|
العقيدة بين البساطة والتعقيد
لسماحة جعفر فضل الله
الرواية أنّه "سئل عليّ بن الحسين (ع) عن التوحيد، فقال: إنّ
الله عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون،
فأنزل الله تعالى: (قل هو الله أحد) والآيات من سورة الحديد
إلى قوله: (وهو عليم بذات الصدور)؛ فمن رام وراء ذلك فقد هلك"
[الكافي: 1/91/3].
هذا هو التوجيه الإسلاميّ للإنسان المسلم نحو بساطة العقيدة
التوحيديّة، وهو التوحيد الذي أدركته المرأة العجوز التي تحرّك
مغزلها فأدركت بحركته وجود الله وتأثيره في الكون، وهو ذاته
التوحيد الذي توجّه إليه استدلال ذلك الأعرابيّ، من أنّ
"البعرة تدلّ على البعير، وأثر الأقدام يدلّ على المسير.
أفسماوات ذات أبراج، وأرض ذات ارتتاج لا تدلّ على اللطيف
الخبير؟!".
وقد يكون هذا اللون من السهل الممتنع في الفكر العقيدي، هو
الذي كفل للمسلمين تحرّكهم نحو المستقبل، ونحو الآفاق البعيدة
التي حملوا إليها بساطة العقيدة، التي تُدخل الإنسان مباشرة
إلى حقل العمل والبناء الفوقي للشخصيّة الإسلاميّة.. بينما قد
ينظر البعض إلى التعقيد في العقيدة أنّه يدفع إلى حال من
الجمود في الحركة؛ لأنّ الشكّ يأخذ حيّزاً كبيراً من جهد
الإنسان وحركته، حتّى قد يقضي الإنسان عمره باحثاً عمّا يدفع
شكوكه التي غذّتها كثرة الاحتمالات التجريديّة بما جعل اليقين
العقيدي أمراً بالغ الصعوبة..
وليس الأمر، كما قد يفكّر البعض، دعوةً إلى تبسيط الفكر أو
تسطيحه، بقدر ما هي دعوةٌ إلى البقاء في قلب الحياة، وبناء
الفكر العقيدي من عمق التجربة الإنسانيّة. وهذا ما نجده في
منهج القرآن في ربط كلّ الظواهر التي يمرّ بها الإنسان في
حياته بالله عزّ وجلّ، وكذلك في جعل تلك الظواهر أمثلة لتقريب
الفكرة العقيديّة، وأكثر ما نجد ذلك في الحديث عن إحياء الأرض
بعد موتها لتقريب فكرة إحياء الإنسان بعد موته؛ لأنّ أكثر ما
يُبعد الإنسان عن التفكير السليم هو الاستبعاد الناتج من
الإلفة والعادة..
في كلّ الأحوال، قد نجد أنّ من أهداف تلك الرواية هو إرجاع
الناس، في فكرهم العقيدي، إلى القرآن؛ لأنّ القرآن يمثّل
الضابطة الأساسيّة التي تُبعد الإنسان عن الخوض في الأمور
الهامشيّة التي لا تتّصل بمسؤوليّة الإنسان في المعرفة، فيدفعه
ذلك إلى إعطائها حقّها، فلا يتعمّق فيها بما لا يؤدّي إلى
نتيجة، كما تشكّل ضابطة للمضمون العقيدي؛ لأنّ ما يصطدم
بالقرآن من الروايات أو النظريّات التي تتعلّق بتفاصيل العقيدة
لا يمثّل الحجّة في هذا المجال، مع التأكيد على أنّ القواعد
الأساسيّة للعقيدة تكاد تكون بديهيّة قياساً بإدراك العقل
لها..
هذا بعض أفكارٍ للتأمّل في منهجنا في البحوث العقيديّة، إذ
أصبح البحث العقيدي يُقاس بالكمّ في عدد الصفحات وتنوّع
المقالات، وإلا فقد البحثُ عمقه العقيدي؛ والله من وراء القصد.
|