أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف
 

 الانسحاب الأمريكي.. لعبة تحويل الهزيمة إلى نصر!

 

طلعت رميح


تحاول الولايات المتحدة تحويل هزيمتها في العراق إلى نصر. هذا هو ملخص ما يجرى في التغطيات الإعلامية وأحاديث المسؤولين الأمريكيين، بشأن عملية سحب نحو 80 ألف جندي أمريكي، وإبقاء نحو 50 ألفا آخرين بحجة التدريب والإسناد للقوات العراقية.
حاولت التغطيات الإعلامية وتصريحات المسؤولين، إظهار الانسحاب وكأنه إعلان بإكمال الأهم في عملية احتلال العراق (أو تحريره)، وأن الانسحاب يأتي إنفاذا لاتفاق سابق مع الحكومة العراقية، كما جرى الحديث حول قدرة الجيش العراقي وأجهزة الأمن على حمل مسؤولية ومهمة حفظ الأمن في العراق، وعن تحويل دور القوات الأمريكية الباقية إلى دور التدريب، بما يعني القول إجمالا: لقد نجحنا، وها نحن ننسحب وفق ترتيبات وأوضاع مستقرة أو في طريقها للاستقرار أو وفق علاقات وأوضاع مؤسسية مع سلطة أقمناها في العراق بعد الغزو.
لكن واقع الحال مختلف عن تلك الصورة كليا. فالانسحاب الأمريكي من حيث المبدأ ليس انسحابا حقيقيا أو هو عملية خداع مبرمجة تستهدف التأثير على الرأي العام الأمريكي لظروف انتخابات الكونغرس القادمة، والرأي العام العراقي، إذ يحمل الانسحاب كما يصور رسالة تقول بنهاية الاحتلال، وفي ذلك يجرى التشديد على مقولة سحب القوات المقاتلة وأن القوات الباقية ليست مقاتلة أو ليست قاتلة، ومهمتها هي التدريب والمساعدة والمساندة للقوات العراقية، بل وصل الأمر حد القول، بأن القوات الأمريكية لم يعد لها أن تتدخل عسكريا إلا بطلب من الجيش العراقي.
وانسحاب القوات الأمريكية الذي قيل إنه جرى ويجري، قد ترافق مع تغطيات إعلامية ومتابعات تذكر بمهرجانات واحتفالات النصر، قد حمل دلالات الهزيمة، إذ أعلن عنه بعد حدوثه فعلا، إذ لا أحد يبلغ عدوه بموعد انسحابه، بما يظهر أن القوات الأمريكية حذرة للغاية من المقاومة العراقية وتعرف مدى قوتها، ولم يكن لها أن تخطئ وتبلغها بانسحابها مسبقا.
وانسحاب هذا القدر من القوات الأمريكية لم يجر على قاعدة إنهاء المهمة – كما يجري الإيحاء ليل نهار وبطرق متعددة – بل هو يأتي وفق حالة من عدم القدرة على بقاء صورة الاحتلال المباشر، بعدما تعرض له الجيش الأمريكي من خسائر تحت ضربات المقاومة العراقية، وبسبب الضعف الاقتصادي الأمريكي الذي وصل حد تخفيض النفقات الدفاعية، في ظروف تستمر فيها الحرب في أفغانستان والعراق. وهنا يبدو التذكير مفيدا، بما قاله عدنان الباجه جي –رئيس مجلس الحكم الانتقالي الذي أقامه الاحتلال في العراق- من أن الأمريكان "لو تبوس أيدهم ما يبقوا في العراق ساعة واحدة".
ما الذي يجرى إذن، إذا لم يكن الانسحاب.. انسحابا حقيقيا، وإذا كان الانسحاب الجاري الآن يجري على قاعدة الهزيمة في ذات الوقت. كيف هذه المعادلة؟
في خطة الانسحاب الأمريكية من فيتنام، لم يجر إقرار أمريكي بالهزيمة التي وقعت شاملة وكاملة، وقدم الانسحاب والهزيمة من خلال لعبة التفاوض مع الفيتناميين، وفق ما سماه المخضرم الإستراتيجي هنري كيسنجر "الفجوة الذهبية". والفجوة الذهبية هي مساحة الوقت ما بين الإعلان عن الانسحاب من خلال التفاوض والاتفاق وانتهاء الانسحاب ذاته وسقوط النظام الذي أقامه الأمريكان في فيتنام الجنوبية، وهو ما ضمن ألا تنسحب القوات الأمريكية فورا، وفق مبدأ ومنطق الهزيمة أمام قوات الثورة الفيتنامية خلال أعمال قتالية، بل جرى ترك مساحة بين انتهاء التفاوض والانسحاب وسقوط النظام الموالي للولايات المتحدة، الذي سقط بعد عام من الإعلان عن انسحاب القوات الأمريكية.
كان الزعم الذي نشر وروج له، أن القوات الأمريكية ستنهي مهمتها وتنسحب وأن الجيش الفيتنامي الجنوبي الذي أسسه الأمريكان وسلحوه حتى بلغ تعداده نحو المليون فرد، سيكون محل تدريب ورعاية من الجيش الأمريكي خلال ما بعد الانسحاب، وأنه سيكون قادرا على حماية فيتنام الجنوبية ونظامها. وكان معلوما لدى الأمريكيين وفق تقديراتهم التي نشرت من بعد أن هذا الجيش لا يستطيع الصمود أمام القوات الثورية لأكثر من عام، وكان هذا العام هو الوقت الذي احتاجته القوات الأمريكية للانسحاب دون إعلان هزيمة، أو للفصل بين القتال والانسحاب أو للفصل بين حالة الانسحاب تحت ضربات المقاومة الفيتنامية.. والانسحاب تحت شعار اكتملت المهمة.
تلك هي المعادلة التي جرت خلال الانسحاب الأمريكي المهزوم من فيتنام. لكن الأوضاع في العراق والانسحاب الحالي يبدو مختلفا عما جرى في فيتنام. ما يحدث في العراق الآن، هو أمر مزدوج.
الانسحاب الأمريكي الراهن من العراق، هو انسحاب ناتج عن هزيمة الخطة العسكرية والسياسية والاقتصادية في السيطرة الشاملة على العراق وتحويله إلى نمط الدولة المحتلة وفق نموذج الاحتلال الكلاسيكي. وهو انسحاب يجري ضمن محاولة البقاء في ذات الوقت، لكن وفق خطة جديدة، يتحول فيها الاحتلال المباشر إلى حالة الاحتلال غير المباشر، أي إلى الاحتلال السياسي والاقتصادي مع قدر من الوجود العسكري يضمن بقاء السلطة المتعاونة مع الاحتلال، ليستمر النفوذ والدور والمصالح الأمريكية.
هو انسحاب يذكرنا بتلك المرحلة التي مرت بها القوة العسكرية البريطانية التي كانت تحتل مصر، حين أجبرت تلك القوة العسكرية على الانسحاب من الشوارع والاختفاء عن الأعين، والبقاء في قواعد بعيدة عن العاصمة، لحماية نفسها من ضربات المقاومة الشعبية المصرية، وفي ذلك جرت عملية معقدة لتكثيف السيطرة السياسية على الحكم من خلال التابعين وأصحاب المصالح في بقاء الاحتلال، وهي حالة كانت وسيطة بين الاحتلال العسكري المباشر، والانسحاب الذليل من مصر. كان الاحتلال قد تحول من الحالة المباشرة إلى حالة غير مباشرة تتواجد فيها القوة العسكرية الجاهزة لتأمين السلطة المتعاونة، لكن دون انتشار في الشوارع.
لذا يمكن القول بأن الانسحاب الأمريكي يأتي على أرضية التراجع المؤقت، وفق حركة في اتجاهين، أولهما اتجاه تقليل عدد القوات العاملة على الأرض لعدم الحاجة لها بحكم عدم الانتشار في الشوارع والمدن، والتحول إلى الاحتلال غير المباشر، والاتجاه الثاني هو الانسحاب إلى قواعد عسكرية دائمة وآمنة، مع التركيز في التسليح على ما يناسب التواجد في القواعد، وبشكل خاص طائرات الهيلوكبتر إذ لا حاجة أساسية للدبابات والمصفحات، وفي ذلك لا حاجة لعديد القوات السابق وجودها.
والانسحاب الأمريكي هو تحول باتجاه تقليل الجهد العسكري المطلوب والإنفاق المالي وأعداد القتلى، بما يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية الراهنة للولايات المتحدة، إذ لم تعد هناك قدرة على الاستمرار في حالة الاستنزاف العسكري للميزانية الأمريكية التي صارت في وضع المعاناة الخطرة.
لقد جرى الانسحاب إلى القواعد، ومن بعد سحب عدد من القوات، مع شدة التركيز الإعلامي على انتهاء المهام القتالية وبناء تجربة ديمقراطية، وإغراق الرأي العام في الحديث عن القادة العراقيين المتصارعين، وكل ذلك ضمن خطة إعادة رسم صورة أخرى للولايات المتحدة في المنطقة، لتقليل الخسائر الأمريكية سياسيا وإعلاميا أو لتحسين صورة الولايات المتحدة في المنطقة، خاصة وأنها صارت في مواجهة منافسين أقوياء لها على النفوذ والدور، مثل إيران وتركيا وروسيا والصين، في لعبة المصالح المتعارضة، كما لا يجب إغفال أن الانسحاب يجرى إدراكا لمدى ما أضرت السياسة الأمريكية السابقة الحلفاء الأساسيين لها في المنطقة.
نحن إذن أمام خطة أخرى للاحتلال، ناتجة عن ضعف وهزيمة من جهة، وتشكل محاولة لإعادة الهجوم واستمرار البقاء من جهة أخرى، من خلال إعادة رسم صورة أخرى جديدة للاحتلال، يأتي ضمنها نمط جديد من إدارة العراق المحتل.
بدأت المرحلة الراهنة بتحضيرات وخطوات عديدة، إذ نحن أمام خطة إستراتيجية متعددة الإبعاد، وصلنا في ختامها الآن، إلى هذا الإعلان الاحتفالي بسحب جانب من القوات. في البداية جرى التوقيع على الاتفاقية الأمنية مع ذات السلطة العراقية التي تشكلت تحت إشراف وإدارة ونفوذ قوة الاحتلال. كان المغزى في تلك الخطوة، أن الولايات المتحدة تقول إنها تتعامل من الخارج مع سلطة عراقية تمثل العراق. ومن بعد سحبت القوات الأمريكية من الشوارع وقصر دورها – في الظاهر-على التدخل لمساندة القوات العراقية المسلحة التي جرى تأسيسها مثل كل كيان السلطة العراقية تحت إشراف وإدارة وقواعد ونفوذ قوات الاحتلال. وفي الجانب الآخر، جرت انتخابات وصراعات داخل النخب العراقية، لتثبيت مقولة إن العراق له سلطة سياسية مستقلة، وإن شعبه يحكم نفسه من خلال اختيار صندوق الانتخابات. وبين هذا وذاك، جرى تحويل الدور الأمريكي "بدقة وضبط نفس" إلى دور سياسي غير من خلال أكبر سفارة للولايات المتحدة في العالم.
وهكذا وضمن أساليب سياسية وإعلامية متعددة –وصلنا إلى مرحلة ما قبل سحب القطاع الأكبر من القوات - فجرى التأكيد على مواعيد الانسحاب، وتعظيم وضعية وحالة الضجيج الإعلامي حول الانسحاب خاصة للقوات القتالية، وكانت القوات الباقية وقدرها خمسون ألفا، ليست قوات عسكرية أو لا تستطيع القتال، أو ليست لديها أسلحة قتالية.
من خلال هذا الضجيج الإعلامي حول الانسحاب، بدأت مرحلة جديدة من إدارة الولايات المتحدة للعراق.
في الوضع الجديد، ستحاول الولايات المتحدة أن تتصرف في العراق، وكأنها ليست هي من يديره ويحدد سياسته العامة، وفي ذلك هي التي ستوصي الساسة العراقيين بالظهور بمظهر المسؤول عن إدارة شؤون العراق. ولعل أهم ما تحاول الولايات المتحدة في إدارتها للعراق، هو السعي الحثيث لعقد القمة العربية في بغداد، إذ هذا الحدث يوازي كل ما جرى منذ الاحتلال في تثبيت السلطة المتعاونة معه، وحتى الآن. ففي الوضع الجديد، ستحاول الولايات المتحدة دفع النخب المتعاونة معها إلى مد اليد للتعاون وترطيب العلاقات مع دول المحيط جميعها، من أجل ترسيخ نفسها في داخل العلاقات العربية والإقليمية، لتسويق العراق المحتل، وللحصول على دعم دول الإقليم في تثبيت التغييرات الحاصلة في العراق منذ الاحتلال وحتى الآن. وهنا تأتي أهمية تصريحات رئيس القائمة العراقية أياد علاوي، بأن الولايات المتحدة لن توافق أو تدعم حكومة عراقية لا ترضى عنها إيران.

 

 

ستفتاءات
 
بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات
اطلالات
خفايا واسرار
بكائيات
اخبار خاصة
وثائق للتأريخ
صور شخصية
جريدة براءة

 

 

 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©