|
بناء الجاهزية في العمل الجهادي
شاع في الآونة الأخيرة بلغتنا العربية
المستخدمة مصطلح ( الجاهزية ) أو ( الجهوزية ) والقصد منه (
الاستعداد لحالة أو ظرف أو احتمال معين وتوفر مقدرة ومستلزمات
الاستجابة
له أو الرد عليه ، ورغم إننا
غالبا ما نسمع هذا المصطلح مقرونا بالاستخدام العسكري له حيث
يقال ( أتمت القوات المسلحة جاهزيتها ) أي إنها صارت مستعدة
لمواجهة احتمالات الحرب أو غيرها إلا انه لا يقتصر على هذا
الاستخدام لان التعريف والمفهوم أوسع فقد تعلن مؤسسة ما
جاهزيتها لمواجهة تطورات واحتمالات السوق التي تخدمها كطلبات
الزبائن أو غيرها أو يعلن فريق رياضي جاهزيته لخوض مسابقة
وهكذا ، والمتأمل في هذا المصطلح يجد انه يتقدم على الحذر من
جهة كونه حالة عملية فيما الحذر حالة معنوية وهو الذي ينبغي له
أن ينتج جاهزية أو جهوزية إذا أحدث الخوف المطلوب لدى الجهة
التي يتم تحذيرها أو أوقع رد الفعل المناسب عندها ، فالآيات (
71 ، 102 ) من سورة النساء عندما تدعوا المسلمين إلى الحذر
بأخذ سلاحهم وعدم الغفلة
عنه
فإنها تدعوهم لبلوغ حالة الجاهزية لمواجهة العدو وفي الواقع
فان مجتمعا كالمجتمع الإسلامي مطالب بتبليغ دعوة الله إلى
الناس والجهاد لأجلها يجب أن يكون في حالة جاهزية مستمرة لان
هذه الدعوة هي واجبه الأساسي في الحياة وواجب الدولة التي تقوم
فيه ، والتجهيز يقتضي توفير العدة وهو مفهوم من المصطلح بداهة
وقيل تجهيز عدة السفر كما ذكر ذلك أهل اللغة ومن ذلك حديث رسول
الله (صلى الله عليه وسلم) : ( من جهز غازيا فقد غزا ) أي قام
بتوفير عدة السفر له لأجل الغزو من مال أو فرس أو سيف أو كسوة
ومنه أيضا قوله تعالى : (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ
جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ) والمقصود منه المتاع
الذي يستعان به في السفر كما قال بذلك المفسرون وفي زماننا هذا
الذي ظهر فيه مصطلح الجاهزية فان ( الاستعداد المناسب وتوفر
العدة والوسائل ) هو المعنى الأكثر شيوعا ورجحانا لهذا المصطلح
. أما الحذر فانه في اللغة والاستخدام الخوف من وقوع الشيء
المكروه أو الضرر ثم التوقي منه بالفعل ، وقد يأتي التحذير من
جهة ما ولكن من يتم تحذيره لا يقوم بالتوقي من المحذر نفسه
وعند ذاك لا يكون قد اخذ بالحذر وبالطبع فان ما يأمرنا به الله
سبحانه وتعالى هو الحذر الذي ينتج فعلا وتوقيتا ، ولما كان
الخوف من عقاب الله وعذابه اصل في توجه المسلم للإيمان بالله
وطاعته وإتباع رسوله كما تشير لذلك الآيات العديدة في كتاب
الله (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا
وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ
الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ
الثِّقَالَ) كان الحذر تبعا لذلك جزء أصيل من سلوك الفرد
المسلم والجماعة المسلمة والقرآن أمرنا بالحذر في أكثر من آية
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا)
(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ
بِالْعِبَادِ) والحذر إذا لم يتولد عنه خوف يناسب ضرر المحذر
منه لم يتحول إلى العمل والوقاية وهو ما يقع عند أهل الغفلة
ومن يهمل أوامر الله ، الإنذار هو مرتبه أخرى ابعد في التحذير
تقترن بالتهديد والوعيد والمنذر أو النذير هو من يحمل هذه
الرسالة أو الخطاب ويبلغها والرسول عليه الصلاة والسلام وصفه
ربه في القرآن بالنذير ولم يصفه بالمحذر (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ
شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) كما إن الأنبياء الآخرين
وصفوا بأنهم منذرين (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)
ويؤيد هذا المعنى قوله سبحانه وتعالى في سورة التوبة (وَمَا
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ
مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي
الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) فهذا يدل على إن النذير غير التحذير
وانه قد ينتج الحذر والتوقي.
في المواجهة الحربية بين المسلمين
والكفار يأمرنا المولى عز وجل بأخذ الحذر ومواجهة الأعداء (
ثبات ) أي عصبا وجماعات لان ( الثبتة ) هي الطائفة أو الجماعة
كما اجمع على ذلك المفسرون وأهل اللغة والمقصود هنا مقاتلتهم
بتشكيلات عسكرية سرايا أو كتائب أو فرق مما يتحقق به معنى
العصبة أو الجماعة ( الثبتة ) أو مواجهتهم مجتمعين ( انفروا
جميعا ) والاختيار بين الصيغتين ( ثبات ) أو ( جميعا ) إنما
يكون طبقا لما يتطلبه تقدير الموقف الحربي وضرورات المواجهة
العسكرية فالآية ( 71 ) من سورة النساء تنص على (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ
انْفِرُوا جَمِيعاً وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ
فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً) ، تجعل هذه الآية
( اخذ الحذر ) مبدأ ثابتا في كل مواجهة بين المسلمين وأعدائهم
كما تحدد الآلية والوسائل المطلوبة لتحقيق ذلك الحذر ، ورغم إن
الأمر الشرعي مقترن بصورة المواجهة الحربية كما تدل على ذلك
الصيغ المأمور بها في المواجهة ( ثبات ) أو ( جميعا ) إلا إن
الآية لا تشمل كل صور وأشكال المواجهة والصراع بين المسلمين
وأعدائهم فإذا تبدلت هذه الصيغ طبقا للزمان والمكان بقي الأمر
بأخذ الحذر قائما غير إن وسائل تحقيق ذلك قد تتغير بما يكافئه
، لان الأصل هو وجوب اخذ الحذر وهو تكليف قائم بذاته أما
الوسائل فان المبدأ الفقهي الذي يتم اعتماده فهو ( إن ما لا
يتم الواجب إلا به فهو واجب ) ، إن من يتأمل في المعركة
القائمة حاليا بين المسلمين وأعدائهم يجد اتساع ساحتها وتعدد
صورها وأشكالها وتنوع أساليبها وأدواتها وهذا يقتضي أن يكون
تطبيق التكليف الشرعي بأخذ الحذر بما يناسبه وتحقيق المطلوب من
هذا التكليف. تقدم لنا الآية ( 102 ) من سورة النساء صورة جلية
لتطبيق مفهوم اخذ الحذر لدى الجماعة المسلمة فهذه الآية تشرع
لصلاة الخوف وتحدد صورتها وتثبت مفاهيم جلية في هذا الجانب
يتعين على المسلمين وهم يخوضون صراعاتهم ضد أعدائهم أن يتبصروا
بها وان يتفهموا حكمها ودلالاتها ، تقول الآية : (وَإِذَا
كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ
طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ
فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ
طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ
وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ
وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً
وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ
أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا
حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً
مُهِيناً) . الأصل في هذه الآية اخذ الحذر من هجوم الكفار
ومباغتتهم واستغلالهم لحالة عدم الجاهزية عند المسلمين وغفلتهم
عن سلامهم ، والعلة في تشريع صلاة الخوف هو حدوث الخوف من وقوع
المحاذير التي ذكرتها الآية وحصول الضرر للمسلمين وليست العلة
في الاشتباك مع العدو في المعركة فإذا ما وجدت المعركة وانتفى
الخوف بصورة أو بأخرى ( إذا كان ذلك ممكنا ) لم تحقق العلة ولم
تجب صلاة الخوف التي هي صورة من صور اخذ الحذر ، وعلى سبيل
المثال يمكن لحرس الحدود في تخوم المسلمين وثغورهم وهم في وجبة
عملهم العادي أن يصلوا صلاة الخوف لوجود العلة والمحذور كما
يجوز لمن يجلس في المطارات يراقب سماء بلاد المسلمين ويرصد
شاشات الرادار تحسبا لاقتحامها من قبل طائرات العدو أن يصلي
هذه الصلاة حتى مع عدم وجود حالة الحرب وذلك لتحقق العلة لان
غفلته قد تكون مكلفة على صعيد سلامة الجماعة المسلمة وأمانها ،
وهذه الآية تنظم الصلاة وهي ركن من أركان الإسلام في حالة
الخوف من ملاقاة العدو والحذر من هجومه وقد اختلفت الروايات في
هيئة صلاة الخوف واختلف العلماء لاختلافها ولخص ذلك ( الخطابي
) بقوله ( صلاة الخوف أنواع صلاها النبي (صلى الله عليه وسلم )
في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتوخى فيها كلها ما هو أحوط
للصلاة وابلغ للحراسة ... ) ، كما اختلف العلماء في الطائفة
التي تأخذ أسلحتها أهي الطائفة التي تصلي مع الرسول بالإضافة
للطائفة التي تحرس أم الأخيرة فقط ... ؟؟ ، واختار بعض العلماء
ومنهم الزجاج إن الطائفة المصلية هي التي تأخذ أسلحتها أيضا
كما قال أهل الظاهر ( اخذ السلاح في صلاة الخوف واجب لأمر الله
به ) ، ولا شك إن دعوة المصلين إلى أن يأخذوا أسلحتهم وهم في
حال الصلاة ودعوة الآية لهم فوق ذلك ومعه أن يأخذوا الحذر مع
وجود السلاح تدل دلالة واضحة على وجوب التحلي باليقضة وان يكون
سلاحهم جاهزا للاستعمال ، وتشير الآية إلى أن العدو يأمل أن
يغفل المسلم عن سلاحه ومتاعه وهذه حالة قد تحدث في الصلاة
وغيرها ولكن بما إن هذه الغفلة قد تحصل بسبب الانهماك في
الصلاة نبه الخالق عز وجل المسلمين لذلك واختصها بالذكر وشرع
لهم صلاة الخوف لكي لا تكون الصلاة عاملا معزيا للكفار بمهاجمة
المسلمين .
إن من يتأمل في الآيتين ( 71 ، 102 ) من سورة النساء يمكن له
أن يخرج بالاستنتاجات التالية :-
1- إن النفير الإسلامي الذي تأمرنا به الآية ( 71 من سورة
النساء ) يجب أن يكون بحالة من التنظيم ( ثبات ، جماعات وفق
نظام ) أو ( جميعا ، مجتمعين ) وكلتا الحالتين تعني وجود
التنظيم وليس الفوضى.
2- إن وضع هاتين الصيغتين للهجوم أو الرد الذي يقوم به
المسلمين يعني استخدام بعض قوتهم ( ثبات ) أو جميعها ( انفروا
جميعا ) وهذا أمر يقدره العسكريون وفق مقتضيات المعركة ويعضد
هذا قوله سبحانه وتعالى في سورة التوبة (َمَا كَانَ
الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة) .
3- في كلتا الصيغتين المقترحتين للنفير فان الإشارة هي لنفي
المواجهة الفردية أو من خلال المجموعات الصغيرة التي قد لا
تناسب قوة العدو وتفوقه العددي أو التسليحي وهي الصورة التي
تنقلها الآية عن العدو ( فيميلون عليكم ميلة واحدة ) وهي إشارة
إلى حال القوة التي هم عليها ، وهذا يستثنى منه بالطبع بعض صور
المواجهة كعمليات اقتناص العدو وبعض الأساليب المستخدمة في
حروب العصابات والقائمة على استخدام المجاميع الصغيرة التي
تتبع أسلوب ( اضرب واهرب ) أو غيرها من الأساليب ، وأسباب
الاستثناء هي لاختلاف الموضوع وانتفاء القياس حيث إن صورة
المواجهة التي تقدمها الآية تدل على احتشاء العدو ومباغتته وهي
غير الصور التي تستخدم فيها المجاميع الصغيرة .
4- إن قوله تعالى ( وان منكم ليسبطئن )
هو إشارة إلى مجموعة من الناس داخل الجماعة المسلمة تعمل على
تخذيل المسلمين من النفير واخذ الحذر اللازم وذكر الإبطاء يدل
على أهمية التوقيت وان التأخير في الاستعداد أو اتخاذ قرار
الهجوم أو الرد قد يكون مؤذيا في تقرير مصير المعركة وان
التوقيت السليم عنصر هام في النفير ، وحذرت الآية من الإبطاء
دون التحذير من المبادرة أو الإسراع لان ضرر الإبطاء أوضح وهو
تمكين العدو من اخذ زمام المبادرة واستغلال غفلة المسلمين في
حين إن الإسراع بالهجوم قد يكون سببا لتحصيل النصر إذا توفرت
مستلزماته الأخرى .
إن ( الإبطاء ) الذي يحدث لدى
المسلمين قد يكون صورة من صور الوهن والعجز والكسل والرغبة في
تجنب الحرب ودفع أثمانها وهذه حالات قد توجد في الأمة أو بعض
أفرادها كما انه قد يكون ناتجا عن قيام المخذلين بالتهوين من
شأن العدو وقوته أو حسن الظن بنواياه أو بالمبالغة في جبروت
العدو وقدراته والتبشير بالهزيمة والخذلان في حالة مواجهته كما
قد ينتج عن التجهيل بالمعلومات أو الإشارات الواردة عن العدو
وعدم قراءتها وفهمها بشكل سليم ، وهناك طائفة ممن يحاولون
الإبطاء والتخذيل يعمدون إلى تقليل حجم التناقض والاختلاف مع
العدو ويرفضون فكرة الصراع معه من أساسها ويسعون لإقناع الأمة
بعدم جدواها وعبثيتها كما إن الإبطاء قد يأتي كنتيجة لسوء
التقدير العسكري للخصم أو للقدرات الذاتية .
5- إن استخدام تعبير ( انفروا ) فيه إشارة إلى ( النفير ) وهو
النهوض أو القيام السريع والمعنى هو المسارعة لأداء الواجب
وبجدية حسب ما يستحق ، فكلمة نفر تعني نهض واصلها من النفار أو
النفور وهو الفزع ومنها قوله تعالى ( وَلَّوْا عَلَى
أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً) أي خوفا وفزعا ، وفي هذه الآية فان
الخوف والحذر من العدو وهو الذي يقود إلى النفير وهو أيضا
دلالة على قوة التكليف ووجوب المسارعة به .
6- على الرغم من إن الآية تشمل بشكل رئيسي على الدعوة للحذر
وعدم الغفلة عن السلاح في حالة المعركة ومواجهة العدو إلا أن
صورتها الأخرى تشير بوضوح إلى ( الحرب الهجومية والاستباقية )
التي يستأصل فيها خطر العدو قبل أن يتفاقم ويصبح مهددا ويعزز
هذا قوله تعالى ( وان منكم ليسبطئن ) فان محاولات الإبطاء تكون
في حالة التأهب لمهاجمة العدو أو إجهاض استعداداته ولا يتوقع
حدوثها في ساحة المعركة والالتحام .
7- إن دلالة الآية إلى وجوب عدم الغفلة عن السلاح في كل
الأحوال واضحة طالما كانت المعركة مستمرة واحتمال مهاجمة العدو
قائما ، والغفلة عن السلاح لها صور وأشكال عديدة وكل ما يعيق
استخدام السلاح بفاعلية وسرعة يدخل في باب هذه الغفلة فإبقاء
السلاح بعيدا عن متناول المقاتل عندما تحين الضرورة لاستخدامه
أو عدم القدرة على حسن استعماله وضعف التدريب علية والتهاون أو
العجز عن زيادة فعاليته وفتكه بالعدو كلها من صور الغفلة عن
السلاح المذكورة في القرآن ، أما عواقب هذه الغفلة ونتيجتها
فتشير لها تلك الآية الكريمة بوضوح (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ
فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) .
8- الواضح من قوله تعالى (فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ ) إنها تدل
على المباغتة ، (مَيْلَةً وَاحِدَةً) تعني يهاجموكم مجتمعين أو
بمعنى إنهم يحشدون لكم قوة كبيرة تكفي لإلحاق الهزيمة بكم أو
كما قال بعض المفسرين في (مَيْلَةً وَاحِدَةً) إنها تعني
مستأصلة لا يحتاجون بعدها إلى ثانية ، فالمباغتة والقوة
الكبيرة ( الاحتشاء ) مع الغفلة لدى الطرف الآخر تصيبه
بالمفاجأة والشعور بتفوق العدو وسطوته وهي كلها عوامل تقود
للهزيمة والخذلان .
9- الإشارة إلى الأمتعة مع الأسلحة في قوله تعالى (وَدَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ
وَأَمْتِعَتِكُمْ) تنصرف إلى المتاع العام وكل أصناف الثروة
التي تؤدي مهاجمتها من قبل العدو إلى إصابة المسلمين بالوهن
والشعور بالضرر والخسارة إلا أن دلالتها الأهم تتمثل في
انصرافها إلى المتاع غير الحربي الذي يصحبه المقاتلون والجيوش
في الحرب نحو وسائل التموين والنقل وأسباب إدامة الحياة
للمقاتلين ما عدا السلاح وبالطبع فان الانصراف عن هذه الأمتعة
والغفلة عن حمايتها ووقوعها بيد العدو وحرمان المسلمين منها قد
يقترب في ضرره من ضرر الغفلة عن السلاح لان حرمان الجيوش من
هذه الأمتعة يعيق مواصلتها الحرب ويضرب جهدها العسكري في
الصميم كما تدل على ذلك الكثير من شواهد الحروب قديما وحديثا
حيث يطلق على هذه العملية في المصطلح الحربي الحديث تعبير (
قطع خطوط الإمداد والتموين ) .
10- تؤكد الآيتين (71) و (102) من سورة
النساء على أهمية السلاح في الصراع بين الإسلام والكفر كما
تسلط الضوء على مفهوم ( جاهزية السلاح ) وهذه الجاهزية تتفرع
إلى ثلاثة عناصر ... الأول ... رصد العدو ومعرفة نواياه وخططه
وتحركاته ومكائده لكي لا يباغت المسلمين بهجومه ... الثاني
إبقاء السلاح في حالة تأهل وفاعلية للرد السريع والمكافيء ...
الثالث ... تقوية هذا السلاح ورفع قدرته على الردع وهزيمة
العدو لان السلاح إذا لم تتحقق فيه هذه الصفة لم يكن للعنصرين
الأول أو الثاني قيمة .
إن القيام بالتكليف الشرعي بوجوب
اخذ الحذر وتهيئة الأمة للوفاء بمهمة التبليغ بالدعوة لله
والصراع مع أعدائها أو بمعنى آخر ( بناء جاهزيتها ) لتحقيق هذه
الأهداف يقتضي في زماننا الحالي توفير بعض الأسباب التي يمكن
إجمالها بالتالي : -
1- إعداد القوة بالتسلح وحيازة الأسلحة وخصوصا ما كان مرتبطا
منها بالرمي لقوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا
اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ
مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا
تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ
إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) وتفسيره صلى الله عليه
وسلم كلمة القوة الواردة في هذه الآية ( بالرمي ) حيث كررها
ثلاثا في الحديث الصحيح الوارد عنه ( ألا إن القوة الرمي ..
الرمي .. الرمي ) لذلك فواجب إعداد القوة بما يمكن المسلمين
ويرهب عدوهم هو فرض كفاية على الأمة المسلمة عليها أن تعدد
توفر كل الوسائل والطرق الممهدة لتحصيله من خبرة علمية وتقنية
وأموال واستثمارات إلى غير ذلك من الوسائل المباشرة أو غير
المباشرة ، وعلى الجماعات المسلمة المجاهدة أن تقوم قدر
استطاعتها بالحرص على ذلك والعمل الدؤوب لحيازة أسباب القوة في
السلاح وتطويرها حتى تحقق أهداف الجهاد وتردع أعداء الأمة .
2- رصد العدو وكشف خططه ومشاريعه والتعرف على أهدافه ونواياه
والتدقيق في نقاط ضعفه وقوته وجمع المعلومات عنه وفي زماننا
فان شطرا لا بأس به من هذه المعمة يتحقق من خلال الإفادة من
عطايا وثمرات الثورة المعرفية والمعلوماتية غير أن هذا لا يغني
بالطبع عن الجهود الخاصة السرية منها والعلنية والعمل
المؤسساتي المحترف من خلال معاهد ومراكز معلومات وأجهزة
استخبارية متطورة وعلى يد خبراء وباحثين مختصين ومؤهلين يقومون
بجمع المعلومات وتحليلها وتقديمها لمن يهمه أمرها من المسلمين
والى عموم الأمة لكي يرتفع مستوى معرفتها ويرتقي وعليها
بأعدائها ويتحقق مفهوم اخذ الحذر والجاهزية لديها ، وقد صح عن
الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في أكثر من حديث ورواية موثقة
من روايات السيرة أن المصطفى كان يستبق حروبه وغزواته ببعث
العيون والرسل الذين يجمعون المعلومات عن عدده ويلتقطون له
الأخبار والإشارات من مناطق غزواته المستهدفة ولقد فعل علية
الصلاة والسلام ذلك في كل حروبه وفي غزوة الخندق انتدب رجلا
بأتيه بأخبار المشركين وقد فعل ذلك ثلاثا وفي المرات الثلاث
كان عبد الله بن الزبير ( رضي الله عنه ) يرشح نفسه لهذه
المهمة مما دفع النبي أن يكرمه على فعله هذا ويقول له ( أنت
حواري في الجنة ) دلالة على أهمية هذا الدور في المعركة بين
المسلمين وأعدائهم ، يضاف إلى ذلك قول الرسول ( صلى الله عليه
وسلم ) في حديثه الصحيح ( عينان لا تمسهما النار ، عين بكت من
خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله ... ) والحارس هو من
يرصد ويراقب ويحذر في الوقت المناسب وفي زماننا هذا يندرج تحته
كل من يرصد أعداء المسلمين ويدرس تحركاتهم ومشاريعهم وينبه إلى
كيدهم ومكرهم ويحذر الأمة أو ينذرها منها .
3- تحصين الجماعة المسلمة وحمياتها من الاختراق النفسي أو
الفكري أو الاستخباري ومن محاولات التخذيل والتشويه والتحريف
الفكري والعقيدي والمفاهيمي التي قد تصدر عن العدو أو
المرتبطين بمشاريعه من مرتدين أو منافقين أو منحرفين وهذا
التحصين يأت استجابة لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ
إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، وإذا كان الله
سبحانه وتعالى في كتابه العزيز لم يستثن ( نبيه صلى الله عليه
وسلم وهو خير البشرية وأكمل الناس إيمانا ومعرفة بربه ) من هذا
التحذير وذلك في قوله تعالى (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ
أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ
يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ
النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) فما بالك بالمسلمين اليوم وقد ضعف
إدراكهم لحقائق دينهم وصاروا عرضة للخضوع لشتى المؤثرات
الفكرية والإعلامية ومختلف الضغوط الثقافية وغيرها ، وفي
زماننا هذا يركز العدو على عمليات الاختراق بكل أشكالها ليشكك
المسلمين بسلامة نهجهم وجدوى جهادهم ويخذل همهم وتكثر مساجد
الضرار تحت مسميات متعددة وبصور وصيغ متنوعة لتؤدي دورها
القديم الجديد (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً
وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً
لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ
يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .
إن
امة رسالتها في الحياة هو تبليغ الإسلام للعالم وهدف الجهاد
منها أن لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله لا يمكن إلا أن تأخذ
بالتكليف الشرعي بلزوم الحذر وبناء الجاهزية والتأهل لمتطلبات
الصراع والمواجهة مع أعدائها كما لا تستطيع الأمة تحقيق ذلك
إلا بإتباع النصوص الشرعية الواردة في هذا الباب سواء ما جاء
منها في كتاب الله أو سنة رسوله وهو ما حاولنا في هذا المبحث
أن نسلط الضوء عليه وان نستجلي أحكامه ومعانيه قدر المستطاع
والله وحده الموفق وهو يهدي إلى الحق والى سواء السبيل .
|