أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف
 

هل العراقيون أهل شقاق ونفاق؟!

 

أ . إبراهيم الحيدري

من المعروف أن الإمام علي كان قد ذم أهل العراق في خطبة له وقال عنهم "لقد ملئتم صدري قيحا" لأنهم وعدوه بالخروج معه لحرب معاوية ثم نكثوا بوعدهم.

 كما ذم أهل البصرة بعد وقعة الجمل في خطبة له قال فيها:" أخلاقكم دقاق، وعهدكم شقاق، ودينكم نفاق. وفي خطبة (القاصعة) ذم الإمام علي أهل الكوفة ذما شديدا وقال: "واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعرابا وبعد المولاة أحزابا، ما تتعلقون من الإسلام إلا باسمه ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه، تقولون النار ولا العار، كأنكم تريدون أن تكفئوا الإسلام على وجهه".

  في خطبة الإمام علي دلالات اجتماعية وسياسية هامة، فهي تبين بوضوح "أخلاق" أهل العراق ومواضع الخلاف والاختلاف. فهم يسلكون حسب قيمهم البدوية التي نشئوا عليها، يتظاهرون بالتمسك بالدين الإسلامي شكليا ولكنهم يسلكون في حياتهم اليومية حسب قيمهم البدوية عمليا. وقد حدث هذا مع الإمام الحسين أيضا.

 فعندما ثار ضد حكم يزيد ابن معاوية، الذي لم يحظ على أي تأييد من المسلمين وبصورة خاصة من أهل مكة والكوفة، الذين اعترضوا على خلافته ووقفوا ضده. وعندما اجتمع أهل الكوفة وكتبوا إلى الإمام الحسين أن يقدم إليهم حتى يجتمعوا معه على الحق. وحين قدم إليهم في كربلاء، نكثوا العهد بعد أن بايعوه وتقاعسوا عن نصرته وحدثت مأساة كربلاء المروعة، أول تراجيديا في الإسلام.

  يقول ابن الأثير "فلما مرض معاوية الذي مات فيه، دعا ابنه يزيد فقال: "انظر أهل العراق، فان سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فأفعل، فان عزل عامل أيسر من أن تشهر عليك مائة ألف سيف"!.

  هل يعني معاوية سرعة تقلب مزاج العراقيين وعدم رضاهم عن الحكام وميلهم للقيادة والزعامة؟ هذا الرأي يذكرنا ببيت من الشعر الحديث قاله علي الشرقي في وصفه ميل العراقيين للقيادة والزعامة:
قومي رؤوس كلهم     أرأيت مزرعة البصل
ويعني بذلك إذا كانت رؤوسهم متشابهة فينبغي ان يكونوا متساوين في حق الزعامة
..

  لقد شاعت مقولة: " يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق" على ألسنة العرب والعراقيين ونسبوها إلى الحجاج بن يوسف الثقفي(توفى عام 95 هجرية) الذي ذم أهل العراق لعدم ثبات آرائهم وميولهم السياسية. فعندما تولى حكم العراق وذهب يخطب في المسجد الجامع قال فيهم كلمته المشهورة: "يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق".

 كما نسب البعض هذه المقولة إلى الإمام علي أيضا. ولكن الكتاب والمؤرخين اختلفوا حول نسب هذه المقولة. فمنهم من أرجعها إلى الحجاج بن يوسف الثقفي ومنهم من أرجعها إلى الإمام علي. غير أن ابن قتيبة يرى بان قائلها الأصلي هو عبد الله بن الزبير، بعد مقتل أخيه مصعب بن الزبير واليه على العراق (عام 73هجرية) وليس العراقيين، وإنما القرشيين بقيادة عبد الملك بن مروان، حيث قال بن الزبير: "ألا أن أهل الشقاق والنفاق باعوه ( أي مصعب ) بأقل ثمن كانوا يأخذونه به".

   وكان الإمام علي ذم أهل البصرة بسبب حرب الجمل، وذم العراقيين لأنهم تقاعسوا عن القتال وتكذيبهم إياه قياسا بحماس أهل الشام للقتال وتصديقهم لمعاوية، ولم يصفهم على العموم بأهل الشقاق والنفاق، فهو خص أهل البصرة بقوله: "عهدكم شقاق ودينكم نفاق"، مع ان قبائل العرب التي سكنت البصرة بعد الفتح الإسلامي كانت عثمانية وأموية الهوى.

  ويقال أن الإسكندر المقدوني كتب إلى أستاذه أرسطو، الفيلسوف الإغريقي المعروف، بعد فتحه العراق عام 331 قبل الميلاد ما يلي: " لقد أعياني أهل العراق، ما أجريت عليهم حيلة إلا وجدتهم قد سبقوني إلى التخلص منها، فلا استطيع الإيقاع بهم، ولا حيلة لي معهم إلا أن اقتلهم عن آخرهم".

 ويقال أن أرسطو أجاب الاسكندر بما يلي: "لا خير لك من أن تقتلهم، ولو أفنيتهم جميعا، فهل تقدر على الهواء الذي غذى طباعهم وخصهم بهذا الذكاء؟، فان ماتوا ظهر في موضعهم من يشاكلهم، فكأنك لم تصنع شيئا".

  وعلى أية حال، فإذا كانت هذه القصة صحيحة أو مختلقة، فإنها تلتقي مع ما ذكره الجاحظ في وصف أهل العراق بأنهم أهل نظر وفطنة وذكاء تدفع غالى الجدل والنقد وإظهار العيوب مع قلة الطاعة والمعصية.

  سأل عميد الأدب العربي طه حسين الشيخ محمد رضا الشبيبي وهما يتحاوران في إحدى جلسات المجمع العلمي المصري: لماذا كان العراقيون دائما ثائرين لا يستقرون على حال ولا يرتضون حاكما؟ فقد قرأت في تاريخ العراق منذ الفتح الإسلامي حتى الآن، وقلما وجدت حقبة خالية من الفتن والقلاقل؟ أجابه الشبيبي بسؤال أغاض طه حسين، قال: أتسمح آن أسألك أنا أيضا؟ لماذا كان المصريين دائما خانعين خاضعين؟ لقد قرأت تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي وقبله أيضا فوجدت المصريين دائما يسترضون حكامهم مهما جاروا وطغوا، ويخفضون الهام لكل متحكم فيهم حتى لشجرة الدر؟

   كما وصف الرئيس حسني مبارك، وهو يتحدث في إحدى القنوات الفضائية العربية دون أن يتطرق إلى العراق والعراقيين كونهم أصعب الناس، وانه عاش بينهم في زمن مضى لمدة شهرين أو أكثر في قاعدة الحبانية الجوية عندما كان طيارا وعرف حقائق لم يدركها غيره.

: قال " ليس هينا التعامل مع العراقيين، انه شعب متنوع ومتعدد وصعب الطباع.

 وكما علق قائلا بان العراقيين يتصفون بالعناد والكبرياء والعنجهية ولا يمكنهم أن يستمعوا أبدا إلى أي عربي ينصحهم، ولا يمكنهم أن يتقبلوا أبدا حتى شرطي عربي في شوارع بغداد ينظم عملية السير"

   وقبل جمال عبد الناصر وحسني مبارك كان علي طنطاوي وزكي مبارك وغيرهم تكلموا كثيرا عن طيبة العراقيين وحسن معشرهم وقوة إرادتهم وكرم ضيافتهم، عن خبرة وتجربة، لأنهما عاشا في العراق وعملا في الجامعة لفترة ليست قصيرة في منتصف القرن الماضي.

   لقد علمنا التاريخ بان العراق تعرض على مدى تاريخه الطويل لحروب وغزوات وكوارث وصراعات داخلية. وكان سقوط بغداد على أيدي التتار قد حول بغداد إلى خرائب وأنقاض، حيث " أحرقت كتب العلم التي كانت في سائر العلوم والفنون التي ما كانت في الدنيا قبل.. إنهم بنوا بها جسرا من الطين والماء عوضا عن الآجر".

    وقد حاول بعض المؤرخين تفسير العنف والقسوة والشقاق والنفاق بجهل العراقيين وميلهم إلى العنف ورغبتهم في العصيان التي أصبحت سجية من سجاياهم. وارجع البعض الآخر منهم هذه السجية إلى تفوق عقول العراقيين وحذاقتهم، وسعى الطرفان إلى إضفاء الشرعية على أقوالهم بإسنادها إلى أحاديث شريفة، في حين أرجعها آخرون إلى عنف الطبيعة وقسوتها وتبدلات المناخ وطغيان فيضان الأنهار. كما كانت آلهة العراقيين القدماء تمتاز بالعنف والقوة والبطش، كالإله انليل وكلكامش.

  إن المبالغة في تفسير العنف برده إلى الحتمية الجغرافية يلغي بالضرورة دور الإنسان ووعيه وظروفه الموضوعية والذاتية، باعتباره جوهرا فاعلا في تقرير مصيره، فالجاحظ، احد كبار المفكرين، المعتزلي الرأي والعقلاني المنهج، يفسر العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء بقوله أنهم "أهل نظر وفطنة ثاقبة، ومع النظر والفطنة يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء وإظهار عيوب الأمراء. ثم يقول وما زال العراق موصوفا بقلة الطاعة وبالشقاق على أولي الرئاسة.     
         
 
إن رأي الجاحظ يكاد يشبه ما دعاه علي الوردي بشيوع " النزعة الجدلية" التي يتصف بها أهل العراق، التي تجعل شعبا من الشعوب فطنا متيقظا متفتح الذهن من ناحية، وكثير الشغب والانتقاد تجاه حكامه من ناحية أخرى. فأهل العراق هم على النقيض من غيرهم الذين اعتادوا أن يكونوا طائعين ومنصاعين يصدقون ما يقوله لهم حكامهم ويأتمرون بأمرهم. فهم يجادلون في كل قضية ويتنازعون حولها
.

 وهم ضعفاء من الناحية السياسية وأقوياء من الناحية الفكرية، ولذلك فان الفرد العراقي بحسب الوردي، أصبح مزدوج الشخصية، يرتفع بأفكاره إلى مستوى أعلى من مستوى بيئته الاجتماعية، ولكنه لا يستطيع أن يكون طيعا يصدق كل ما يقال له، ولذلك نراه يعاند ويجادل. ويحلل الوردي هذه الخاصية فيقول "ومن طبيعة الجدل انه يثير في الناس التساؤل والتطلع ولكنه يضعف فيهم الركود الفكري ". كما يصف أهل العراق "بأنهم منشقون على انسفهم أو متفرقون، إنما لا يصح أن نصفهم غدرة على منوال ما شاع عنهم"، لأنهم يختلفون عن غيرهم من الناس.
 
 
ومن الممكن مناقشة هذا الإشكالية أيضا: فهل أن هذه الذهنية أو العقلية العراقية تعود إلى أن نزعة الجدل التي جعلت من سماتهم الشخصية الكانفة والكبرياء والزهو والتصلب في الرأي بحيث تصعب قيادتهم؟ وهل أن الوردي مصيب في تشخيصه لازدواجية شخصية الفرد العراقي وتناشزها وتذبذبها بين قيم البداوة وقيم الحضارة؟ أم أن الحتمية الجغرافية كانت قد دفعت بعض المفكرين إلى إرجاع خصائص الشخصية في العراق ليس غالى التناقض بين البداوة والحضارة والصراع بينهما فحسب، بل إلى جغرافية العراق الطبيعية والمناخ القاري الحار صيفا والقارص البرودة شتاءا، وكذلك إلى طبيعة نهري دجلة والفرات، عصبي الحياة فيه، أم إلى كل هذه العوامل مجتمعة؟
!.

   وليس من الغريب أن يقرن الشاعر العراقي محمد مهدي ألجواهري تذبذب شخصية الفرد العراقي بتذبذب نهر دجلة بين فيضان مسرف في الشتاء وجفاف مسرف في الصيف. فهو يقول:


سلام على هضبات العراق             وشطيه والجرف والمنحنى

ودجلة لهو الصبايا الملاح             تخوض منها بماء صرى

تريك العراقي في الحالتين             يسرف في شحه والندى 


  
ومع أن هذه الآراء والنظريات تساهم في إلقاء الضوء على معرفة تأثير البيئة والطبيعة الجغرافية وتأثيرها على الشخصية، إلا أن الخصائص والسمات التي تطبع شخصية الفرد العراقي هي ليست صفات نابعة من جغرافية العراق وبيئته الطبيعية فقط بقدر ما هي خصائص وسمات اجتماعية نفسية مكتسبة أيضا خلال تطوره التاريخي المتقطع، مثلما ترتبط بالبيئة المجتمعية والثقافة القمعية والسلطات الأبوية ـ الاستبدادية التي وقفت حجر عثرة أمام أية إمكانية لتطور طبيعي لمجتمع سليم وبالتالي لتطور خصائص وسمات لشخصية عراقية متوازنة.

 كما أن الخصائص والسمات التي طبعت شخصية الفرد العراقي هي ليست وراثية وثابتة بقدر ما هي مكتسبة ونسبية في الزمان والمكان وترتبط بظروف وشروط تاريخية واجتماعيةـ ثقافية واقتصادية-سياسية متعددة.

 

ملاحظة : مع التقدير لما اتى في هذه المقالة (اعلاه) مع تحفظاتنا على بعض الآراء المطروحة .

 

 


استفتاءات
بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات
اطلالات
خفايا واسرار
بكائيات
وثائق للتأريخ
صور شخصية
جريدة براءة 

 

 

 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2008
©