|
بعد سبع سنوات من الاحتلال : العراق إلى
أين؟!..
د. يوسف
مكي
سبع سنوات من
الاحتلال، لبلاد ما بين النهرين، تمكن فيها الغزاة من إعادة
البلاد إلى المرحلة البدائية، لتصدق نبوءة وزير الخارجية
الأمريكي السابق، جيمس بيكر. فالاحتياجات الأساسية للبشر، تكاد
تكون معدومة، حيث لا مياه صالحة للشرب، ولا كهرباء ولا علاج
ولا مأوى ولا أمن. والبلد التي كانت مرشحة، حسب تقارير منظمة
اليونسكو، لأن تكون من الدول التي قضت بشكل نهائي على الأمية،
في نهاية السبعينيات من القرن المنصرم، تجاوزت جيوش الأميين
فيها الستة ملايين، مرشحة للزيادة، وليس للنقصان، مع غياب أي
برنامج حقيقي للنهوض بالبلاد من الكبوة، حيث لا أمل يرجى من
السراق واللصوص، الذين صادروا العراق، كيانا وهوية. وأعداد
الفارين بجلدهم، خوفا من فرق الموت، تجاوز الأربعة ملايين.
والانهيارات الاجتماعية، أصبحت موضوعا مألوفا تتناوله كبريات
الصحف، ومحطات التلفزة. لقد أسقطت الدولة الوطنية العراقية
المعاصرة، وأعيد تشكيلها على أسس الطوائف والإثنيات، قفزا فوق
حقائق التاريخ والجغرافيا، ونفيا لجميع العناصر التي أكدت
الحضور الملحمي، لهذا الجزء من وطننا العربي.
ولأن نفي التاريخ،
يقتضي في أبسط أبجدياته، التنكر للرموز العربية والإسلامية
الزاهية التي صنعت فجر الحضارة في أرض السواد، كان لا بد من
تلازم التدمير والتخريب الهمجي، بعمل آخر، يستهدف محو أي أثر
لتلك الرموز. وهكذا كانت الهجمة على الذاكرة مقدمة لازمة لنفي
التاريخ. وفي هذا السياق، تأتي إزالة أسماء المثنى والقعقاع
وسعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد، وأبو جعفر المنصور، وهارون
الرشيد، وأسماء أخرى لامعة، من المناهج والمكتبات والشوارع،
حيثما حملت عناوين ومسميات تشير إلى الأدوار التي أسهمت في
امتداد رسالة الإسلام، إلى حيث مشيئة الله. لكن شعب العراق،
الذي واجه بقوة جيوش كسرى ورستم، من قبل وقف بالمرصاد لجيوش
الاحتلال، وللمليشيات التي عبرت حدوده من الشرق، بروح
الانتقام، والكيد من التاريخ. فكانت المقاومة أسطورية، بكل
المقاييس. وكان أن اعترف المحتل، بفشل مشروعه.
لقد جاءت نتائج
الانتخابات البرلمانية الأخيرة، لتؤكد فشل إعادة تشكيل الدولة
العراقية، على أسس محاصصات الطوائف والإثنيات، رغم أن
الانتخابات جرت في ظل الحراب الأمريكية، وتدخلات قوية إقليمية
من القوى التي تضمر الشر بالأمة، وقد شهدت دعما واضحا من قبل
المحتل، للقوى المتجانسة مع مشروع التفتيت. كان خيار شعب
العراق، هو التمسك بعروبته، وبتاريخه، والوقوف بحسم ضد مشروع
التفتيت. وليسقط للأبد زيف أكذوبة المثلث السني، حيث أكد أبناء
جنوب العراق، في النجف وكربلاء والعمارة والناصرية، أنهم ليسوا
أقل حرصا على عروبة بلادهم من أشقائهم في الأنبار والموصل
وبعقوبة.
هكذا، بعد سبع
سنوات، يسقط الاحتلال، ببعديه العسكري والاستراتيجي، ليتوج فشل
المشروع، بفشل آخر، لما هو معروف بالعملية السياسية، التي
انبثق عنها دستور المندوب السامي، برايمرز. حيث ليتأكد من جديد
القول المأثور أن ما بني على باطل فهو باطل. سيرحل المحتل عن
العراق، ويتركه لأهله، ليقرروا شكل الحكم والدستور الذي يطمحون
إليه، بعد أن تأكد له استحالة البقاء فوق سعير إرادة شعبه. ولن
تكون الدولة الوطنية العراقية المرتقبة، أبدا خارج التسليم
بعروبة ما بين النهرين، وبدوره في صناعة تاريخ الحضارة
الإسلامية.
لكن ذلك لا يعني
أن ليس أمام العراق، طريق طويل، ومهام شاقة، حتى يتحقق أمنه
واستقراره. فالذين استغلوا محنة العراق، والفوضى التي صاحبت
إسقاط الدولة الوطنية، أولئك الذين اعتقدوا أن ساعة الانتقام
من التاريخ قد حانت. والذين تمكنوا، بدعم من قوات الاحتلال، من
تحقيق بعض المغانم والمكاسب، لن يسلموا بسهولة بعودة العراق
إلى عمقه العربي والإسلامي. وسيجيشون الجيوش، ويزجوا بكل
إمكانياتهم وطاقاتهم، ليبقى البلد ضعيفا ومفتتا. ويحاولون حرف
الصراع في أرض السواد، من صراع يهدف إلى إعادة الاعتبار للهوية
العراقية، التي استمدت حضورها من ارتباطها بالعمق العربي، إلى
صراع طائفي، بين العراقيين أنفسهم.
على العراقيين،
والشرفاء من العرب، حكومات وشعوبا أن يحذورا، منذ الآن من
الأيام القادمة. فالعام القادم، عام 2011، وكما هو مقرر سيكون
موعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق. لتبدأ بعد ذلك مرحلة
عاصفة وعاتية في تاريخه. ستبدأ المنازلة بين من يتمسكون بعروبة
العراق واستقلاله، وإعادته لعمقه الاستراتيجي، وبين من سيعملون
جاهدين، على تعميق الجفوة بينه وبين محيطه القومي، وربطه
بتحالفات طائفية، بديلة عن تكوينه الوطني.
وهنا ينبغي الحذر
والتنبه إلى المخاطر التي تحملها مشاريع التفتيت. العراق،
ينبغي أن تتجذر الصراعات فيه على أسس تحقيق وحدته الوطنية،
وتأكيد انتمائه الديني والقومي إلى الأمة. والأعداء الذين
يتربصون به يريدون صورة أخرى للصراع. يريدون إعادة تكرار
المشهد الأفغاني، في بغداد والبصرة، حيث يقسم العراق، إلى
كانتونات وأمراء وملوك طوائف. وليبقى مفتتا وعاجزا عن اللحاق
بعصره. والمطلوب هو إفشال مخطط التفتيت، وأن تشمل مواجهته
مختلف الطوائف والإثنيات، بحيث يتخندق الشرفاء جميعا، في كل
الخنادق في مواجهة مشاريع القسمة الطائفية، وإعادة الاعتبار
لوحدة العراق.
إن التنسيق المبكر
بين القيادات العربية الرسمية، لمنع حالة الانهيار والاحتراب
التي يمكن أن تحدث بعد رحيل القوات الأمريكية، هو أمر مصيري
وغاية في الأهمية، لأن تداعيات هذا الانهيار لن تكون مجرد خلل
في منظومة الأمن القومي العربي الجماعي، ولكن إسقاطاتها
الكارثية، ستعم جميع بلدان المنطقة، وستلحق الضرر بشعوبها،
وبنسيجها الاجتماعي.
ولعلي أتجرأ أكثر،
فآمل من القيادات السياسية في الدول المجاورة للعراق أن تنسق
فيما بينها، وتنسق مع القيادات العربية الأخرى، لمرحلة ما بعد
الانسحاب الأمريكي، كي لا نفاجأ ببراكين وأعاصير لم نتحسب لها.
وتبقى المراهنة أولا وأخيرا، على تعاون البلدان العربيةِ، في
هذا السياق، وعلى تمسك العراقيين بوحدة ترابهم، ووحدتهم
الوطنية.
|