|
خطاب التجاهل المتبادل
أ . فائز محمد عبد الله
لاشك ان خطاب الحركة السياسية العراقية المناهضة والمقاومة
للاحتلال الاميريكي يعيش اشكالية كبيرة. وذلك يعود الى اسباب
اهمها المأزق الذي تعاني منه الحركة ذاتها، حيث التشتت من جهة
والادعاءات من جهة اخرى فضلا عن الجفاف الواضح للبنية التحتية
اي التنظيم والاوضاع اللوجستية ، اذ اصبح معلوماً ان هذا الوضع
دفع العديد من الاطراف في هذه الحركة الى عقد تحالفات سرية مع
اطراف اقليمية لتأمين جزء من ديمومتها مما زاد من مأزقها
بأضافة عوائق جديدة الى امكانية توحدها او حتى التنسيق مابينها
،في الوقت الذي لم تتمكن فيه هذه التحالفات ايقاف تدهور سير خط
العلاقات مع المحيط الخارجي الملائم مثل الحركات الشعبية
والسياسية العربية التي تشكل لها الارضية الطبيعية والمناصرة.
وفي الحقيقة ان اشكالية خطاب الحركة الوطنية هو انعكاس صادق
لمأزقها الذي تكوّن نتيجة الافتقار للمواصفات النوعية
الموضوعية لنشوء التنظيمات التي تتطلبها المرحلة، وهذا ليس
عيبا سياسيا بقدر ما يشكل خللاً تركيبياً تنظيميا حيث ان معظم
اطراف الحركة المناهضة والمقاومة تشكلت نتيجة ردة فعل على هول
الاحتلال ولم تكن وليدة حاجة نمو وتطور في الاوساط الاجتماعية
والثقافية والاقتصادية داخل النسيج العراقي .
وبما ان ردة الفعل عادة ما تكون عاطفية وشعورية ونخووية فانها
تنشأ وهي فاقدة لأشتراطات حجم المسؤولية في المشكلة الوطنية
التي لاتقتصر على مقاومة ومناهضة المحتلين فقط بل لابد لها من
توقع ومعالجة الظواهر الناشئة الجديدة التي تشكلت نتيجة
الاحتلال ما بين صفوف الشعب العراقي عامة بعد الاعتراف بها،
الا ان الذي حدث لم يتجاوز محاولات الاستئثار والتفرد بالافعال
الوطنية للمقاومة ضمن غريزة المنافسة العاطفية بدلا من التنسيق
منذ الخطوات الاولى .
عندها برزت اول معضلة وهي عدم الاعتراف بالمقابل او تجاهله على
الاقل ، ادى هذا الى تنحّي عامل العلاقات جانباً ومن ثم
التنسيق وبالتالي فقدت الانشطة التي تهدف خلق تيار ستراتيجي
جبهوي للحركة المناهضة والمقاومة اندفاعاتها في المرحلة الاولى
وتحولت الى حقيقة موضوعية في المرحلة الثانية واصبحت عائقا
كبيرا ومعضلة تلم اشكاليات متعددة في المرحلة الحالية.
قد يقول مهتم بقضية استقلال العراق واعادة سيادته او لربما
ممثل عن تنظيم او جبهة او اتحاد، وما اكثرها من تسميات، ان من
الاسلم البوح بالمعضلات في اطار داخلي وليس على احدى وسائل
الاعلام . اقول نعم هذا صحيح ولكن ليس بعد هذه السنوات العسيرة
التي مرت على مسؤولي، ولا اقول قادة المنظمات والاحزاب
والهيئات مرور الكرام على الرغم من ثقلها ومآسيها على العراق
وشعبه، ولم يتخذوا الا خطوات تنسيقية بسيطة تكاد لاتذكر اذا ما
قيست بحجم مهمة مواجهة الاحتلال سياسيا واعلاميا.
وبناء على حقيقة معضلة المرحلة الحالية فلم يعد ان تستغرب
عندما تلاحظ التجاهل المتبادل اعلاميا بين اطراف مناهضة
ومقاومة بخاصة تلك التي تمتلك وسائل اعلامية مهمة كالصحف
والمواقع والفضائيات، حيث نجحوا في اقامة علاقات مبنية على
التجاهل المتبادل بدلا من انشاء ادارة مشتركة لبناء علاقات
التفاعل والانسجام المتبادل.
هذا الامر سيؤدي الى توالد مشاكل اخرى اولها محاولة الاطراف
المعنية سد هذه الثغرة الستراتيجية باقامة علاقات وتآلفات
هامشية او ثانوية واعطائها حجما اعلاميا اكبر كثيراً من
حقيقتها، وهذا ما حصل فعلاً، وعلينا ان نفهم بأن مثل هذه
الخطوات لا تحل المعضلة بل تؤكد اصرار المسؤولين المعنيين على
انتهاج كل السبل المباشرة وغير المباشرة للمحافظة على واقعهم
البعيد عن المسؤولية القيادية التي تتطلبها عملية استقلال
العراق واسترجاع سيادته الوطنية ثم المساعدة في حل الجوانب
السلبية لظواهر مابعد الاحتلال.
ولعلي لا اتجنى على احد اذا قلت ان الاصرار على ابقاء هذا
الواقع يؤكد غياب الموقف الحقيقي لقضية مصير استقلال وسيادة
بلادنا عن اذهان السادة مسؤولي التنظيمات والهيئات والاتحادات.
ولقد ادت سلبيات واقع الحركة العراقية المناهضة والمقاومة في
الوقت الراهن الى تراجع مستوى علاقاتاتها مع اطراف عربية
مناصرة لها لدرجة ان البعض منها " الاطراف العربية" لم يعد
مكترثاً لمسألة تمثيل المقاومة العراقية في اي ندوة او اجتماع
او مؤتمر وذلك لتعدد المراجع لدينا وكثرة الادعاءات فضلا عن
الاداء غير الموفق في العلاقات العامة وعدم فهم تعاملاتها
وحيثياتها المهنية والتنظيمية فضلا عن تأثيرات اقليمية على تلك
الاطراف في ظل غياب عراقي صارخ .
وفي لمحة بسيطة تبدو لنا فيها صورة التنظيمات المناهضة
والمقاومة للاحتلال الاميركي مرتبكة ومشوشة بعد ان فقدت الكثير
في الداخل، وعلى الرغم من ذلك فهي تتمتع في الخارج بحضور اوسع
من الداخل وان كان الوهن هو الصفة العامة لواقعها خارجياً ايضا
بعد ان اصبحت عبارة عن مكاتب تمارس انشطة اعلامية غير ناجحة
وغير مؤثرة بل في كثير من الاحيان منفرّة نظراً لفقدانها
الخطاب الاعلامي والسياسي الصحيح المستوعب للمسؤولية التاريخية
والوطنية لقضية العراق، الذي يتطلب الاعتراف بالمقابل الشريك
وغير الشريك والاعتراف بالاخطاء وتجاوز الافق النقابي
والانحياز التحزبي والتخلص من عقدة الماضي السعيد والارتقاء
الى هدف التحرير وليس التسلق لممارسة المسؤوليات السلطوية التي
ما برح البعض منا يمارسها لحد الان مع الاسف الشديد وكأن
زلزالا مثل الاحتلال لم يحدث في العراق !
|