أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف
 

رأي : الثورة الإسلامية .. في مواجهة رفسنجاني؟! 1/2

 

أ .  يوسف شلي

 

إذا استمرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في التعامل مع الأزمة السياسية العميقة التي تنخر كيان الثورة والدولة، من خلال التركيز على الخلافات الداخلية التي تحولت مع الوقت إلى عاصفة هوجاء، فإن أوقاتا عصيبة تنتظر إيران داخليا وخارجيا.

هناك اعتقاد سائد على نطاق واسع عند عامة الشعب الإيراني، ومنذ فترة طويلة، أن الرئيس الإيراني السابق، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، أحد أهم وأبرز دعائم الحكم، هو في قلب وصميم الصراعات الداخلية التي تهدد بتمزيق تركة الثورة الإسلامية لعام 1979. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة اعتداءات لفظية على رفسنجاني، بقيادة آية الله محمد يزدي، وهو الرئيس السابق للسلطة القضائية الحالية والعضو المؤثر في مجلس خبراء القيادة.

هذه الاعتداءات اللفظية التي لم يسبق لها مثيل ـ قد تثير من جديد تساؤلات حول موقف رفسنجاني الغامض بشأن الأزمة السياسية ـ لم تكن مُمكنة قبل الانتخابات الرئاسية التي أثارت جدلاً مثيراً في حزيران/ يونيو 2009م. إنه انهيار كبير لسياسة العُصب الحاكمة في الجمهورية الإسلامية، التي لم تجعل فقط من الممكن تهميش رفسنجاني، ولكن ـ أكثر من ذلك ـ أثارت احتمال عزله تماماً عن المشهد السياسي. إن السقوط الوشيك لرفسنجاني سيكون ـ فعلاً ـ التطهير الثالث الكبير، وربما الأكثر أهمية في تاريخ الثورة الإسلامية في إيران.

بالنسبة للسنوات الثلاثين الماضية، وإلى وقت قريب جدا، كان علي اكبر هاشمي رفسنجاني دعامة أساسية للمؤسسة الثورية الإيرانية. ومع سجل غير مسبوق في النشاط السياسي، يمتد إلى ما يقرب من ستة عقود، فإن السلطات الثورية التي يملكها رفسنجاني، وبالتالي المصداقية الثورية هي على قدم المساواة مع آية الله سيد علي خامنئي، المرشد العام وقائد الثورة الإسلامية.

معارضي رفسنجاني يصورونه على أنه شخص متطرف وانتهازي، يصعب إدانته سياسياً. وفي ضوء خبراته السياسية الطويلة، وتأثيره العميق في مسألة تطوير وتنمية الجمهورية الإسلامية، فإن هذه الاتهامات التي تُساق ضده ليست عادلة تماماً أو دقيقة.

قبل انتصار الثورة في شباط / فبراير 1979، كان رفسنجاني مريداً وفياً ومخلصاً لزعيم الثورة الإسلامية في إيران، آية الله الخميني في أواخر عهده، وكان ملتزماً التزاماً صادقاً في السعي إلى تحقيق مشروع إقامة الدولة الإسلامية في إيران.

اندفاعه من أجل خدمة أهداف الثورة الإسلامية بزعامة الخميني، جعله يلعب دوراً محورياً في قضية اغتيال رئيس الوزراء الإيراني السابق حسن علي منصور في كانون الثاني/ يناير عام 1965. ألقي القبض عليه على الأقل في ثلاث مناسبات ابتداء من الستينيات إلى أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وسجن من قبل جهاز السافاك (الاستخبارات السرية) السيئة السمعة.

من جانبه، يرى رفسنجاني نفسه على أنه الرجل الإصلاحي الكبير مُقارنة برجل إيران الأسطوري والحداثي الذي عاش في القرن 19، ميرزا تقي خان أمير نظام المعروف أيضا باسم (أمير كبير). كان أمير كبير رئيساً للوزراء في سنة 1848 حتى 1852، في عهد الملك ناصر الدين شاه قاجار، الذي اعتبر أول "عاهل حداثي" إيراني.

قابلية رفسنجاني لمطاوعة الملكية، أو تكريس وعي الانتماء مع جوانب من تاريخ إيران الطويل الملكي (والذي يعتبر في قاموس لغة الإسلاميين الثوريين بدعة ولعنة لا تغتفر) دفع البعض إلى إطلاق أو تبني اسم "أكبر شاه" الذي يرمز إلى المكانة السامية والعلا والسؤدد، لذا كان هوى رفسنجاني لاسمه "علي أكبر". ولم يكن هذا المعيار الوحيد في هذا الشأن.

كان صعود رفسنجاني السياسي في 1980 ملفتاً للانتباه، فعندما كان رئيساً للبرلمان استطاع بفهمه العميق وقدرته الخارقة على استغلال حرب المصالح والعُصب السياسة لمصلحته الخاصة. وبالنسبة له، قُدراته غير العادية السياسية، ومهاراته في اللعب مع العدو والصديق معا، مكنته من انتزاع مكانة معتبرة عند منتقديه أو المعجبين به على حد سواء، حيث وصفوه بـ"القرش"، مما عزز من سمعته المكيافيلية في الأوساط الداخلية والخارجية.

كما أن المسيرة السياسية المعقدة لرفسنجاني، أدت به إلى تبني مواقف في بعض الأحيان تُعتبر معتدلة وفي أحيان أخرى مُتطرفة، وهذا ـ كما يقول المتابعون ـ يتوقف على مزاجه اليومي وأيضا اللحظة. لهذا السبب، أشارت الكثير من الحكومات الغربية، وكذلك وسائل إعلامها إلى انه رجل "براغماتي" يُمكن التحدث معه والاقتراب منه، وهو وصف دقيق تماماً.

ويذكر بعض المتابعين للشأن الإيراني، أنه في أواخر 1980، كان رفسنجاني العقل المدبر للتراكم غير العادي للسلطات والثروة داخل أسرته وبين أقرب مساعديه وأتباعه. وبعد غياب آية الله الخميني في حزيران / يونيو 1989، تحرك رفسنجاني بسرعة لترسيخ موقعه في البلاد.

إنه العقل المدبر أيضاً الذي أسقط رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي، والذي قاد الجهود الرامية إلى إلغاء منصب رئيس الوزراء في آب / أغسطس 1989، مما أدى إلى تدعيم وتعزيز سلطات رئاسة الجمهورية.

وبعد أن تمّ انتخابه في تموز / يوليو 1989، تعاون رفسنجاني مع جميع العُصب السياسية الناشطة في الدولة من أنصار تيار المحافظين وأنصار تيار اليمين الإسلامي مع استبعاد أنصار تيار اليسار الإسلامي. وتجسدت هذه السياسة التي قادها رفسنجاني بتطهير واسع النطاق قاده ضد المرشحين اليساريين في انتخابات مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) في نيسان / أبريل 1992، والتي مهدت الطريق لصعود تيار اليمين الإسلامي المتشدد. الإطاحة بموسوي في آب / أغسطس 1989، وتطهير صفوف البرلمانيين الذي حدث في نيسان / أبريل 1992م، كانت له تداعيات واسعة النطاق سياسياً وإيديولوجياً وأسهمت بشكل مباشر في الأحداث الأليمة التي وقعت في حزيران/ يونيو 2009م.

وهناك قصة يُتداول الحديث عنها في دوائر المؤسسات الحاكمة في إيران، وهي حين كان الخميني ـ مؤسس الثورة /الدولة الإسلامية في إيران ـ على فراش الموت، خلال لحظاته الأخيرة، أخذ بيد كل من رفسنجاني وخامنئي، وحذرهما مُسبقا بأن الثورة "سوف تدوم وتبقى وتزدهر" طالما بقي الرجلان "معا" في صف واحد.

ربما هذه أسطورة فقط، ولكن مثل كل الأساطير، أسهمت في تحقيق بعض المكاسب لرفسنجاني ولخامنئي، وبالطبع للثورة الإسلامية. وعلاوة على ذلك، فقد كانت بمثابة نداء للتوحد والالتحام في بداية التسعينيات، عندما وجدت الجمهورية الإسلامية في إيران صعوبات في التكيف مع الظروف الاستثنائية بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في عام 1988، واختفاء مؤسس وزعيم النظام في السنة التالية.

واستغل رفسنجاني وأنصاره هذه الأسطورة بحماس، حيث سهل رفسنجاني ـ خلال التسعينيات ـ صعود خامنئي إلى زعامة الثورة وقيادتها بعد وفاة الخميني.

فكرة وجود رابط لا تُنقض عراه بين رفسنجاني وخامنئي، تُرجم إلى شعار شعبي كان يُهتف به يحمل عنوان: "يحيا خامنئي وهاشمي". وبالنسبة لأتباع رفسنجاني، فإن الرابط الذي كان بين خامنئي ورفسنجاني، رمز إلى الانفصال بالتراضي بين الايدولوجية الدينية والحكم والسلطة المدنية في الجمهورية الإسلامية في إيران.

منذ البداية، كان هذا التقسيم غير مقبول تماماً على مستوى القاعدة الشعبية من مؤيدي النظام الإسلامي، والذين ينجذبون بشكل طبيعي نحو قيادة خامنئي وزعامته كمرشد عام للثورة الإسلامية. صحيح أنهم شاهدوا إستراتيجية التكنوقراط الهادفة إلى الحد تدريجياً من دور ولي الفقيه، الذي هو حجر الزاوية الإيديولوجي للنظام "الإسلامي" الشيعي الإيراني القائم، الفريد من نوعه، مقارنة بأنظمة الحكم "الإسلامية" السنية لبعض الدول والحكومات العربية والإسلامية.

وعلى مستوى القاعدة الشعبية المؤيدة للجمهورية الإسلامية، شرع رفسنجاني وجماعته من التكنوقراط في عملية "علمنة" المؤسسات والدوائر الحكومية، حيث كانت النتيجة المرجوة "تطبيع" الحياة الإسلامية للجمهورية الإيرانية مع أهداف الدول الغربية الساعية إلى توثيق علاقاتها مع طهران، ومحاولة تهذيب توجهاتها الإيديولوجية المتشددة والسياسية الحادة بما يتوافق مع تطلعات القرن 21، وخاصة في النواحي الاقتصادية والسياسية والطاقوية.

لكن المقاومة الشديدة من قبل أنصار ومرجعيات الثورة للرؤى والتوجهات السياسية والاقتصادية لرفسنجاني، كبحت من طموحاته "المشروعة" في نظر البعض و"غير المشروعة" عند البعض الآخر، التي رأت فيها خيانة للثورة ولتعهدات الخميني التي تعهد بها كل من رفسنجاني وخامنئي قبل وفاته.

وقد أثبتت الأحداث المتسارعة، تفاقم الأوضاع المعيشية، حيث سجلت حكومته ضعفاً واضحاً في الأداء الاقتصادي والاجتماعي. وبحلول عام 1993، اقترضت الحكومة عشرات المليارات من الدولارات من المقرضين الأجانب، خاصة من أوروبا (تحت غطاء إعادة الأعمار في أعقاب انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية)، وبلغ معدل التضخم أعلى نسبه منذ عقود من الزمن، واهتزت كبرى المدن الإيرانية بسلسلة من الاضطرابات الخطيرة، وتجلى ذلك بشكل واضح في أحداث مدينة مشهد في آيار/ مايو 1992.

وفي غضون السنوات الأربع لحكومة رفسنجاني، انقلب هذا الأخير على الكثير من مكاسب حكومة موسوي المحققة في 1980. فقد استشرى الفساد في حكومة رفسنجاني، حيث كان منخفضاً بشكل حاد في 1980، أي في عهد حكومة موسوي، ليطل (الفساد) مرة أخرى بوجهه القبيح في شكل مخططات نصفية "نفعية" خاصة، وصفقات مشبوهة وخصخصة لصالح المقربين، التي ساهمت بشكل كبير في تشويه الاقتصاد الإيراني الذي يُعاني الويلات بعد انتهاء الحرب المدمرة العراقية ـ الإيرانية.

في حزيران / يونيو 1993م، وبعد الانتخابات الرئاسية، ورغم القوة التي يتمتع بها رفسنجاني، إلا أن حكمه بدأ يشهد تراجعاً في الأداء والقناعات. وحتى وإن فاز بفترة ولاية ثانية، فإن صاحب السلطة والهيبة التي كان يتمتع بها من قبل، بدأت بالتقلص شيئاً فشيئاً، وبشكل مطرد، في الفترة الممتدة بين (1993 - 1997).

وعلى امتداد الصراع الكبير بين "الايدولوجية" و"النفعية"، فإن الأولى (الايدولوجية) تمكنت من الفوز في هذه المرحلة بشكل واضح، كما يشهد بذلك موقف آية الله خامنئي مرشد الثورة الإسلامية، الذي تعزز أكثر فأكثر أثناء الاضطرابات الشعبية التي عاشتها إيران في السنوات القليلة الماضية، آخرها كان في الانتخابات الرئاسية في السنة الماضية.

وفي عام 1997، اشتدت المعركة من جديد بين أنصار الفكر الإيديولوجي من جهة والفكر الإصلاحي من جهة أخرى بعد فوز الإصلاحي محمد خاتمي في الانتخابات الرئاسية. الانتصار المذهل لخاتمي حوّل ـ مرة أخرى ـ الصراع القائم بين "الأيديولوجية" و"السياسية" إلى معركة الجمهورية الإسلامية في إيران، أي بين اليمين الإسلامي المقرب لخامنئي، باعتباره ولي الفقيه، واليسار الإسلامي القريب من توجهات خاتمي الإصلاحية.

وباختصار شديد، فإن البرنامج السياسي والاجتماعي للرئيس السابق خاتمي وأنصاره كان عبارة عن جدول أعمال توجيهي، نتيجته النهائية سيكون حتماً، "اعتناق" الديمقراطية على النمط الغربي الليبرالي.

أما بالنسبة لمناصري النظام الإسلامي، فإن النصر الانتخابي الذي حققه خاتمي، شكل تهديداً مُميتاً للثورة ولتعاليم وإرشادات الإمام الخميني التي يطبعها نوع من "التقديس" عند هؤلاء، حيث دفعت من جديد بالتوترات القائمة بين الأبعاد الهيكلية الأساسية للنظام "الجمهوري" و"الإسلامي" إلى مستوى أعلى ... يتبع.

 

 


استفتاءات
بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات
اطلالات
خفايا واسرار
بكائيات
وثائق للتأريخ
صور شخصية
جريدة براءة 

 

 

 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©