.
من هي ياترى الأحزاب التي تعاني من إفلاس جماهيري ..؟
أليس إئتلاف المجلس الأعلى الذي إنضم اليه الصدريون هو أحد من
أفلس في الإنتخابات المحلية الأخيرة ..؟ مجرد سؤال !!!
ـ لم نسمع من ( الليبراليين ) سواء من إنضم منهم الى
إئتلاف الحكيم كأحمد الجلبي أو من يغازلهم كأياد علاوي رفض
صريح لنظام القوائم المغلقة .. مع أن هؤلاء يمثلون تياراً
علمانياً ومن خريجي المدرسة الغربية وبكل ماتعنيه ثقافتها
الديمقراطية وممارساتها الإنتخابية .
ـ رفض إيران لإعتماد القائمة المفتوحة بدون أن نشهد أي
رد فعل من الساسة العراقيين على ذلك مع أنه يعتبر تدخلاً
لاأخلاقياً سافراً في الشأن العراقي . فقد حث قاسم سليماني
رئيس فيلق القدس سيئ الصيت والحاكم بأمره في التدخلات
الإيرانية في العراق منذ سنوات والمقرب من كل من المالكي
والحكيم وأطراف أخرى على التمسك بنظام إنتخابات القائمة
المغلقة في الإنتخابات العراقية القادمة . وبالمناسبة فإنه
يقال أن سليماني يقيم بشكل دائم في السفارة الإيرانية في بغداد
ومنذ أشهر
عند تحليل هذه الظواهر ، أعتقد أننا سنكون أقرب الى
رسم الخطوط الأولية لصورة العراق مابعد كانون الثاني 2010 ، أو
كما يراد لهذه الصورة أن تكون من أجل محاولة الخروج من الكثير
من المآزق وأولها وأهمها المأزق الأمريكي في إحتلال العراق ،
وإعادتهم ترتيب الأوراق من جديد .
وقبل أن أتناول ذلك ، لابد من الإشارة الى أن إعتماد
القائمة المفتوحة بأسماء المرشحين للمجلس النيابي وإنتخابهم
بالإعتماد على ذلك ومن خلال المعرفة بشخوصهم وتاريخهم ومواقفهم
، فإن ذلك سوف يفرز نتيجة مهمة قد تكون قاصمة ، تلك هي :
( إسقاط غلاة الطائفية الدينية بشقيها الشيعي والسني
الذين فقدوا أصلاً ثقة الشارع العراقي وكانت مؤشرات الإنتخابات
المحلية للمحافظات خير دليل على ذلك حيث إنزوت قائمة شهيد
المحراب وقائمة الحزب الإسلامي في مؤخرة أصوات الناخبين
العراقيين شيعةً وسنّة . هذا بدوره قد يؤدي الى دخول بعض
الليبراليين الى قاعة البرلمان مما قد يؤدي الى ذوبان جليد
الطائفية والعرقية ..) .
إستناداً الى هذه النتيجة التي يمكن توقعها ، تأتي
الإجابة على مواقف كل من جماعة الحكيم وإئتلافهم .. ، إيران ..
، و الكتلة الكردية . لأن استراتيجية هؤلاء جميعاً تقوم على
تكريس حالة الإنقسام والصراع الطائفي والعرقي في العراق لتمرير
مخططاتهم وجني أرباحهم من وراء ذلك .
لقد أعلن فرياد راوندوزي المتحدث بإسم الكتلة الكردية
وبالذات جماعة الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود
البارزاني وبشكل واضح وقوف كتلته الى جانب نظام القائمة
المغلقة حين دعا الى إقرار قانون الإنتخابات التشريعية المقبلة
بعيداً عن تأثيرات المرجعية الدينية في مدينة النجف وتوصياتها
!
أما الرئيس الأمريكي باراك أوباما فقد حث المالكي ومن
خلال مكالمة هاتفية على ضرورة إصدار قانون إنتخابي يساعد على
إجراء الإنتخابات في البلاد .. وهو ما قد يفهم منه ضمناً في
تصوري إستحداث قانون جديد للعملية الإنتخابية ووفق أسس جديدة
غير تلك التي كان معمول بها سابقاً ..
وإذا مانظرنا الى دعوة عبد الكريم العنزي القيادي في
حزب الدعوة تنظيم العراق أحد أحزاب إئتلاف الحكيم ، الخاصة
بعدم إشراك العراقيين خارج العراق في العملية الإنتخابية ، نشم
منها محاولته حرمان أربعة ملايين عراقي من التصويت مما يعني
تخوفه من تأثير تلك الأصوات على حزبه وإئتلافه الطائفي
وهزيمتهم المتوقعة حتى وإن كانت في قوائم مغلقة .
لقد علمنا مواقف دعاة القائمة المغلقة وعرفنا أسباب
تشبثهم بهذا النظام الإنتخابي المسخ .. ولكن ماذا عن موقف
المالكي المتشبث بولاية ثانية تقتضيها أيضاً المصلحة الأمريكية
حسب ظواهر الأمور ؟ .. وأين يقف ؟ وماذا سيفعل وهو بين مطرقة
الطائفية وإيران اللذين يعشقهما وسندان كرسي الرئاسة الذي يهيم
فيه حباً ..؟
أنا شخصياً أتوقع أنه قد يلجأ الى الإعلان عن تأييده
لنظام القائمة المفتوحة من منطلقين مهمين لإعادة تنصيبه رئيساً
للحكومة لفترة قادمة :
الأول : إستمرار عمليات الضرب تحت الحزام بينه وبين
المجلس الأعلى والحزبين الكرديين .
الثاني : ضم التيار الصدري الى جانبه وتوسيع قاعدة
إئتلافه من الأحزاب الصغيرة الأخرى . ولكنني لا زلت في حيرة من
أمري هنا :
كيف يرفض الصدر ماتؤيده إيران ، إلا اللهم من منطلق
(تكتيكي موجه).. ولماذا إنضم الى إئتلاف الحكيم بعد عودته من
رحلته ( الدراسية العلمية ) من قم ولم يبق على إستقلاليته
كتيار سياسي كبير على الساحة العراقية ؟!..
أما فيما لو حدث غير ذلك ، واستمرت الإنتخابات الرقمية
الصورية .. فلا أجد من تفسير له إلا وجود صفقة تحت الطاولة غير
معلنة بين الأمريكان والإيرانيين كجزء من الإتفاقات على هامش
الحلول ( الدبلوماسية ) والمفاوضات الجارية بينهما يلعب فيها
كل طرف داخل العراق وفي دول جواره دوره المحدد وهوما يعلمه
الأكراد وحلفائهم المرحليين في إئتلاف المجلس الأعلى وتقتضيه
المصلحة الأمريكية العليا في المنطقة حتى لو كان ثمن تلك
المصلحة التضحية بنوري المالكي كما تمت التضحية بمن سبقه وبمن
سيليه ..!!
|