|
هل تؤدي امراض الغرب الى نهاية العالم؟
أ . مطاع صفدي
لفظة (الانهيار) تتردد في خطابات الثقافة والسياسة والصحافة،
كما يشكو أحد كتاب صحيفة (لوموند) الفرنسية. بالطبع ازدهرت هذه
اللفظة مع أخبار النكبات المالية والاجتماعية التي اجتاحت
الغرب منذ بداية الأزمة الاقتصادية. لكن إشارة الشؤم هذه لم
تعد توصيفاً لمؤسسة معينة متداعية، كالمصارف والشركات؛ لقد
صعدت إلى مستوى السجالات حول تحولات الاستراتيجية الحضارية،
التي تشغل عقول الكتاب والمفكرين ما بين ضفتي الأطلسي.
'انهيار الغرب' ليس مصطلحاً جديداً في أدبياته، وإن كان يتخذ
تأويلات وتطبيقات متباينة عبر المنعطفات الخطيرة التي يجتازها
في عصر قوته الراهن بخاصة، إن لم نعد إلى عمق ماضيه الحافل
بالنكسات الكبرى، كما بالقفزات الإيجابية في مختلف ميادين
المنافسة مع نفسه، قبل أن تكون تلقاء الغير فحسب. يكفي النظر
إلى حقبة العقدين السابقين، أي منذ أن انسحب العدو الأعظم
للغرب، معسكر الاتحاد السوفييتي، من حلبة الصراع، ما بين خياري
العدم أو الوجود بالنسبة لأحد المعسكرين ضداً على الآخر.
باختصار لا ينتظر العقل الغربي أحداً سواه، يبشره بأزماته
وكوارثه التي يعرفها، ويحددها هو نفسه قبل أن تأتيه بشكل
اتهامات أو إدانات من قبل ضحاياه أو خصومه في عالم اليوم.
هنالك عشرات المؤلفات وأكثر المنتجة سنوياً في عواصمه
الرئيسية، والتي هي بمثابة منابر محاكمات ودفاعات عن إنجازاته
وأحواله، مستندة إلى أحدث مناهج البحث والتحليل والتقييم،
ومتجاوزة في حريتها مختلف عوائق السياسات الرسمية القائمة.
الغرب هو الأولى بنفسه، وهو الأسبق في نقدها وتعريتها.
استمراره هو برهانه في الإبقاء على قوة التصحيح أعلى دائماً من
إمكانيات تضليل الذات لذاتها. وقد يكون القرن الماضي العشرون
هو الشاهد الأهم على هذه الخاصية التي يضيفها الغرب إلى سلم
مزاياه المرآوية في سياق وعيه لكوارثه الكبرى، المعاصرة، ولطرق
الخروج منها. لا ينكر الغرب أن تحدياته الأخطر لم تداهمه من
خارج جغرافيته، بقدر ما كانت من نتاج تطوراته الخاصة به،
والمعبرة عن دينامية شخصيته المفهومية، غير العابئة أصلاً
بتناقضاتها وانقساماتها الحدية، إذ كانت تؤدي بها إلى نتاج
تركيبية، تُحسب لها في خانة إيجابيات التقدم المستفيد دائماً
من عثراته السابقة.
ما يفاجئ وعي الغرب اليوم هو أن مآزقه الداخلية أمست معطوفة
على الأزمات العالمية من حوله، وإلى أبعد آفاق اللعبة
الجيوستراتيجية التي كان يحتكر مراقبتها وقيادتها لوحده. فهو
الذي لم يتحرّر من أشباح النهايات المرافقة لكل تحولاته
الحضارية، تسيطر على وعيه اليوم ثقافة الإفرازات المتشائمة في
مختلف ميادين المباريات الوجودية المداهمة له من كل حدبٍ وصوب.
هناك من يفتح ساحة النقاش الجديدة برفع هذا الشعار: إنها
نهايةُ عالم وليست نهاية العالم. والمغزى المركزي لهذه العبارة
يهدف إلى تمزيق غشاوة التلفيق المعتادة الحاجبة لخلط الأدوار
والمسؤوليات، بين ما يسببه الغرب لذاته من الفواجع والمكاره،
وبين مفاعيلها الهدامة لمصالح الآخرين، وكأن هؤلاء الآخرين هم
فاعلوها الأصليون، أو في الأقل، هم الشركاء الأَوْلى بدفع أعلى
المغارم دون أدنى المغانم.
إذا كان ثمة نهاية للغرب، فعلى العالم أن يسبقه إليها؟ لكن قبل
الشروع في هذه الهرولة العدمية بين المتسابقين، ينبغي التمييز
بين من يصل أولاً ومن يمكنه أن يتخلف عن الموعد المشؤوم،
بإرادته ووعيه أو بدونهما؛ قبل هذه الرحلة الأخيرة لإنسانية
العصر الكارثي الراهن، قد يرتفع صوت للفكر منادياً على الحقيقة
في كل هذا المايحدث الغربي الكوني إنْ تبقّى للحقيقة ثمة وجه
تُعرف به؛ يقول: أنه ينبغي أولاً الانطلاق من تأويل عبارة:
إنها نهاية عالمٍ، وليست نهايةَ الـ (العالم). فالمقصود أن
تشاؤمية الغرب عليها أن تنصبَّ على عالمه أصلاً، لا أن تجرف
بقية العالم في طريقها الذي يصير محتوماً في يقين بعض نخب أهل
الشمال.
ثم يأتي التمييز الثاني، الذي يتنبه له العقل الغربي في صفحته
النقدية المتأصلة، فيجري تشريحاً مسكوتاً عنه منذ القديم في
لفظة (الغرب) عينها. هنالك الاسم بالحرف الكبير، والاسم الآخر
المغطَّى عليه، بالحرف الصغير. فهذا الغرب الأخير هو المريض
بالأول، صاحب الاسم المجلجل في أجواء المحافل السياسية خاصة.
إنه الأول، المسموع والمرئي بالصوت والصورة، وربما بالأفعال
الناجزة غالباً.. فهو محل الإيديولوجيا، ومهندس إمبراطوريتها
الممسكة بتلابيب الشأن الدولي منذ قرنين. وأما الغرب الآخر
المقصي من التداول فهو محل الجغرافيا والتاريخ لمجتمعاته
المنظورة المحجوبة معاً، ولبشريته الصانعة الفعلية لدينامية
حضارته الذاتية المنزاحة وراء تشكلات مدنيته الممسرحة يقول
الفكر هنا أنه آن الأوان لإعادة كشف الانفصام المزمن الواقع في
ازدواجية الاسم الغربي عينه. كأنه لم يعد مسموحاً ولا مقبولاً
اجترار الاسم الإمبراطوري بالاسم الطبيعي: فالأول، شاغل الدنيا
والناس، لكنه واقع دائماً في التناقض البنيوي؛ يدَّعي أنه هو
الحامل الأوحد لأعباء الكونية، كأساس لمبادئ حقوق الإنسان، وهو
في الوقت عينه يخص ذاته بأولوية السبق في الكشف عن ثقافة
الكونية، ومن ثم بأفضلية القدرة على تجسيد هذه المبادئ عبر
نظامه الاجتماعي القائم، ذي الأبعاد الثلاثة المتكاملة بين
الأخلاق والسياسة والقانون، وبالتالي تبقى المحصلة المتحققة
لاجتماع هذه الأولويات والأفضليات. إنها (خَوّصَنَة) الكليات
لصالح الغرب وحده، المتمكن من تحويل هذه الكليات إلى سلطات
مادية ومعنوية مفروضة على الجماعة الإنسانية، سواء داخل
كياناته، أو في أوسع محيط جيوسياسي حوله.
هذا ما يجعل الغرب، بالحرف الكبير، يشعر اليوم، وخاصةً في
أعقاب الأزمة الاقتصادية، أن نموذجه أصبح مهدداً. فقدت كونيتُه
التي يدّعيها الكثيرَ من عوامل مصداقيتها، ليس لدى ضحاياه
القدامى أو منافسيه الجدد في أنحاء العالم فحسب، بل لقد اهتزت
حقيقتها في نظر النخب الغربية نفسها.
لكن هذا الشعور الكارثي باقتراب النهاية يتقاسمه تياران
فكريان، أحدهما المتمسك بالغرب الأيديولوجي، الخائف على مستقبل
فئاته السائدة في مجتمعاتها؛ فهو يبالغ في تصوير عزلة الغرب
المتفاقمة عن بقية العالم، كما لو أن منافسيه يهدفون إلى
تدميره كلياً كمجتمعات، وليس كنظام هيمنة واستغلال فقط، طالما
اشتكى منه التاريخ الإنساني الحديث والمعاصر. وأما التيار
الآخر فهو يرى أن الخطر (العالمي) المناوئ للغرب، لا يستهدف
إدانةَ شعوبه بجريرة توأمه الثاني، المتكبر المتجبر، راعي
أيديولوجيات شتى العنصريات الكلاسيكية والمستحدثة، تحت غطاء
الادعاءات بكونية المبادئ الإنسانية، بينما هي كونية التفرد
والسيطرة فقط. فالعصر هو للكونية الصحيحة، وليس للعولمة
المفرِّقة عملياً بين سادة المال والعنف، وبقية البشرية
كأتباع، أو كموضوعات للاستغلال، ولإثراء النخبة الدولية
الممسكة بمفاتيح الفكر الدعاوي، والقرار العنفي، عسكرياً
استراتيجياً، كما هو أيديولوجياً فكروياً.
التياران متسابقان حالياً داخل المسارح الثقافية والسياسية،
كلاهما تبشيريان، أو بالأحرى منذران بالنهايات. فالغرب
الأيديولوجي لا يزال مصراً على تقسيم أمم العالم، إلى معسكر
للأشرار، وآخر للأخيار. وبالطبع تتزعم أمريكا، وشريكتها الأضعف
أوروبا (الغربية) المعسكر الأول، ومعهما حلفاء ظاهرون أو
مخفيون، موزعون في أركان المعمورة. أما المعسكر الآخر فهو يتسع
لكل (الآخرين). وقد يعزو الأول لشخصيته الاعتبارية، أنها هي
الحاملة لأعباء تحرير الإنسانية من كل أعدائها. وبالطبع فإن
صنف الأعداء هؤلاء إنما يضم كل حركة تحرير حقيقية يلتزمه شعب
أو دولة. فالمرحلة (البوشية) وفريقها من المحافظين الجدد، ليست
حقبة سوداء عابرة. وتقسيمها للعالم بين معسكري الأخيار
والأشرار لا يزال ساري المفعول، مستبطناً السياسة الدولية
للغرب الذي يظل مريضاً بتوأمه، الغرب الأيديولوجي، المُبْطِّن
لكيانه السلطوي في أوطانه الأصلية أولاً، قبل أن يكون منعكساً
على مختلف ساحات الصراع الدولي خارجياً. تلك الحقبة السوداء
غير المنقضية تماماً، كانت جسّدت الثورة المضادة لولادة
الكونية المشروعة، الواعدة بانتشار الديمقراطية ما بين الدول،
كمدخل جيو-اجتماعي جديد، داعماً الديمقراطيات الناشئة في
المجتمعات المتحررة. فإن انهيار سلَّمِ التراتبيات العمودية
حسب مستويات القوة والنفوذ، في العلاقات الدولية، هو الشرط
التاريخي لتحقق مبادئ الحقوق الإنسانية، وإنزالها من مستوى
التجريد والتوهيم الاستبدادي، إلى سوية الحياة الواقعية لشعوب
الأرض كافة.
ليست هي يوتوبيا جديدة. فالتغيير حاصل بدايةً من مركزيته، من
لَدُن الغرب عينه. فهو الذي يعيش اليوم انعطافاً جذرياً في
وعيه. مثقفوه الأحرار يطلقون نوع التحدي الكينوني، الذي اعتاد
الغرب أن يمارسه إبان الانعطافات الكبرى في تاريخ أزماته
المصيرية الفاصلة. فليس هو الغرب المريض بالغرب الآخر
الأيديولوجي، سوى تشخيص التعبير عن حال مأزق وجداني، وقد راحت
تتبارى أقلام حرة كثيرة في تأجيج لهباته التطهرية من رجس الصلف
الذي يحاول بعض اليمين المتطرف إحياء جثمانه المتهالك. فهو
الساعي بكل جهد دعاوي وسلطوي إلى إعادة تأجيج المخاوف الغريزية
لدى جماهيره، باختلاق نماذج الأعداء الجدد، كالإسلام ودول
الشرق وأمريكا الجنوبية الصاعدة. وحشرهم جميعاً تحت صنف
(البرابرة)، المحبب والمفضل من بين مفردات الصلف الغربوي
العتيق.
السجال فكري محتدم، يستأنف معارك العقل النقدي، الحارس لديمومة
الغرب ضد أعدائه الأهليين أصلاً؛ لكنه في اللحظة الراهنة
الحافلة بأنواع الحطام والركام، لا يبدو أن أمراض الغرب بذاته
يمكن أن تُعَالَجَ بترقيعات الأدلجة. فالمستهدف هو الخلاص من
علل العاهات جذرياً، لمرة أخيرة وإلا فلا.
ليست هي التضحية بالعالم في كليته من أجل إنقاذ عالم معين، هو
الغرب التوأم الأيديولوجي الذي تحين نهايته، من أجل بقاء غرب
آخر معافى، ينقاد وراء الكونية، ولا تنقاد به..
|