|
السيناريو الافتراضي
لمحاكمة المالكي ورموز النظام الحالي
ــ الجزء
الاول ــ
أ .
مشتاق طالب
لن
يكون من المنصف ، التحدث عن
حقبة ما بدون التمعن في الدوافع
السياسية والحيثية التي تدفع بأتجاه
تبني موقف ما
بجانباه السلبي والإيجابي ،وإذا كان
العراقيون لم يتفقوا لحد الآن على ماهية نظام
صدام حسين : هل هو ملاك وديع وحال
للواء العروبة والاسلام ضد الصليبيين والصفويين
والمغول والصرب والغزاة الفضائيين ،
أم هو نظام قمعي حكم البلاد والعباد بالحديد
والنار وأذاق شعبه وجيرانه أصناف
التنكيل والتهميش والظلم ، فلا نتفاءل كثيراً
باتفاق الرأي العام العراقي (واقصد
به رأي الشارع وليس شيوخ العشائر والوجهاء
ومجالس الاسناد) على الشخصية المالكية والتقييم المنصف
لأدائها خلال السنوات المنصرمة
.
وطلباً للحيادية ، يمكن ان نبدأ
الحديث عن الصنف المؤيد لدولة
رئيس الوزراء الحالي ،فيمكن الحديث
مع المدافعين عن هذا النموذج في عدة
نقاط:
النقطة الاولى : أن المالكي بما هو
كنظام سياسي ، قد تمكن من تحقيق
الأمن والأمان الاجتماعي والضرب بيد
القانون الحديدة على كل من يخرج على قانون
الدولة ، ولعل المثال الابرز على
ذلك هو العمليات العسكرية في مدينة البصرة ومدينة
الصدر وكربلاء والديوانية وغيرها ،
بحيث استطاع بحيادية تامة أن يكون الأمثولة
الوطنية التي لا تميز بين الأطياف
والحركات والكيانات التي تنتمي لمذهب ما أو طائفة
ما ، هذا هو العنوان الأبرز وملخص
ما يمكن أن يُستدل به من أنصار الحكومة الحالية
في هذا الصدد
.
ويمكننا المناقشة ورد هذه الأطروحات
بالمجمل المختصر –بلحاظ
توفر الجزئيات في عقل القارئ المطلع
وطلباً للاختصار- وعليه تكون المناقشة على عدة
مستويات :
المستوى الأول : أنه ورد عن لسان
السيد نوري كامل المالكي شخصيا
،وفي عدة لقاءات صحفية منشورة
ومقابلات فضائية وبصورة متواترة ما مضمونه (إني لا
اتمكن من الإيعاز الى لواء عسكري أو
فرقة عسكرية) أو (لا استطيع تحريك فوج عراقي من
مدينة الى أخرى) الى غير ذلك من
التصريحات بدءاً من استلامه مهام المنصب كرئيس
وزراء الى الفترة التي سبقت
العمليات العسكرية في مدن الوسط والجنوب العراقي (بأيام
فقط). فما الذي جعل رأس النظام الذي
يشكو من ضعف العدد وقلة الناصر يصبح بين عشية
وضحاها يرعد ويزبد ويهدد ويتوعد
ويصول ويجول في مدن العراق باحثاً عن من يعارضه
ليلقنه درساً في حفظ النظام وضرورة
حصر القوة العسكرية بيد الدولة ؟
وهنا ،
قد يرد الإشكال التالي : ولماذا
التشنيع على الدولة إن أرادات تقوية نفوذها وحفظ
الامن والنظام ، فنجيب: بأن ما ذكر
هو شعار جميل وجذاب ولا يملك أحدنا إلا أن
يؤازره سرا وعلانية ، إلا أن ما حصل
كان خلاف ذلك بالمطلق –كما سنثبت لاحقاً بعون
الله ،فالحقيقة التي يحجم عنها
انصار النظام الحالي هو أن التنظيمات المعارضة للوضع
العراقي الجديد (عسكريا) والتي لا
تتوانى عن قتل المدنيين والأبرياء للتنكيل
بالنظام السياسي الجديد بالمجمل
،أصبحت اقوى ،وضرباتها الموجهة لهيكلية الدولة
وبنية المجتمع انتقلت من حديث
"الكم" الى اختيار "النوع" و"التوقيت" المناسب بصورة
لم تكن موجودة حتى في ظل أضعف
الحكومات المتعاقبة منذ 2003.
فالمفخخة التي
كانت "عمياء" وتستهدف السوق الشعبي
أو المقهى اصبحت ناظرة وذات فعالية ، وتستهدف
ارسال رسائل معينة وإشارات لأطراف
عدة في الداخل والخارج وفي وقت محدد ومنتقى
بعناية فائقة "[التفجيرات الدامية
الأخيرة نموذجاً:الاحد ،الاربعاء ،الاثنين
....].
والمهم في هذا المستوى أن يتم
التساؤل والتدقيق ، لماذا تم النفخ في
شخصية النظام الحالي في هذا الوقت
تحديداً ؟ ولمصلحة من ؟؟ وهل كان الهم الوطني
داخلاً في هكذا حسابات ؟ مع ملاحظة
العناصر التالية خلال البحث:
1- اجماع
القوى السياسية بما فيها المعارضة
للمالكي كشخص وكطريقة حكم وكطائفة على القيام
بالعمل العسكري ودفعه بهذا الإتجاه
.بل ،والتنظير السياسي والعقائدي له في بعض
الأحيان.
2- المغازلة المفضوحة بين النظام
وبين الأنظمة المجاورة والتي كانت
تصر بشكل رسمي احيانا على عدم
الاعتراف بالنظام العراقي الجديد ،وقد كان هذا
الأسلوب متبعاً طيلة الفترة الزمنية
التي استغرقتها صولة الفرسان وغيرها من
العمليات العسكرية حتى اذا ما انقشع
غبار المعركة ،عادت تلك الأنظمة سيرتها الأولى
في كيل الاتهامات للنظام الجديد
بالطائفية والعمالة للاجنبي وغيرها ،فما السر في
ذلك ؟
3- دفع الإدارة الأمريكية باتجاه
"شحن" رأس النظام وايجاد التبريرات
ليقوم بحملاته العسكرية بعد أن كانت
الشكوى الأمريكية الرسمية من عدم جدية الحكومة
في معالجة الأزمات والمصالحة
الوطنية وغير ذلك.
المستوى الثاني (من مناقشة
ورد اطروحات المؤيدين):إن من جملة
المبررات التي ساقها النظام حينذاك لشن الحملات
العسكرية هو الفساد ودعوات الحد منه
والضرب بقوة على مراكز النفوذ الغير شرعية
والتي تؤسس لدويلات مالية داخل
الدولة الأم ، إلا أن الواقع الملموس فيما بعد
انتهاء العمليات (الاعتقالات
والانتهاكات مستمرة حتى لحظة كتابة السطور) يشير الى
تثبيت ما يسمى بـ(حيتان الفساد)
بشكل يكاد يكون رسمي ومعترف به حكوميا ولو على
استحياء ،وتتأتى هذه الشرعية بتعمد
الحكومة عدم المساس بهذه الكيانات حتى خلال ذروة
التجييش الحكومي لعمليات الصولة
وغيرها ،وهل يأمل المفسدون باكثر منذ ذلك ؟
هذا فضلاً عن زيادة نفوذ هذه
المراكز اجتماعياً وسياسياً بصورة أدت الى
البعض منهم الى تشكيل (واجهات)
سياسية لغرض ولوج المعترك الانتخابي لتأمين المستقبل
ولقطع دابر أي توجيه حكومي مستقبلي
للحد من هذا النفوذ.
المستوى الثالث
: ينبغي التذكير بالخطابات الرنانة
في حينها من أن الحكومة ستعمل على تحسين الخدمات
وتوفيرها وإعادة إعمار المناطق التي
دمرها القصف اثناء المعارك لا سيما وأن تلك
المناطق تشكو اساساً من انعدام
الخدمات وليس نقصها وحسب ،والحق أن ذلك لم يتعد كونه
خطاباً سياسياً أدمنت عليه النخب
الحاكمة منذ عهود سبقت حكومة المالكي ، والغريب أن
طلبات التعويض التي رفعها المتضررون
من (الصولة) وغيرها لم يتم البت فيها رغم وجود
الوثائق الدامغة على مقدار التدمير
والتخريب الذي ألحقه (الفرسان) بالمدنيين
ومحلاتهم وبيوتهم وممتلكاتهم.
المستوى الرابع :دأبت الحكومة
وإعلامها الموجه
على التنظير الى أنها لا تقصد مكوناً أو
حزباً أو كياناً بعينه ،إنما هدفها هو
استهداف "العصابات" وما عرف في حينه
بـ"الخارجين عن القانون" ، إلا أن جملة من
الوثائق المكتوبة والمرئية تثبت بما
لا يقبل الجدل الاستهداف العمدي والمباشر لقوة
سياسية واجتماعية دينية عراقية على
وجه التحديد دون غيرها .إن مثل تلك الاعترافات
(التي ترقى الى اعلى مستويات القرار
الحكومي في النظام) قد تتزايد قيمتها القانونية
باقتراب فترة انتهاء عمر النظام
،وبغض النظر عن القوى المناهضة لحكومة السيد
المالكي ،سوف تبقى مثل هذه الوثائق
محتفظة بقيمتها القانونية التي تدين المسؤولين
الرئيسيين في نظام لا يفرق كثيرا عن
أعتى الأنظمة الدكتاتورية في العصر
الحديث.
وللحديث بقيـة إن شاء الله تعالى.
|