|
أوروبا
وموجة العداء للإسلام: ماذا بعد النقاب؟
أ . فيوليت داغر
يحاول الباحث جاهداً ألا يغوص في معارك السطح ليبحر في عمق
الحدث علّه يتمكن من الوقوف على ما ينطوي عليه من معاني
والخروج باستنتاجات، خاصة عندما يراقب لسنوات عديدة أحداثاً
بدت كحلقات في مسلسل كان له تداعيات كثيرة على النفوس والعقول،
دوافعها لم تختلف لكن أماكنها وعناوينها تنوعت..
أوجه متعددة للظاهرة:
فبدءاً من حجب الحجاب على من تدثرن به في المؤسسات العامة بحجة
مخالفته لروح الدولة العلمانية، إلى الترويج للرسوم
الكاريكاتيرية المستفزة للمشاعر في الدانمارك باسم حرية
التعبير، إلى الاستفتاء الشعبوي الذي أذن بمنع المآذن في
سويسرا لعدم تقبلها عند الرأي العام، إلى استهداف المرأة التي
ترتدي النقاب مؤخراً تحت ذريعة الدفاع عن حريتها هي نفسها، أو
محاربة التطرف، أو لدافع أمني يتطلب كشف الوجه في عالم ينتابه
عصاب الخوف من القريب والغريب. الأمر الذي يتيح لكائن من كان
أن يطرح السؤال المشروع: ما السيناريو القادم وماذا سيكون بعد
الذي كان؟
ففي حين يُصدر مثلاً البرلمان البلجيكي أحد أسرع قراراته
القاضي بمنع تغطية الوجه سواء للمتظاهرين ضد العولمة أو
للذاهبات إلى المسجد، ولا ينطق بكلمة عن المعتقد أو الإسلام أو
حرية الملبس والاختيار والحركة، يصّر الرئيس الفرنسي ـ الذي
للتذكير يمر بأسوأ انخفاض له في استفتاءات الرأي- على أن
المعركة هي مع التطرف الإسلامي الذي يزداد خطره يوماً بعد يوم
على قيم الجمهورية الفرنسية.
فهل هناك حقاً تطرف إسلامي في أوروبا؟ وهل توجد مشكلة مجتمعية
اسمها النقاب؟ وهل تتناسب الضجة المفتعلة حوله مع حجم الظاهرة
وتأثيرها في المجتمعين الفرنسي والأوروبي؟ ألا يبدو التناغم
شديداً مع تحركات جبهة الرفض لتشكيل جالية عربية ومسلمة ذات
تأثير سياسي ومدني واقتصادي واجتماعي يتناسب مع حجمها في
أوروبا؟
إن فشل المجتمع الغربي المستقبِل للآباء المهاجرين، في منح
الأبناء فرص الكرامة عبر العمل وشروط الحياة المقبولة، كان له
أن يفتح الباب واسعاً لكل أشكال الرفض لأنموذج أوصل المراهق
المسلم للتعرف على قاضي الأطفال والبوليس باكراً. الأمر الذي
وضع الجيل الصاعد في مواجهة رد فعلية مع المجتمع الفرنسي،
مقابل علاقة أكثر قرباً من الإسلام والدين الذي يطالب بإقامة
العدل ومناهضة التمييز ورفض الظلم، فيما يشبه الإنعتاق الروحي
الكفيل بتخفيف وطأة التناقض والتوتر بين مجتمعين متداخلين.
ضمن هذه الظروف، كان لتصاعد وتيرة الأيديولوجيات العنصرية
والمواقف العدوانية المناهضة للإسلام أن يخلق الأرضية الموآتية
لإنتاج التطرف في قلب جماعات ذات بنيان هش تشعر بالتهديد
والتهميش.
وقد ذهب الأمر لأبعد مما يجب عندما غدا المسلم مسؤولاً عن ما
آل إليه وضعه، وقد غطت السياسة الرسمية الفرنسية على فشل سياسة
إدماج المهاجرين عندما اختزلتها بالاندماج الديني للمسلمين
أنفسهم.
وقد ساهمت وسائل الإعلام في خلق مناخٍ معادٍ للإسلام، عندما
ركزت على صورة الإسلاموي الإرهابي والملتحي وجعلته الفزاعة
وعممت الجزء على الكل.
سقوط قيم الحرية الأوروبية:
فإذا كان وجود المهاجر يسهم في تنمية مشاعر الخوف من هذا الآخر
المختلف، فهو في زمن الأزمات يمكن أن يغدو مهدداً للهوية
الوطنية في خطاب اليمين ومن يصطادون في الماء العكر، ويعمد
أصحاب الرؤوس الحامية لزرع الفوضى وإشاعة الخوف في الداخل،
وتحويله لنوع من الرهاب الجماعي بتغليب العواطف على العقل
والمنطق. ولضمان استمرار تحكمهم بالسلطة ولسنّ التشريعات التي
يريدون وتعزيز دولة الأمن بدلاً من دولة القانون وتغليب قانون
القوة على قوة القانون، يلجؤون لتحريك اللاوعي وكوامن النفس
البشرية بتحويل هذا الآخر وما "لا يمكن أن أكونه" إلى "ما لا
أريد أن أكونه".
هكذا، وباسم النضال من أجل تحرير المرأة تحتقر المرأة المختلفة
وخياراتها، وباسم الجمهورية يُحترم دين ويُؤلب على دين آخر. لا
بل يغدو من الصعب استيعاب رفض فتيات، معظمهن ممن اعتنقن
الإسلام حديثاً، استخدام المرأة كجسد في الدعاية والتجارة
وردّهن بإعلان القطيعة مع المجتمع المشهدي.
منهن من يرين في هذا الزي ليس فقط ترجمة لانتمائهن لثقافة
أهلهن، وإنما أيضاً نوعاً من التعبير عن الحرية الفردية، لدرجة
أن التخلي عنه هو بنظرهن نوع من العنصرية غير المعلنة.
تقول إحدى المنقبات الفرنسيات: "لقد تركت قيم الجمهورية
للسيدين ساركوزي وكوشنر، لم يعد عندي أكثر من القرف من بلدي
الذي سرقوه واتهموا المسلمين بإخفاء الغنيمة".
القرف مضاعف عند الكثيرات أيضاً من إغماض العين عن جرائم قوات
الناتو في العراق وأفغانستان وجرائم الجيش الإسرائيلي اليومية
والمتعددة الأشكال ضد الفلسطينيين والعرب الآخرين.
فحين يصدر قرار عسكري إسرائيلي مثلاً بتحويل سبعين ألف فلسطيني
إلى متسلل غريب في وطنه، لا يكتفي الغرب الرسمي بالصمت عنه، بل
يكرم "إسرائيل" ، أما عندما يجري تهويد القدس على قدم وساق وفي
وضح النهار، فيتهم من ينتقد ذلك بإيقاظ النوازع المعادية
للسامية.
بالتأكيد، لا يغيب عن أحد سعي جماعات الضغط المعادية للعرب
والمسلمين لتهميش الجالية الحديثة التكون، كما يوجد بين الساسة
من يبحث عن شعبية رخيصة ويتكئ على مهووسين بإشعال الحرائق في
بقعة متأزمة تتخلى يوماً بعد يوم عن أجمل ما نادت به الثورة
الفرنسية (الحرية والمساواة والإخاء)، وأقره إعلان حقوق
الإنسان والمواطن (1789)، ونص عليه برنامج المقاومة الفرنسية
للاحتلال والدستور الفرنسي وتعديلاته، والاتفاقية الأوروبية
لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.
مواجهة العداء للإسلام:
ومهما تكن المسوغات، نجد أنفسنا أمام توظيف سياسي شعبوي يتدثر
بالقانون، ولم يكن للأغلبية البرلمانية والحكومة أن تقوما بهذا
العمل لولا ضمان تواطؤ إعلامي وصمت مراكز قوى وجماعات ضغط
أساسية.
بالتضاد مع هذه المواقف، أظهرت وجهة نظر المفوضية الوطنية
الاستشارية لحقوق الإنسان (التي تم تبنيها في 21/1/2010
بأغلبية 34 صوتا ضد صوتين فقط)، وجود أغلبية في وسط حقوق
الإنسان ترفض أي شكل من أشكال التعسف والظلم والتمييز بحق
المسلمين، وتقف ضد أية مسوغات للمساس بالحريات عبر تشريع
قوانين.
ولا يختلف موقف هؤلاء عن رأي مجلس الدولة ومواقف مناضلين
يساريين وعلمانيين ديمقراطيين رفضوا -رغم اختلافهم مع فكرة
النقاب شكلاً ومضموناً- أن يتحول الموضوع إلى منع قانوني وحظر
قسري في تعارض مع قيم حقوق الإنسان.
لذا نجد ضرورة لتعاون واسع الأفق على النطاقين القانوني
والثقافي لمواجهة عمليات التوظيف الرخيصة للعداء للإسلام،
ولتعزيز دور جالية تشكل جزءاً هاماً من النسيج المجتمعي، لا
يجوز تحت أية ذريعة تهميشها وإبعادها عن الحياة العامة (نذكّر
بأنهم ستة ملايين مسلم، أي ما يقارب 10% من السكان، يتحدرون من
53 بلداً ويتكلمون 21 لغة إلى جانب اللغة الفرنسية).
فتحركات المجتمعات المدنية الواعية والجسورة كفيلة بقطع الجسور
تحت أقدام المتصيدين في الماء العكر وتسميم أجواء التقارب بين
الشعوب والثقافات، والتقاعس خطيئة لا تغتفر.
المصدر : الجزيرة نت
|