|
نسب مشرق وبيت اصيل
د. عماد
عبد السلام رؤوف
شهدت بلاد الحجاز،
في نهايات القرن السادس للهجرة تغيراً سياسياً مهماً، حينما
استطاع زعيم قوي من زعمائها، ينتمي الى الدوحة النبوية هو
الامير قتادة بن ادريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن
الحسين بن سلمان بن علي بن عبد الله بن ثعلب بن عبد الله بن
محمد بن موسى بن عبد الله الرضا بن موسى بن عبد الله المحض بن
الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الامام علي بن أبي طالب (عليه
السلام)، أن يدخل مكة مؤسس إمراة جديدة فيها سنة 79ه-. وحاولت
الخلافة العباسية في بغداد ان تخطب ود إمارته، بينما فضل هو
تأكيد استقلال الحجاز عن القوى السياسية المتنافسة حوله.
أعقب قتادة هذا
تسعة رجال عرفوا بالقتادات نسبة اليه، وتمكنوا من المحافظة على
حكم اسرتهم، بل وتوسعته، فتولى أحدهم، وهو الامير حسن (ت
623ه-) امارة مكة بعد وفاة ابيه، واعقبه فيها اخوة الامير راجح
(ت654ه-) فالامير الحسن بن علي بن قتادة، وفي الاخيره وعقبه
انحصر حكم الحجاز نحو سبعة قرون، وقاد ابن فذ للامير الحسن،
عرف بأبي نمي، تول حركة لضم بلاد الشام الى الحجاز في دولة
واحدة، سابقاً بذلك محاولة حفيد متأخر له، هو الشريف حسين بن
علي، لضمها اليه بعدة قرون، وكان له في ابنائه رميثة، وحميضة،
وابي الغيث، وعطيفة، خير عون في السعي لتنفيذ هذا المسعى
الطموح.
بيد ان وفاة ابي
نمي سنة 701ه- ادت الى ان ينشب الخلاف بين الاخوة الاشراف،
فقدم احدهم، وهو الامير حميضة، الى العراق مستمداً من حكامه ما
يستعيد به حكم مكة.. بينما كان اخوه رميثة قد حكمها فعلاً
مظهراً ميله لحكام مصر والشام.. وهكذا بدت اولى صلات الاسرة
بالعراق، فقد استقرت ذرية حميضة في بعض مدن العراق، كما توطن
ابناء آخرون لابي نمي في مدن أخرى.. وبرز من عقب حميضة ابنه
الشريف محمد (ت788هـ) ومن ذريته السيد عطيفة بن رضاء الدين بن
علاء الدين بن مرتضى بن الشريف محمد (ت934هـ) الذي أسند اليه
سدانة مشهد الكاظمين، وزعامة قصبة المشهد نفسه، فضلاً عن امارة
الحج.. وقد اعقب ولداً شاعراً.. هو السيد محمد علي (ت990هـ)
وأعقب الاخير رضاء الدين، الذي اعقب رميثة.. وكان لرميثة سيف
الدين وللاخير من الابناء رضا الدين، وقد أعقب هذا ولدين هما
جمال الدين، وسيف الدين، وكان لاولهما ابنان هما عيسى الذي
اختص عقبه باسم ال عطيفة، واليهم نسبت ارض العطيفية جنوب
الكاظمية، ومصطفى الذي عرفت ذريته بآل الحبوبي، وبرز منهم
الشاعر المجاهد محمد سعيد الحبوبي قائد المجاهدين العراقيين ضد
المحتلين الانكليز في أثناء الحرب العالمية الاولى.
واما سيف الدين بن
رضاء الدين، شقيق جمال الدين المذكور (ت1110هـ) فقد اعقب
ولداً، هو السيد علي (ت1119هـ).
واعقب هذا بدوره
ولدين هما: زين الدين الذي عرفت ذريته بآل زيني، ومن اعلامهم
الشاعر المؤلف جواد (السياهبوش) بن محمد بن احمد بن زين الدين
(ت1247هـ) ومحمد بن زين الدين بن علي بن سيف الدين (ت1316هـ)
وكان اديباً شاعراً ايضاً.
والابن
الاخر لعلي بن سيف الدين، هو السيد محمد الذي اشتهر بالعطار،
وبه عرفت اسرته، وكان عالماً شاعراً فقيهاً جمع الى جانب
ثقافته الادبية تجارة واسعة (ت1171هـ) وقد اعقب ثلاثة اولاد..
كل منهم كان شاعراً نابهاً وأديباً مؤلفاً، هم السيد احمد
المعروف بالحسني البغدادي (ت1215هـ) ([1])
والسيد ابراهيم (ت1236هـ) والسيد مصطفى (ت1195هـ) والسيد حسن
(ت1187هـ) ولاكثرهم عقب، فمصطفى اعقب السيد عيسى (ت1234هـ)
وكان تاجراً اديباً مثقفاً، عرفت ذريته بآل السيد عيسى، واعقب
احمد اربع ابناء كلهم من العلماء البارزين، وهم السيد هادي
(ت1257هـ) جد اسرة ال الهادي، والسيد محمد (ت1260هـ) جد ال
السيد محمد، والسيد موسى، والسيد حسين (1283هـ) ومن الاخير
تفرعت اسرتا الراضي والحسني البغدادي.
واما السيد
ابراهيم بن محمد العطار، فقد اعقب ثلاث اولاد، هم العلامة
الشاعر السيد باقر (ت1218هـ) جد السادة ال حمندي، والسيد هاشم
والعلامة الفقيه السيد حيدر (ت1265هـ) الذي عرف عقبه بال السيد
حيدر، وبال الحيدري، واولاده هم: العلامة السيد ابراهيم
(ت1318هـ) والاديب السيد عيسى (ت1292هـ) والعلامة السيد أحمد
(ت1292هـ) والعلامة السيد باقر(ت1290هـ) والسيد جواد (1321هـ)
والسيد عبد الرسول (ت1322هـ)، واكثرهم هؤلاء كان عالماً اديباً
مصنفاً، وكذا كان ابناؤهم. فمن ذرية السيد ابراهيم المذكور بن
حيدر: العالم السيد مصطفى، والسيد جعفر، وقد شارك الاخير في
الجهاد ضد الانكليز في أثناء احتلالهم العراق سنة 1914م
(1333هـ) والعلامة السيد عباس، والعلامة السيد محمد تقي
(ت1361هـ) وغيرهم.. ومن ذرية السيد احمد بن حيدر: العلامة
الحجة السيد محمد (ت1315هـ) والعلامة السيد محسن بن علي بن
احمد وأبناه السيد احمد، والسيد راضي، وجميعهم شارك، مشاركة
فعلية، في الجهاد ضد الانكليز اثناء الحرب العالمية الاولى.
يظهر مما تقدم ان
قدوم أصل هذه الدوحة المباركة من الحجاز الى العراق كان في
أوائل القرن الثامن للهجرة، أي قبل اكثر من ستة قرون، وفي خلال
هذا المدة برز من ابنائها عدد كبير من الرجال الذين عرفوا
بالتأليف، والتدريس، والنظم، والنثر، ووقف الكتب، والعمل
الوطني، وكون بعضهم - فيما بعد - اسراً نسبت الى أسمائهم أو
ألقابهم، ونظراً لاشتهار أمرهم في عصرهم فليس من الصعب تحديد
اماكن توطنهم بدقة، فآل عطيفة، وآل العطار، وآل السيد عيسى،
وآل حمندي، وآل زيني، وآل الحيدري وآل الحسني البغدادي عراقيون
ترد أخبارهم بوصفهم بعض علماء العراق وادبائه في مصادر القرون
المتأخرة، ومعظم ولد - كما تصرح المصادر المذكورة - في مدن
عراقية ونسب اليها وتوفي بها، وما زال احفادهم يعيشون فيها.
مثال ذلك: ما
أوردته مجلة المرشد البغدادية الصادرة سنة 1927 عن احد فروع
تلك الدوحة، وهم آل الحيدري، ونصه ((آل السيد حيدر بيت علم
سابق، من اسر العراق الشريفة العريقة الشهيرة بالعلم والفضل
والادب خلفاً عن سلف.. وناهيك عن فضلهم ونبوغهم أنهم بلغوا من
الاشتهار في سائر الاقطار ما لا يحتاج اليه بيان)).
فضلاً عن حقول كتب
التراجم والسير بتراجم واخبار علماء تلك الدوحة وادبائها، فقد
تناثرت مؤلفاتهم العلمية، ودواوينهم، ومجاميعهم الادبية
والشرعية ورسائلهم الكثيرة في خزائن الكتب العامة والخاصة، حتى
بات من المتعذر على الباحث دراسة تاريخ الحركة الادبية
والثقافية في العراق خلال القرون الاخيرة من دون ان يتناول
بالوصف والاستشهاد والتحليل اعمال ادباء وشعراء، امثال السيد
محمد العطار، والسيد حسن العطار، والسيد احمد العطار الحسني
البغدادي، والسيد جواد (السياهبوش) من آل زيني، وابراهيم بن
محمد العطار، والسيد حيدر، والسيد هادي بن احمد وغيرهم كثير.
وعلى صعيد آخر،
شارك اعلام هذه الدوحة - على تعدد اسماء اسرها المتفرعة عنها -
في الحركة الوطنية التي استهدفت استقلال العراق ووحدة أراضيه،
فقاد الشاعر السيد محمد سعيد الحبوبي جموع المجاهدين العراقيين
في حربهم على المحتلين الانكليز سنوات الحرب العالمية الاولى،
وشارك آخرون في حركة الجهاد تلك، وفي ثورة العشرين الوطنية،
امثال السادة: جعفر بن ابراهيم الحيدري، ومحسن بن علي الحيدري،
وراضي الحيدري، واحمد الحيدري، واسد الله الحيدري، وعبد الامير
الحيدري وغيرهم، ومنهم من استشهد في سبيل قضية الاستقلال
والسيادة، مثل المرحوم عبد الحسين الحيدري، وكان منهم من دعا
الى استقلال العراق وتأسيس حكم عربي مقيد بدستور، مثل السيد
عبد الكريم بن حسين الحيدري، وغير ذلك مما هو مسطور في مطاوي
الوثائق وتزداد به صفحات التأريخ، ومن الجدير بالملاحظة ان
اصول الاسر العربية وفروعها المشار اليها في هذه الوثيقة فصلت
في شجرة النسب المسماة (الدوحة الهاشمية) التي قدمت الى المقام
الرئاسي الرفيع، وقد نظم هذه الشجرة السيد عادل الهادي،
معتمداً على عمود النسب الذي أثبتته الوثائق، والطوامير،
والصكوك، والوقفيات القديمة التي تحتفظ بها الاسر المذكورة،
وعلى العديد من المصادر المطبوعة، والمخطوطة، والنقول المكررة
عن الكتب الخاصة بالنسب، وبالاخص مؤلفات نسابة العرب الاخيرة
السيد جعفر الاعرجي الكاظمي البغدادي المتوفى 1332هـ، ومنها
(رياض الاقحوان)، و(الدر المنتظم)، و(الدر المنثور)، و(الصراط
الابلج)، و(الاساس في انساب الناس)، والكتاب المشجر في
الانساب، والبلد الامين في انساب العترة الاكرمين، وكذلك
المصادر العديدة المدونة في ذيل الشجرة المذكورة، علماً بان
نسب السادة الحسنية مما ذكرته كل كتب النسب المتقدمة والمتأخرة
بلا استثناء، ومن اجنحة هذه الشجرة اشراف مكة وساداتها وملوك
المغرب وغيرهم، وقد وثق هذه الشجرة مؤرخ السادة الحسنية
المرحوم السيد عبد الحميد الراضي (1991م)، والاستاذ الدكتور
حسين علي محفوظ، وكذلك الوثيقة التي رتبها ورسمها وخطها بيده
نسابة العراق المرحوم السيد علي ابن السيد رضا الصائغ النسابة،
في الثلث الاول من القرن الرابع عشر الهجري، وهو الذي رتب
العديد من أنساب ومشجرات الاسر الهاشمية في العراق.
د. عماد عبد
السلام رؤوف
استاذ تاريخ العرب
الحديث
جامعة بغداد
بغداد 27 / 6 /
1996
|