أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف
 

 ديمقراطية الطوائف

 أ. فاضل الربيعي

 

قيل أيام من انطلاق السباق الانتخابي في العراق، يتعيّن قول بعض الحقائق المزعجة. ليس الهدف من ذلك التقليل من قيمتها أو التشكيك بهدفها أو نتائجها المتوقعة؛ بل تبيان حقيقة أن اللعبة الديمقراطية في العراق تقوم على قواعد، يُقال إنها دستورية، وهذا صحيح نظرياً إذا ما قبلنا فكرة أنها تستند، بالفعل إلى الدستور، لكنها في الواقع تقوم على أسس ومبادئ، لن تعيد سوى إنتاج الحالة الطائفية نفسها. وهذا يعني أن الرهان على الانتخابات كمصدر تغيير في الحالة الطائفية سيكون ضرباً من الخيال والوهم. لقد بينت الأحداث والتطورات التي رافقت وتلازمت مع قضية «المجتثين» أي المستبعدين من الترشيح، عمق الخلل الاجتماعي والسياسي في الحالة العراقية، وقوة وجذور الطائفية. وفي هذا الإطار، يتعين رؤية مسألة «المجتثين» من منظور التوازنات الطائفية لا من منظور التوازنات السياسية، بمعنى أن خطر اشتراك «المجتثين» في اللعبة «الديمقراطية» ليس خطراً سياسياً مباشراً، يهدد هذا الحزب أو ذاك، بل هو خطر طائفي، تشعر الأحزاب والقوى الطائفية أنه قد يهدد مستقبل اللعبة. مثلاً، ما الذي يجمع حزب الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري وأحمد الجلبي (مؤسس البيت الشيعي) في موقف واحد رافض لاشتراك بعض الرموز والكتل والقوائم؟ لقد اجتمعت هذه القوى على موقف واحد، لأنها لا تسمح بأي تغيير في التوازنات الطائفية التي ثبتها الدستور. ولهذا السبب؛ فإن الاجتثاث ينطلق من بواعث ذات صلة عميقة بالخوف من احتمال حدوث تعديل للخلل في التوازنات القائمة.

يذكرنا هذا الوضع المزري بالحالة اللبنانية في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، يوم وضع دستور 1943 الأسس والقواعد الصارمة للطائفية السياسية. وحتى اليوم ومع كل انتخابات في لبنان، لا يحصل اللبنانيون إلا حكومة تستمد شرعيتها من «التقاسم الطائفي» حفاظاً على التوازنات الخالدة. وهذا هو، ما يلمسه العراقيون وتعبر عنه أمنياتهم الخائبة -ويا للأسف- فهم يتطلعون إلى التخلص من «الطائفية» التي ثبتها الدستور العراقي، أي أنهم يتطلعون عملياً إلى التخلص من الدستور. وهذا مستحيل آخر، ما دام الجميع يتحدث عن قاعدة مقدسة هي قاعدة الالتزام بالدستور. وماذا يعني هذا الالتزام أكثر من الالتزام بالحصص الطائفية؟ بهذا المعنى أيضاً، لن تقدم الانتخابات لا اليوم ولا غداً أي مخرج للعراق من مأزقه، ذلك أن صيغة 1943 اللبنانية والمعاد إنتاجها في العراق 2010. هي صيغة خالدة يحرص جميع السياسيين على حمايتها من المس والتعديل. ومن تسنى له الاستماع إلى آراء الشارع العراقي قبيل الانتخابات، سيلاحظ أن معظم العراقيين كانوا يركزون على هذا الجانب من اللعبة. إنهم يتمنون ويحلمون بأن تؤدي الانتخابات إلى تصحيح الخلل في التوازنات، وأن يتخلص العراق من «التحاصص» ومن «التقاسم الطائفي» أي أن يتخلص من روح الدستور. وهنا تكمن أكبر مفارقة في التاريخ الاجتماعي والسياسي في العراق، فبينما تحرص الطبقة السياسية على الدستور وتسهر عند مهده لحمايته من الأخطار، يتطلع المواطنون إلى اللحظة التي تزهق فيها روح الدستور الشريرة التي ثبتت أسس تعاستهم ومأساتهم. وكل هذا يشير إلى حقيقة أن الانتخابات تستمد شرعيتها وضرورتها كلعبة من قواعد طائفية صارمة، تشكل روح الدستور القائم. وبهذا المعنى؛ فإن الانتخابات، وكل انتخابات قادمة، لن تمكن العراقيين من الحصول على حكومة «غير طائفية» تقود العراق بسلام وتخرجه من النفق المظلم، ما دامت تجري طيقاً للدستور. إن الحلم بحكومة غير طائفية بات حلماً مستحيلاً وغير واقعي لا في هذه المرحلة ولا في المستقبل المنظور، لأسباب كثيرة، منها أن الخلل السياسي والاجتماعي لا يزال أعمق وأخطر مما يبدو. ولذلك؛ فإن الهدف الحقيقي والواقعي من الانتخابات ليس الحصول على برلمان «غير طائفي» أو أقل طائفية، فهذا من الأمور المستحيلة لأن القوى المتنافسة تتقدم إلى مسرح الصراع الانتخابي بوصفها تعبيراً عن توازن طائفي لا يجوز المس بأسسه.

أكثر ما يؤلم في الحالة العراقية، أن «فكرة الوطنية» تتعرض اليوم إلى التدمير. سواء على مستوى الهوية أم على مستوى الوعي السياسي والاجتماعي. ولعل جزءاً من هذا التدمير، ناجم عن نوع من التلاعب بها عبر تحويلها إلى شعار استهلاكي سخيف وشكلي. مثلاً، إن القوى الطائفية جميعها ودون استثناء، تتقدم اليوم إلى مسرح التنافس الانتخابي بواجهات «وطنية عريضة»، بينما يظل جوهر تكوينها السياسي ووعيها لمهامها، «طائفياً» لا وطنياً. خذوا مثلاً: الائتلاف الوطني، القائمة الوطنية، إلخ، لكن أياً من هذه القوائم لا يمثل في الواقع إلا الطائفة نفسها مع بعض الرتوش التي يتطلبها اللعب على وتر الوطنية. القليل من أهل السنة، مثلاً قد يكون مفيداً لتزيين «وطنية» هذه القائمة، والقليل من «الشيعة» هنا، قد يكون مفيداً في تقديم انطباع غير طائفي. والمفارقة الساخرة أن هذه القوائم تتقدم إلى مسرح التنافس استناداً إلى فكرة التحاصص المذهبي والعرقي؟ وبهذا المعنى يبدو أن المطلوب من الاستمرار في اللعبة الديمقراطية هو إعادة إنتاج «الشرعية» للدستور من خلال تجديد الالتزام به. وبهذا المعنى تصبح الانتخابات مجرد مناسبة لتجديد الولاء والطاعة لروح وأسس الطائفية.

 

 


استفتاءات
بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات
اطلالات
خفايا واسرار
بكائيات
وثائق للتأريخ
صور شخصية
جريدة براءة 

 

 

 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©