|
الأمريكان
"ينسحبون" والوصاية الأجنبية باقية
أ . نقولا ناصر
ليس من المتوقع أن يكون قائد قوات الاحتلال الامريكي في العراق
رأي أوديرنو قد اقترح قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة
للمرابطة في "المناطق المتنازع عليها" بين عرب العراق وبين
كرده بعد الانتهاء المفترض من سحب القوات الامريكية بنهاية
العام المقبل من دون علم نائب الرئيس الامريكي جو بايدن الذي
كان في بغداد في الوقت نفسه لتفقد قواته والاحتفال معهم بعيد
استقلال الولايات المتحدة في الرابع من تموز, فهذا اقتراح
سياسي ليس من اختصاص العسكريين الإعلان عنه, غير أن الاقتراح
في حد ذاته ينطوي على رسائل سياسية أمريكية مهمة لا ينبغي لها
أن تمر مرور الكرام.
واللافت للنظر, أولا, أن الامريكان الذين يقولون إنهم يسحبون
قواتهم المحتلة من العراق الآن كانوا قد غزوه واحتلوه تحت
عباءة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة, لكنهم يعيدون
انتشار قواتهم المحتلة للعراق من أجل تعزيز احتلالهم
لأفغانستان بموجب اتفاق ثنائي مع الحكومة المنبثقة عن احتلالهم
ينظم وجود هذه القوات بغض النظر عن تغيير مسمياتها من قوات
مقاتلة إلى قوات "خبراء ومستشارين", من دون أي دور للأمم
المتحدة, مما يثير سؤالا مشروعا:
إذا كانت دولة الاحتلال الامريكي جادة في سحب قواتها من "أجل
ترك العراق لشعبه" مستقلا وموحدا, كما سبق للرئيس باراك أوباما
القول, فلماذا تنسحب إذن تاركة العراق تحت وصاية الأمم المتحدة
ومرتهنا للفصل السابع من ميثاقها إذا لم تكن الولايات المتحدة
تريد فعلا أن يظل باب الوصاية الأممية الذي دخلت منه إلى
العراق مفتوحا كي تعيد منه قوات احتلالها إلى العراق في أي وقت
تشاء!
ويكشف اقتراح أوديرنو, ثانيا, أن الولايات المتحدة تبحث فعلا
عن "بديل" مأمون وموثوق تأتمنه على أمن الوضع والنظام
المنبثقين عن احتلالها في العراق يحل محل قوات احتلالها التي
اضطرت إلى إعادة انتشارهم من مسرح حرب "الاختيار" على العراق
إلى مسرح عمليات حرب "الضرورة" على أفغانستان, حسب وصف أوباما
للحربين, تحت ضغط تصاعد المقاومة الأفغانية للاحتلال الامريكي.
ويكشف الاقتراح بـ "بديل" من قوات تابعة للأمم المتحدة لـ "حفظ
السلام", ثالثا, أن قوة الاحتلال الامريكي بعد سبع سنوات من
الغزو, ما زالت بحاجة إلى قوات امريكية في العراق, أو إلى قوات
أجنبية "صديقة" إن تعذر توفير قوات امريكية كما هو الحال
الراهن, مما يكشف, رابعا, أن "عرقنة" الحرب الامريكية على
العراق قد فشلت حتى الآن في ضمان أمن "العراق الجديد" الامريكي
اعتمادا على قواها الذاتية رغم تجنيد أكثر من ثلاثة أرباع
المليون في "الجيش العراقي الجديد" وشرطته وأجهزة أمنه
والمليشيات المسلحة وعشرات الآلاف من قوات المرتزقة
"المتعاقدة" مع قوات الاحتلال والنظام المنبثق عنه.
غير أن ما قد يكون الأهم الذي يكشفه الاقتراح, خامسا, هو
الرؤية الامريكية للعراق, كبلد تراه واشنطن وتتعامل معه وتخطط
لمستقبله باعتباره بلدا مركبا عرقيا وطائفيا وقبليا لا يحافظ
على وحدة أراضيه الإقليمية المصطنعة إلا نظام مركزي قوي لا
تريده واشنطن ولذا اتخذت وما زالت تتخذ من إسقاطه ذريعة ملاذ
اخير لغزوها عام 2003 بعد أن سقطت كل ذرائعها الأخرى باعتبارها
أكاذيب مفبركة. ومما له دلالة في هذا السياق ان أوديرنو أعلن
اقتراحه بوجود بايدن صاحب اقتراح تقسيم العراق إلى ثلاث دول في
العاصمة العراقية, وهو الذي ورث مع إدارته ورئيسه عن إدارة
جورج بوش السابقة التي قامت بالغزو والاحتلال رؤيتها
"الفدرالية" للعراق "الجديد" كبديل واقعي للتقسيم يحقق الهدف
الاستراتيجي الامريكي نفسه المتمثل بعدم السماح مجددا بوجود
سلطة مركزية قوية في بغداد, ربما بانتظار ظروف أخرى تسمح
بتقسيم العراق صراحة, وإلا ما معنى الاعتراف الامريكي بوجود
"مناطق متنازع عليها" غير خاضعة لسلطة الحكومة المركزية في بلد
تدعي واشنطن أنها حريصة على وحدة أراضيه الإقليمية, ولماذا لم
تقترح واشنطن مثلا قوات حفظ سلام دولية للفصل بين الباسك وبين
اسبانيا أو بين ايرلندا الشمالية وبين بريطانيا, والأمثلة
الأكثر وجاهة وافرة ?
فالمناطق المتنازع عليها عادة توجد على الحدود بين الدول,
وافتعال وجود مناطق كهذه في العراق لا يمكن إلا أن يكون مؤشرا
إلى محاولة لتقسيمه إلى دول, إذ "لا توجد سابقة في وضع قوات
تابعة للأمم المتحدة داخل بلد واحد, فقد جرت العادة أن تفصل
قواتها بين دول وقعت بينها مشاكل يمكن أن تهدد السلم الإقليمي
والعالمي" كما قال متحدث رسمي باسم الجبهة الوطنية والقومية
والإسلامية التي يقودها عزة الدوري نائب الرئيس العراقي الشهيد
صدام حسين, والاقتراح الامريكي بوضع قوات دولية فيها لا يوجد
أي تفسير له سوى كونه توجها سافرا نحو التقسيم الذي أرسى
الاحتلال أساسا له بوضع "دستور فدرالي" للعراق, أفرز شبه
دويلات طائفية وعرقية في شماله وجنوبه ووسطه تتنازع على الأرض
والثروة والسلطة, ثم يدعي الامريكيون الدهشة لأن قادتها لا
يستطيعون الاتفاق على حكومة مركزية في بغداد بعد أربعة أشهر من
إجراء انتخابات هللوا لها باعتبارها دليلا على "الإنجاز
الديمقراطي" الذي حققوه في العراق, قبل أن يرسلوا بايدن وغير
بايدن من مسؤولي إدارة باراك أوباما للتوسط بينهم حتى لا يستمر
"الفراغ السياسي" الذي يهدد ب¯ "فراغ أمني" قد ينفجر طائفيا أو
عرقيا فيعرقل إعادة نشر قوات احتلالهم من العراق إلى
أفغانستان, أما الثمن الذي سيدفعه الشعب العراقي بكل طوائفه
واعراقه لأي انفجار كهذا فهو آخر ما يشغلهم أو يفكرون فيه, ومن
هنا اقتراح أوديرنو.
لكن الادعاء الامريكي بالانسحاب من العراق من دون رفع الوصاية
الدولية عليه, في الأقل ليكون رفع هذه الوصاية هو الانجاز
الوحيد الذي يدعم ادعاء واشنطن بحرصها على خلق عراق حر
وديمقراطي ومستقل, إنما يدحض صدقية الامريكيين في "الانسحاب"
وفي ادعاء الحرص على حرية العراق واستقلاله على حد سواء. ومما
يعزز الشك في صدقيتهم ما قاله رئيس وزراء دولة الاحتلال
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء لقائه مع وزير الحرب
الامريكي روبرت غيتس في واشنطن الأسبوع الماضي من أن الانسحاب
إن حدث سوف يعرض تل ابيب للمخاطر (هآرتس الإسرائيلية), فحماية
دولة نتنياهو من مخاطر كهذه كانت هدفا رئيسيا من أهداف الغزو,
فالاحتلال الامريكي ليس من المتوقع أن تكون واشنطن قد تخلت عنه
فجأة.
والادعاءات المماثلة لأركان النظام السياسي الذي اقامه
الاحتلال في المنطقة الخضراء ببغداد ولم يمكنه من الاستمرار
اعتمادا على إمكانياته الذاتية من دون الاستقواء بقوة الاحتلال
بعد سبع سنوات من رعايته ليست أكثر صدقية من مثيلاتها
الامريكية, سواء بالنسبة للانسحاب الامريكي, أو لاستمرار وصاية
الأمم المتحدة والولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال, كان من
المقرر اليوم, الاثنين, ان يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة خاصة
لمناقشة قضية صندوق تنمية العراق. وكان الأمين العام بان كي -
مون في تقريره إلى المجلس عن الصندوق في نيسان/ أبريل الماضي
قد أوصى برفع حصانة الأمم المتحدة عن الصندوق بعد نهاية العام
الحالي بعد أن مدد وصاية المجلس على الصندوق إلى نهاية كانون
الأول/ يناير المقبل بناء على طلب من حكومة نوري المالكي.
وطبقا لخطة عمل وجدول زمني سلمهما وزير خارجية هذه الحكومة
هوشيار زيباري إلى مجلس الأمن قررت حكومة المالكي الاحتفاظ
بصندوق تنمية العراق في خزينة الحكومة الفدرالية الامريكية مع
استمرار حصانة الأمم المتحدة للصندوق لكن "باسم مختلف, وسوف
يستمر في دفع نسبة خمسة في المئة من موارد النفط العراقي الى
صندوق تعويضات الأمم المتحدة من دون أي تغيير" كما قال سفير
المالكي لدى الأمم المتحدة حامد البياتي لوكالة الأنباء
الكويتية - كونا, في وقت ما زال مجلس الأمن الدولي يجري
"مناقشات.. من أجل إخراج العراق من طائلة الفصل السابع من
ميثاق الأمم المتحدة" كما قال مؤخرا السفير الفرنسي في بغداد
بوريس بوالون.
لذا لم يكن من المستغرب أن تلجأ حكومة المالكي عام 2008 إلى
إبرام اتفاقية "صوفا" مع واشنطن لتنظيم وجود قوات الاحتلال
الامريكي في العراق بعد انتهاء تفويض الأمم المتحدة لوجودها
العام المنصرم من دون اشتراط ربط إبرامها بإخراج العراق من أسر
الفصل السابع بحيث يتزامن رفع وصاية الأمم المتحدة عن العراق
مع انتهاء تفويضها لقوات الاحتلال فيه, ولم يكن مستغربا كذلك
أن يتعمد المالكي وحكومته تجاهل إجراء الاستفتاء على اتفاقية
"صوفا" في موعده المقرر بنص هذه الاتفاقية نفسها, من دون أن
يعبأ معارضوه الذين ينازعونه اليوم على السلطة ممن جاءوا معه
في أعقاب الدبابات الامريكية الغازية بإجراء هذا الاستفتاء ولو
من باب المناكفة في سياق اصطراعهم معه على كراسي سلطة يعرفون
جميعهم من يملكها فعلا.
وفي هذا السياق, فإن مبادرات مثل إيعاز حكومة المالكي لممثلية
العراق في جامعة الدول العربية باستضافة ندوة في مقرها الأسبوع
الماضي, بالتعاون مع السفارة العراقية في القاهرة, حول آلية
خروج العراق من طائلة الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة هي
مبادرات لا تعدو كونها جزءا من عملية تضليل إعلامي للرأي العام
العربي في محاولة لإيهامه بأن أي حكومة تستمر في بغداد اليوم
فقط بفضل قوى الاحتلال الأجنبي المستظلة بعباءة الأمم المتحدة
يمكن أن تكون معنية حقا بانسحاب قوات الاحتلال من العراق وبرفع
وصاية الأمم المتحدة عنه. |