|
البرلمان العراقي السابق وحلقات الفساد
د.
صباح علي الشاهر
غريب
أن يستغفل البعض ذاكرة الناس، ويقترح علينا ضرورة
دعوة البرلمان المنتهية ولايته إلى
الإنعقاد بزعم ضرورة وجود رقابة على الحكومة
المنتهية ولايتها، والتي هي عملياً
حكومة تصريف أعمال. من يستمع إلى مثل هذه
الأقاويل يُخيّل له أن برلماننا
السابق كان برلمان الحل والربط، وإنه كيان متفولذ
وقف ويقف بوجه الحكومة، أو راقب و
يراقب عملها بكل دأب ومثابرة، وإن هذا البرلمان
قد إجترح المعجزات بحيث بات يحضى
بحب وتقدير الشعب، بحيث أنه يستحضره آلآن من قبره
ليساهم في إنقاذه من واقعه المتردي
الحالي
.
بغض
النظر عن المسوغ القانوني لمثل هكذا طلب، وبغض النظر
عن توصيف الحالة الراهنة وإستخلاص
مبررات مثل هذه الدعوة ، فإننا نرى ضرورة التنبيه
إلى ما يلي : أن الشعب قد أسقط هذا
البرلمان وبشكل لا مثيل له، إذ من مجموع أعضائه
البالغ عددهم 257 عضواً أسقط الشعب
أكثر من مائتي عضوا، وهذا إستفتاء شعبي قل
نظيره، يؤكد لنا درجة تمثيل هذا
البرلمان للشعب
.
هذه النتتجة تؤكد
لنا أن برلمانيو القائمة المغلقة والأرقام
الصماء، لم يكونوا منتخبين من
الشعب، وإنما جاء أغلبهم عبر عمليات إحتيال فريدة،
لهذا نرى أن إسقاط هذا البرلمان
وبهذه الكيفية إنما هو عقاب شعبي ومحاسبة عاجلة
وليست آجلة، ينبغي إستخلاص العبر
منها، وإهالة التراب على قبر البرلمان السابق من
دونما قراءة الفاتحة ولا نثر
الزهور، ولا مراسيم عزاء ، فكيف بمن يريد نبش هذا
القبر وإحياء الرمم ؟
حتى
الدستور مثار الجدل لم يكن من منجزات هذا البرلمان،
وإنما هو طبخة تمت بظروف خاصة، وقد
أوكل الدستور للبرلمان صياغة وإصدار القوانين
المفصلة والشارحة لبنوده، غير أن
هذا البرلمان لم يفصل ولم يشرح أي بند من بنود
الدستور، بحيث باتت هذه البنود
ميداناً لإختلاف المجتهدين، إذ نجد الجميع يتمسك
بالدستور، ولكن الدستور الذي يفهمه
هو، والذي يأتي وفق مواصفاته وتفسيراته
.
إذا
كانت الدساتير في كل العالم موّحدة وجامعة للكتل
والأحزاب والجماعات ، ومرجعية لا
يختلف عليها إثنان، فإن دستور العملية السياسية
بكل بنوده التي لم يقم البرلمان
بإصدار القوانين المفصلة لها، أصبح وسيلة من وسائل
الفرقة والإختلاف، ومصدراً أساسياً
للتناحر والإحتراب، بات الفرقاء يختلفون حوله
وفيه
.
ولا
أعني هنا أولئك الذين يقفون موقفاً معارضاً لهذا
الدستور، وإنما أقصد أولئك الذين
أسهموا في صياغته وإقراره، وأعني بهم فرسان
العملية السياسية
.
أربع
سنوات عجاف، عانى العراق فيها ما عانى، والسادة أعضاء
البرلمان السابق منشغلين
بالمهاترات، والخطابات الفارغة، والزعيق، وإبتداع الحيل
. الشيء الذي أحسنوا صياغته
وإقراره، وبشكل كامل التوصيف هو مكاسبهم المادية ومنافعهم
، سواء أثناء قيامهم بمهامهم أم بعد
مغادرتهم للبرلمان، ونحن هنا ندعو البرلمان
القادم إلى مراجعة هذه القوانين،
وإلغاء كل ما يتعارض مع قانون التقاعد المؤّحد ،
حيث ينبغي إحالة من وصل السن
القانونية، ومن لديه خدمة تقاعدية كافية إلى التقاعد
وفق القانون، أما الذين لا يشملهم
التقاعد فيعودون إلى وضائفهم السابقة إن كانت
لديهم وضائف ليواصلون عملهم، أو
يذهبون لإعمالهم الخاصة إن كانوا أو أصبحوا من
أصحاب الإعمال الخاصة والبزنس ،
وأكثرهم اضحى كذلك
.
البرلمان
السابق لم يسن القوانين الشارحة والمحددة لبنود
الدستور، وهو أمر كان من أساسيات
عمله، كما لم يصدر القوانين المنظمة للحياة
السياسية، كقانون الأحزاب، ولا
القوانين المتعلقة بالخدمة الوضيفية كقانون مجلس
الخدمة الوطنية، ولا راجع عشرات
ألاف القوانين التي صدرت في العهد السابق والتي
كانت تعقد حياة الناس، وتدفع موظفي
الدولة للتحكم بالمواطنين
وإبتزازهم.
إن
عملية إستملاك عقار في دولة القانون تحتاج إلى المرور
بعدد يصعب تحديده من الدوائر
والمؤسسات، سواء كانت هذه الدوائر والمؤسسات على علاقة
مباشرة أو غير مباشرة بموضوع
إستملاك مواطن لعقار، وكل دائرة من هذه الدوائر لا
تتحرك فيها المعاملة إلا بتعبيد
طريقها بالأخضر. لقد إطلعت على عدد من القوانين
القراقوشية الغريبة، التي ما زال
المواطن مجبراً على الخضوع لها، وكلها قوانين
القصد منها إذلال وإرباك المواطن
والإثقال عليه وإبتزازه من قبل مجموعة، أكانت من
الموظفين أو المتنفذين الآخرين،
ومثلما كان المواطن يتوسل لصاحب السطوة والجاه في
تمشية معاملته، فإنه الآن يتعرض لما
هو أشد وأدهى، ولا يدري حتى بمن يتوسل لتمشية
معاملته ، فأصحاب الجاه والنفوذ
يتكاثرون كما الفطر
.
إن
حق المواطن العراقي مسلوب لا مجازاً وإنما حقيقة
وواقعاً، ومن أجل إسترداد هذا الحق
على المواطن أن يدفع لمن يأخذ راتبه لقاء خدمة
هذا المواطن . الموظف في دولة
العراق يتصرف كما لو كان هو المالك للدائرة، وأن ما
يقبضه من المواطن لقاء تمشية
المعاملة أو التوقيع عليها أو نقلها من دائرة إلى
أخرى، أو من مكتب إلى آخر، أو من
موظف إلى آخر، إنما هو حق طبيعي له . لقد شرعن
النظام السابق ما أسماه بالإكرامية،
وكان لهذا الإجراء ظروفه الخاصة المتعلقة
بالحصار وضآلة راتب الموظف الذي لا يكفي أجرة تاكسي لمرة واحدة
.
ومهما يكن
تبرير من شرعن هذا الإجراء الغريب فقد كان
إجراءاً خاطئاً وكارثياً على
المواطن والوضيف العمومي وسمعته فإذا ربطنا هذا بتعدد
الدوائر التي تمر عليها المعاملة،
وهو إجراء آخر، مترافق مع الإجراء الأول، و ذو
بعد أمني، قصد منه حصار وتطويق
المعارضين والمختلفين مع السلطة، وفلترة أمكانية
حصولهم على أي منفعه، أو تثبيتهم
لأي حق، فقد أصبحت متابعة المواطن لشأن من شؤونه،
وبحكم هذه القوانين القرقوشية،
كارثة حقيقية، وأصبح الوطن ومنذ شرعنة الرشوة وأقرار
الإبتزاز أو السكوت عنه في قلب
الكارثة وليس على مشارفها
.
قضية هذه القوانين
ليست مجهولة بالنسبة لأعضاء البرلمان
السابق، وكذلك ما يتعرض له المواطن،
مثلماً ليس خافياً عليهم أن هذه القوانين تربة
صالحة لتوالد الفساد وإستشرائه
لكنهم لم يحركوا ساكناً، لا في إلغاء أو تعديل هذه
القوانين ، ولا في وضع الأحكام
الرادعة والمحددة بوجه المرتشين والفاسدين الذين
كانوا يزاولون مثل هذه الأعمال
الشائنة على رؤوس الأشهاد، ومن دونما مواربة، مما
يشي بأن الفساد قد إستحكمت حلقاته،
وأنه مترابط ومتصل من الأعلى إلى الأسفل ، ومن
الأسفل إلى الأعلى ، ولم يكن
البرلمان السابق سوى حلقة من حلقات الفساد
هذه.
|