|
(حكومات) آخر زمان
أ . فائز محمد عبد الله
يوماً بعد اخر تتأكد الولايات المتحدة انها اعتمدت مجموعة
شخصيات سياسية لم يستطيعوا ان يثبتوا انهم قادرون على تشكيل
حكومة حقيقية ضمن المواصفات التي يتحدثون عنها. فالكفاءة
تنقصهم من جميع الجوانب، ولا اقصد الكفاءة الوظيفية للحكومة
فقط انما العمق الايماني بحقوق الناس وحقوق الوطن اللذان
يتطلبان التخلي عن المفاهيم النظرية المذهبية التي تأسست
بموجبها احزابهم. وعلى الرغم من تخليهم اعلاميا عنها الا ان
ذلك كان على سبيل تسويق الكلام وبيعه على الاخرين لتمرير
سياساتهم البراغماتية التي يعتقدون انها افضل سبيل للبقاء في
الحكم. فالبقاء في الحكم اصبح الهدف الاكبر لهذه الاحزاب التي
تدير ما يسمى بالحكومة وهي تتصرف بمنطق وآلية ادمت شعب العراق
وباعت ثرواته للحصول على مباركة الشركات الاميركية الكبرى
القريبة من لوبيات الكونغرس.
ومع ذلك فان مفهوم
البيت الابيض والكونغرس لكيفية ادارة العراق المحتل لم تستطع
اللوبيات الحاكمة في بغداد ان تهضمه فهي تلميذ غير شاطر حتى
وان تفننت في خلق العراقيل والمشاكل لشركائهم في العملية
السياسية تلبية لنهج ترغب به جهة محددة في طهران مما ازعج
واشنطن ليس دفاعا عن الذين استهدفوا، باعتبارهم ركنا اساسيا في
العملية السياسية، انما دفاعا عن العملية السياسية
الخائبة برمتها.
والخيبة بالنسبة
للعقل السياسي في وزارة الخارجية والاستخبارات الاميركية هي
تلك الفوضى والملهاة المأساوية في بغداد في ضل وضع قانوني
ودستوري اقل مايمكن القول عنه انه مجموعة متناقضات لاتفضي الا
الى توالد المشاكل والعقبات والمعضلات. فالحكومة واعني بها
مجموعة المنظومة الحاكمة او مايطلق عليه الرئاسات الاربع وهي
بعيدة عن كلمة رئاسات حيث لاتتوفر القناعات المتقابلة بين هذه
الرئاسات لابل حتى داخل الرئاسة الواحدة، وعلى سبيل المثال فان
مجلس الوزراء لايعمل كمؤسسة بعد ان استفرد رئيس الوزراء
بالقرارات فيما يتوجه الوزراء الى الاعلان عن تبرمهم من
التجاهل الذي يعاملون به نتيجة هيمنة مستشاري رئيس الوزراء
الذين جاء بهم من حزبه فقط، وسيطرتهم على صلاحيات الوزراء
القانونية و(الدستورية) بعد ان سحبت منهم تلك الصلاحيات
عملياً. واصبح مجلس الوزراء يمثل حزب رئيس الوزراء حتى من دون
حلفائه في الائتلاف الطائفي الحاكم.
وهكذا بالنسبة
لرئاسة الجمهورية المتشكلة من رئيس ونائبين فكل واحد منهم يسحب
باتجاه مصلحة حزبه او مصلحته الشخصية المتمثلة باقامة
التحالفات قبل الانتخابات وما بعد الانتخابات لدرجة ان مجلس
الرئاسة تعذر عليه ان يكون موحد الموقف والقرار منذ تشكيله
ولحد الان اللهم عدا ما يخص مصلحة الادارة الاميركية في
العراق.
ولعل وضع رئاسة
البرلمان والبرلمان من اكبر فضائح تأريخ البرلمانات وليدة
الاحتلالات قاطبة اذ لارابط فكري ولاحضاري ولاقانوني. وعلى
طريقة تخريب الالعاب يندر الالتزام بالانظمة الداخلية للجان
فيتصرف رئيس اللجنة حسب هوى حزبه او حسب هواه، فتراه يصدر
بيانا او موقفا باسم اللجنة واعضاء اللجنة لايعلمون شيئا عن
هذا الموقف او البيان، ومثال ذلك مطالبة رئيس اللجنة القانونية
بشمول نائب رئيس الجمهورية بقانون اجتثاث البعث من دون عرض
الامر على اللجنة المذكورة. اذ كانت مفاجئة وصفت بأنها آخر
قنبلة برلمانية لبرلمان انتهت مدته "الدستورية" حسب دستورهم
المزعوم الذي وضع لغرض توظيف الفوضى نتيجة ثغراته المنهجية
والقانونية والوطنية والسياسية لصالح قادة الاحزاب الطائفية
والشوفينية الحاكمة واقربائهم واصدقائهم.
اما رئاسة مجلس
القضاء الأعلى فهي مع الاسف الشديد قد سيطرت عليها احزاب
المليشيات باساليب ارهابية افقدت القضاء كله وليس فقط مجلسه
الاعلى استقلاله القانوني والمهني مما دفع الكثير من الجهات
المهنية للمحامين والحقوقيين تقديم المذكرات الاحتجاجية تطالب
فيها بالكف عن تدخل الاحزاب الحاكمة بقضايا القضاء والقانون.
فالرئاسات الاربع
لاتمتلك الا المناكفات فيما بينها وفي داخلها ايضا ووصلت الى
استصغار الواحدة للاخرى وبقي اعضاؤها رؤساءاً ومرؤسين يتصرفون
على اساس منافساتهم وصراعاتهم كممثلي احزاب فقدت المنهجية
الوطنية . فكيف نفهم ان رئيس وزراء قائمة دولة القانون يصرح
علناً بانه لن يتخلى عن افكاره الاقصائية للاخرين حتى وان
كانوا شركاءه في العملية السياسية التي جاء بها الاحتلال
معتمدا تهما يعلم هو قبل غيره انها ملفقة وبعيدة عن الحقيقة؟
وكيف نفهم ان حكومة ووزارة تنظم تظاهرات مدفوعة الثمن ضد ما
يدعون بانهم مؤمنون به وهو استقلال القضاء وضد مجلس ولجنة
شكلتها الحكومة بنفسها قبل ايام؟!.
انهم فعلاً
(حكومات) آخر زمان.
المصدر :
دار بابل
|