|
من امراض
الحركة المناهضة والمقاومة للاحتلال
أ. فائز محمد عبدالله
لم يعد بالامكان السكوت عما آلت
اليه الحركة المناهضة والمقاومة للاحتلال، فان الساكت في هذا
الظرف وهذا الوضع يساهم بشكل او بآخر في تراجعها وضمورها وهي
حصيلة جهاد وكفاح وثقافة شعب لم يعاني مثله شعب اخر على الكرة
الارضية.
والسكوت يعني القبول كونه علامة
من علامات الرضا مثلما تقول العرب، اي القبول بالواقع الضعيف
الذي افقد شعبنا اهم اسس الحصول على تمثيله الحقيقي مابين
الفاعليات والمنظمات الاقليمية والعربية وحركات التحرر في
العالم.
بالتاكيد ان عوامل الضعف كثيرة،
منها؛ وهو الاخطر في المسألة، قوة العدو العسكرية والاعلامية
والسياسية، وهذا عامل موضوعي لايتعلق بامكانيات الحركة
المناهضة والمقاومة له. لكن العامل الذاتي في الحركة لايقل
اهمية عن العامل الاول.
وستتعرض هذه المقالة الى احدى
الامراض التي رافقت نشوء وتطور حركات مُنَاهضة الاحتلال
والعملية السياسية لكونها ذات دلالة ذاتية اي تتعلق بالحركات
المناهضة نفسها وليس بالاحتلال او من جاء بهم من حكومة واحزاب
مرتبطة به .
التقدير
العالي لجهود البارزين وغير البارزين في العمل السياسي
والميداني، قبل ان يتراجع ليصبح اعلامياً فقط، فان المصارحة
تهدف التقويم من غير نفاق، هذا المرض الذي عشعش فيه انتهازيي
كل زمان. وفي هذا الزمان اكمل هؤلاء صفحاتهم التي لم يستطيعوا
اكمالها خلال فترة الحكم الوطني ما قبل الاحتلال. هذا من جانب،
ومن جانب آخر استمرار النهج السياسي والاعلامي الشخصاني
المُبالِغ لأعرق الحركات الموجودة حالياً في الساحة العراقية
على الرغم من التغّير الهائل في مواصفات الشخصية القيادية
الاولى فيها.
صحيح ان الشخصانية والفردية لم
تكن من اختراع الحركة المناهضة للاحتلال انما هي مسؤولة عن
توسيعها والعمل بها، بعد ان اصبحت منتشرة على الشخصيات الاولى
في تلك الحركة لدرجة ان منظمات واحزاب او هيئات تحولت الى
ملكية خاصة لهذا الزعيم او الشيخ او القائد. وهذا يعني تدمير
اية فكرة لقبول الرأي الاخر ليس خارج المنظمة الواحدة فقط انما
داخلها ايضا وبالتالي الارتهان لقرار (القائد الاوحد) وبطانته
المحيطة به التي لاتمتلك كفاءة معينة الا كفاءة افساد
المسؤولين حسب تعبير قانون محاسبة مفسدي نظام الحكم الصادر في
اواخر الخمسينيات.
واتذكر ان النظام الداخلي لاحدى
المنظمات التي اسست كنواة جبهوية تضم مجموعة من الكيانات
السياسية، ينص على ان يحق للامين العام ممارسة مسؤولياته
لدورتين متتابعتين فقط والدورة مدتها سنتان. اي بعد انقضاء
اربع سنوات لايجوز له وبغض النظر عن شخصيته ، البقاء في
مسؤوليته، لكن السيد الامين العام اصر على البقاء حتى وان تطلب
الامر تغيير النظام الداخلي الذي اقره المؤتمر العام لتلك
المنظمة وليس الامانة العامة المتشكلة من ممثلي الكيانات
المنتمية .
ويدلل هذا الموقف المنطلق من
العقلية الفردية والشخصانية، على مجموعة اشياء اهمها، الانتقاص
من العمل الجبهوي وعدم القبول بالرأي الاخر وامكانيات الاخرين
وحقوق الكيانات الاخرى ونقض التعاهد من طرف واحد حينما اصر
السيد الامين العام على تغيير العهد (النظام الداخلي) ليس من
اجل تطويره وخدمة المنظمة الجبهوية انما ليستمر هو في مسؤوليته
فقط.
هذا الموقف انهى فاعلية المنظمة
الجبهوية التي كان من المتوقع لها خدمة قضية العراق لنيل
استقلاله واعادة سيادته، وذلك بانسحاب كيانات مهمة الغت
عضويتها فيها، فيما استمر السيد الامين العام يمارس مسؤوليته
متجاوزا الشرعية التي جاءت به.
وفي منظمة اخرى كان دورها معطاء
لجهد مقاومة الاحتلال ومناهضته، لم يتح لامانتها العامة ممارسة
اية خطوة ديمقراطية داخلية او ان يقبل السيد امينها العام رأيا
مغايرا وبالتالي فقد تربع على المسؤولية الاولى منذ تاسيسها
قبل ست سنوات على الرغم من انسحاب اكثرية اعضاء الامانة العامة
المذكورة حتى امست لاتضم الا ثلاثة اعضاء من دونه وهم حقيقة،
معه جميعاً، اكفاء ويصلحون لمسؤولياتهم نظرا لثقافتهم
الاكاديمية وخبرتهم التي اكتسبوها اثناء ممارسة نشاطاتهم، الا
ان الشخصانية والفردية اضعفت القدرة التاثيرية للمنظمة داخل
العراق وخارجه وجرّتها الى بناء علاقات مع اطراف اقليمية
لاتخدم عملياً تحرير البلاد خاصة بعد اتباع سياسة انعزالية عن
حركات سياسية اخرى وتجاهل مصطنع لجهات اخرى .
وفي منظمة عريقة كانت الفردية
والشخصانية في مقدمة اسباب تدميرها وتدمير جميع مؤسسات وكيانات
الدولة والاخطر من ذلك كله احتلال بلادنا، مازالت تُمارَس فيها
وكأن شيئا لم يحدث على الرغم من انها تتحمل الان ضغوطا هائلة
من الاحتلال والحكومات التي انشأها ادت الى فقدان عشرات الاف
الضحايا من المناضلين والمخلصين من ابناء العراق المنتمين
اليها. ولعل وجود الفردية والشخصانية ادت الى تعطيل اي انفتاح
حتى على قواعدها المظلومة وبقاء من يمارس المزايدات مسيطرا على
مسيرتها من خارج الساحة الكفاحية وهو يبعد عنها الاف الاميال
متمتعا بالامان والعيش الرغيد الذي توفر نتيجة اسباب اقتضتها
مصالح حكومات احتضنتهم شخصيا وهي مشكورة على ذلك بالتاكيد.
ونسي المزايدون في مداهناتهم
المنفرّة لمنتسبي المنظمة قبل منتسبي الحركات الاخرى، ان
التأليه لم يعد مقبولا على الاطلاق ليس للفوارق الشخصية
القيادية بين القائد المناضل السابق والمناضل الباقي وانما
لانكشاف هذه الطريقة بكونها جذر المأساة وقاعدة التدهور فضلا
عن انها لم تعد تتواكب مع الفهم الواقعي المتحضر للعمل السياسي
ناهيك عن مفهوم الاحزاب الثورية في تبنيها نظرية القيادة
الجماعية وليس الفردية والشخصانية.
لن اتورع عن التاكيد بان
الفردية والشخصانية الحالية التي عشعشت في الحركة المناهضة
للاحتلال هي عامل شد الى الوراء يساعد في مزيد من التفرقة
بينها ويزيد من اشكالات اعادة السيادة والاستقلال للعراق
المحتل ويؤشر مدى الفهم الخاطئ للمسؤوليات التاريخية ويضاعف
التمسك بالنقابية الحزبية الضيقة على حساب المفاهيم الوطنية.
ولا اعتقد ان ثمة من لايؤمن بان ذلك صحيحا وان النقابية تحدد
وتهدم امكانية مقدرة الانفتاح على العمل الوطني الجبهوي،
الطريق الوحيد لتحرير بلادنا ونيل استقلالها وسيادتها. اليس من
الجدير اذا نبذ الشخصانية والفردية والتأليه؟.
المصدر : دار بابل للدرسات
والاعلام |