| |
|
أهل
الفرات ينعون فراتهم
أ. محمد رضا حسين
الفرات ينحسر في جنوب العراق دافعا بالفلاحين نحو المدن وتاركا
الصيادين بلا صيد يعانون من مشكلة الجفاف في هذا النهر العظيم
كما يقف جامعو القصب بين المستنقعات حاليا على أرض كانوا قبل
ذلك يطفون فوقها وهم يحملون مناجلهم الصدئة وينادون على
الزائرين في القوارب العابرة: لا توجد مياه! )وذلك لأن نهر
الفرات قد يجف متأثرا بسياسات الدول المجاورة للعراق والمتعلقة
بالمياه وبالجفاف الذي عانى منه لمدة عامين وبالسنين الطويلة
التي أساء فيها المزارعون العراقيون لاستخدام هذا النهر العظيم
حتى تقلص حجم نهر الفرات وأصبح أصغر بكثير مما كان عليه قبل
عدة سنوات فقط وهو ما جعل بعض المسؤولين يتخوفون من أن نهر
الفرات سيصل سريعا إلى نصف ما هو عليه الاَن وقد تسبب انحسار
نهر الفرات وهو نهر لعب دورا محوريا في ميلاد الحضارة و جفافه
أدى إلى إتلاف المزارع على طول ضفتيه وترك الصيادين في حال من
الضيم واستنفاد المدن الواقعة على ضفافه نظرا لهجرة الفلاحين
إلى المدن بحثا عن عمل. وعلى الرغم من أن الفقراء هم أكثر من
يعاني من ذلك التدهور فإن كل فئات المجتمع قد تأثرت كذلك
المشايخ والدبلوماسيون وحتى أعضاء البرلمان الذين يهربون إلى
مزارعهم بعد أسابيع من العمل في بغداد. وقد تحولت حقول الأرز
والقمح على ضفتي النهر إلى تراب بينما تحولت القنوات المائية
إلى مستنقعات ضحلة واستقرت مراكب الصيد على أرض جافة وتدلت
مضخات المياه التي يفترض أن تزود مصانع معالجة المياه بلا هدف
على برك بنية اللون ويقول السيد ضياء 34 عاما وهو صائد السمك
في منطقة ’’الهندية’’ وهو جالس على مقهى على ضفة النهر يعج
بزملائه العاطلين عن العمل: ’’إن العجائز هنا يقولون إنه أسوأ
جفاف يستطيعون تذكره ولكني أعتمد على بركة الله’’. لقد امتد
نطاق الجفاف في العراق حتى إن المنطقة المزروعة بالقمح والشعير
في مناطق الشمال التي تروى بالأمطار قد تقلصت بنسبة 95% عن
المعتاد بينما تعاني المناطق الشرقية المزروعة بنخيل التمر
وبساتين الموالح من العطش وذلك حيث إن معدلات تساقط الأمطار قد
انخفضت بشدة عن المعدلات المعتادة منذ نحو العامين وهو ما قضى
على المخزون الاحتياطي ويتوقع المسؤولون أن يتجاوز محصول القمح
والشعير بقليل نصف المحصول الذي كان يعطيه قبل عامين وتهدد تلك
الكارثة جذور الهوية العراقية ليس فقط باعتبار العراق أرضا تقع
بين نهرين ولكن كدولة كانت قبل ذلك من أكبر الدول المصدرة
للتمور في العالم وهي الدولة التي كانت تزود ألمانيا قبل ذلك
بالشعير والتي تفتخر بأرز العنبر باهظ الثمن الذي تزرعه في
أراضيها أما الاَن فقد أصبح العراق يستورد المزيد والمزيد من
الحبوب ويقول المزارعون على طول شاطئ النهر بغضب ويأس إنهم
ربما يتخلون عن زراعة أرز العنبر ويزرعون أنواعا أرخص ولم يكن
تعرض البلاد للجفاف أمرا نادرا في العراق ولكن المسؤولين
يؤكدون أنه أصبح أكثر تواترا في السنوات الأخيرة ولكن الجفاف
هو واحد فقط من أسباب تقلص نهر الفرات وتوأمه الأكبر والأكثر
صحة وليس بالفارق الكبير عنه نهر دجلة ويقع اللوم في تلك
القضية على عاتق الحكومتين السورية والتركية وذلك أنه على
الرغم من أن للعراق حصة وفيرة من المياه فإنه يقع باتجاه تيار
المياه ووفقا لمسؤولي المياه العراقيين فإنه يوجد نحو سبعة
سدود على الأقل على نهر الفرات في تركيا وسوريا كما أن حصة
العراق من المياه قد تم تخفيضها من دون توقيع أي معاهدات أو
اتفاقيات حتى أصبح العراق يطلب المياه من جيرانه والعراقيون
يشربون زجاجات المياه المعبأة الاَتية من السعودية والتي لديها
نسبة ضئيلة مما يمتلكه العراق من المياه العذبة ويقول علي
بابان وزير التخطيط: لدينا عطش حقيقي في العراق وسوف تنتهي
زراعتنا وسوف تذبل مدننا ولا يستطيع أي بلد أن يصمت حيال مثل
ذلك الموقف. وقد أعلنت وزارة المياه مؤخرا أن تركيا قد ضاعفت
تدفق المياه في نهر الفرات لإنقاذ موسم الأرز في بعض المناطق
وقد زادت تلك الخطوة تدفق المياه بنسبة تصل إلى 60% في المتوسط
وهو ما يكفي فقط لتغطية نصف متطلبات عملية الري لموسم الأرز في
الصيف وعلى الرغم من أن تركيا قد وافقت على الحفاظ على ذلك
المعدل لتدفق المياه بل وحتى على زيادته فإنه لا يوجد أي اتفاق
يلزم الدولة بأن تفعل ذلك وعلى الرغم من أن هناك بعض العلامات
المتزايدة على وجود بعض التحسن في نهر الفرات فإن الغضب حول
أزمة المياه في العراق مازال في اوجه بسبب ما لحق بالاراضي
الزراعية والثروة السمكية من سوء وتدهور ملحوظين ناهيكم عن
الحالة المعيشية المزرية لاصحاب الاراضي والفلاحين وانقراض
الانواع النادرة والثمينة من المزروعات العراقية بل واكثر من
ذلك حيث ان هناك اتهامات من مسؤولي البيئة الدوليين. إن
المشكلة الحقيقية تكمن في سوء استخدام وتوزيع المياه في العراق
بالاضافة الى قلته ويقول عبد الرضا جودة (40 عاما) وهو جالس في
سقيفته بحقل القصب في بقعة أرض جافة وصخرية خارج كربلاء: ’’كان
من المعتاد أن نجد مياها في كل مكان’’ ولقد نشأ جودة الذي يصف
الظروف السيئة التي يمر بها بابتسامة متعبة بالقرب من البصرة
ولكنه هاجر إلى بغداد عندما قام صدام حسين بتجفيف الأهوار
الكبرى جنوبي العراق ردا على الانتفاضة الشعبانية في عام 1991
وقد أتى إلى كربلاء في عام 2004 لاصطياد السمك ولتربية الجاموس
في الأراضي الضحلة المورقة التي كانت تذكره بموطنه ويضيف جودة:
’’لقد تحولت الأرض هذا العام إلى صحراء’’ وعلى طوال ضفتي النهر
توجد حالة من الغضب والاستغراب ضد الأتراك والسوريين واللذين
يقع عليهما اللوم في هذا الامر فالندرة تجعل من الجميع منتقدين
ورافضين لهذا الوضع وخاصة وهو يمس امور معيشتهم وقوت يومهم
الذي لا بديل عنه. وفي أحد الصباحات الساخنة في الديوانية كانت
سيدة تجمع الملح من أحد المصارف على مقربة من الطريق السريع
الذي أصبح المصدر الوحيد لدخل عائلتها حاليا بعد أن أصيبت
مزارع الأرز بالجفاف ولكن جفاف المزرعة ليس هو الأزمة الحقيقية
قالت وهي تشير إلى قناة تتدفق من نهر الفرات: (لا توجد مياه في
النهر الذي نشرب منه لقد جف الاَن تماما وأصبح يحتوى على مياه
البالوعات وهم يحفرون في بعض الأحيان الاَبار ولكن المياه تنضب
ويصبح علينا أن نشرب من مياه النهر مما تسبب في أن يصاب معظم
أطفالي بالأمراض ).
|
| |
|
استفتاءات
بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات
اطلالات
خفايا واسرار
بكائيات
وثائق
للتأريخ
صور
شخصية
جريدة براءة
|
 |