|
صحيفة
كويتية تحاور المرجع السيد فضل الله:
المرجع البارز فضل الله
لـ (أوان): الطائفية يصنعها زعماء المذاهب
أ
.
طارق
ترشيشي
(
لقد انطلق حوار جديد بين القوى
السياسية المتنازعة في لبنان برعاية رئيس الجمهورية، هل هو في
رأيكم حوار بالوكالة
عن القوى الدولية المتصارعة في لبنان، أم انه حوار لبناني
سيؤدي إلى مصالحة وطنية
فعلية كان من بشائرها الاجتماع الأخير بين وزراء ونواب من حزب
الله والحزب التقدمي
الاشتراكي؟
-
عندما ندرس الظروف السياسيّة التي تحيط بلبنان، من خلال علاقته
بأزمة المنطقة من حيث الصراع العربي الإسرائيلي والصراع العربي
العربي، والتعقيدات
المحليّة، فإننا نرى أن مسألة الحوار، كمسألة «اتفاق الدوحة»،
انطلقت من الخشية بأن
الوضع اللبناني، في خلفيّاته الخارجية ومواقعه الإقليميّة
والمحلية، قد يتحوّل إلى
حرب أهليّة تتمثل في الحروب الصغيرة، سواء أكانت فرديّة أو
جماعيّة، ولاسيما ما حدث
في 7 مايو (أيار)، والذي حاول الكثيرون أن يوظّفوه لفتنة سنيّة
شيعيّة، ولايزال
الكثيرون يتحدثون فيه بطريق الصراحة تارة أو بطريق الكناية
تارة أخرى.
لذلك،
فالمسألة كلها تُختصر بأنه يُراد من الواقع اللبناني، من خلال
المصالح الدولية
والأوضاع العربية مع المفردات المحلية، إيجاد حالة من السلم
الذي يعيش في السطح، مع
البقاء تماماً كما هو «اتفاق الطائف» الذي لم يكن حلاً لمشكلة
لبنان، بل كان حلاً
لمشكلة الحرب، لأن دوره كان إيقاف الحرب.. ولذلك، فإن دراستنا
للخلفيات التي تكمن
وراء كثير من أطراف الحوار، في علاقاتها بالواقع الدولي
والإقليمي، لا توحي بأن
الحوار سوف ينزل إلى العمق في ماهية الوحدة الوطنية اللبنانية،
وذلك لسبب بسيط جداً
وهو أن النادي السياسي اللبناني، بتنوّعاته، لا يملك الكثير من
الحرية السياسيّة
التي يمكنه فيها أن يحسم الأمور بنحو يعود معه لبنان بلداً
موحّداً ومتعاوناً من
دون أي تعقيدات(...).
إن علاقة لبنان من خلال القيادات السياسيّة، إن كان
هناك قيادات بالمعنى الصحيح، مرتبط بأزمة المنطقة.. ونحن نعرف
أن المنطقة لاتزال في
حالة من المراوحة، وخصوصاً في نهاية عهد الإدارة الأميركية
الحالية وتطلّع الجميع
إلى المرحلة الجديدة للإدارة الجديدة في خطوطها السياسية التي
ربما تمثل امتداداً
للإدارة الحالية وربما تمثل تغييراً فيها.. هذا مع ملاحظة
الوضع الجديد الذي حصل في
الحركة الأميركية التي امتدّت معها الحركة الأوروبية في مواجهة
الاتحاد الروسي،
وتطويق روسيا من خلال الخوف من أنها ستتحوّل إلى اتحاد سوفييتي
جديد، من حيث القوة
ومن حيث تأثيرها في العالم، في تحالفاتها المتنوّعة في هذا
المجال. أنا أتصوّر أن
الحوار اللبناني اللبناني هو حوار من أجل منع الحرب، وليس
حواراً من أجل منع
التمزّق اللبناني السياسي.
فتنة السُنة والشيعة
(
بالنسبة إلى واقع
العالم الإسلامي، ففي العراق تسود فتنة مذهبية بأشكال مختلفة،
بينما في لبنان فإننا
نسمع أن هذه الفتنة موجودة ولكنها موجودة عملياً في عقول بعض
السياسيين الذين
يثيرون بعض العصبيات المذهبية والسياسية، ولكن على ارض الواقع
ليست هناك قناعة أو
ممارسة لدى السنة أو الشيعة تشير إلى أنهم يعيشون مثل هذه
الفتنة
المذهبية؟..
-
في تصوّري، إذا خرجنا عن دائرة المحزّبين والفئات التي تعيش
على موائد الزعامات السياسيّة المذهبيّة، فإننا نرى أن الشعب
المسلم، من السنّة
والشيعة، لا يفكر في أي فتنة تعطّل له مصالحه، لأن المسلمين
بين فريقين: فريق يعيش
الحرمان كأقسى ما يكون، وفريق يتحرّك في المواقع الاقتصادية..
وأعتقد أن كلا
الفريقين يتداخلان في المسألة، إذ هناك شيعة وسنّة في داخل
واقع المحرومين، وهناك
شيعة وسنّة في المواقع الاقتصادية.. ولذلك، فإنني لا أتصوّر أن
هؤلاء الناس، في هذا
الجانب أو في ذاك الجانب، يفكّرون في فتنة دامية.. ولكن، ربما
تتحرّك بعض الخطوط
الصغيرة والكبيرة التي يثيرها الذين يعملون على تلويث الأجواء
السياسيّة، قد تخلق
بعض الحساسيّات في هذا المجال، وقد يكون انتصار بعض من
الفريقين من الناحية
السياسية على الفريق الآخر يوحي للناس الذين معه بهزيمة
الطائفة، كهزيمة الطائفة
السنيّة عندما ينتصر الشيعة وهزيمة الطائفة الشيعيّة عندما
ينتصر
السنّة.
أنا لا أتصوّر أن هناك فتنة على المستوى الشعبي، إلا من خلال
بعض
الحساسيّات التي قد تحيط بها بعض الظروف والتي قد تدفع إلى
قتال فردي هنا أو قتال
محدود هنا وهناك. ولذلك، لم يستطع هؤلاء الذين يحرّكون الفتنة
أن يصنعوا حرباً
أهلية بين السنّة والشيعة.
لذلك، أنا لا أخشى من فتنة سنيّة شيعيّة، من
خلال الشروط المحليّة للفتنة، ولكن الخوف الذي يمكن أن يحصل هو
في بعض المواقع
الإقليميّة التي تهتمّ بالجانب المذهبي والتي تفكّر باحتواء
المذهب على مستوى
العالم العربي لحسابات سياساتها، أو من خلال التوظيف الأميركي
لها، أو من خلال بعض
التعقيدات التي تعيشها بعض قياداتها الأمنيّة أو السياسيّة في
هذا المجال.. ولكني
أتصوّر أن لبنان، مهما امتدّت به الأوضاع المذهبيّة
والطائفيّة، لن يواجه فتنة
تؤدّي إلى حرب أهليّة، سواء بين السنّة والشيعة أو بين
المسيحيّين والمسلمين، إلا
إذا كانت الأوضاع الدوليّة تخطّط من أجل الاستفادة من حرب
لبنانيّة متنوّعة الأديان
والمذاهب والأحزاب والاتجاهات السياسيّة في المنطقة، ولكن في
وقت
محدود(...).
محاولات التقريب بين المذاهب الإسلامية
(
في موضوع
الوحدة الإسلاميّة، هناك محاولات كثيرة حصلت للتقريب بين
المذاهب، وأنشئت مؤسّسات
ومجامع.. ما هو تقييمكم لهذه التجربة التي لم يظهر أنها حققت
نتائج عملية
ملموسة؟
-
أنا أعتقد أن غالبية علماء الدين لايزالون يعيشون في تعقيدات
التاريخ، فيستعيدون السلبيّات التي حدثت في التاريخ بالطريقة
التي يحاولون أن
يثقفوا فيها قاعدتهم بالقضايا المذهبيّة، سواء من خلال التكفير
من جهة أو من خلال
فتاوى الإساءة إلى بعض المقدّسات لدى بعض المذاهب من جهة
أخرى.. لذلك، فإننا نجد أن
علماء الدين عموماً، في العالم الإسلامي، يعملون على إبقاء هذا
الاهتزاز الداخلي
الإسلامي المذهبي، بأساليب متعدّدة.. وفي الوقت الذي نشجّع فيه
مؤتمرات التقريب بين
المذاهب الإسلامية، فإننا نجد أنها أقرب إلى الاجتماعات
الاحتفالية منها إلى
المؤتمرات التي تدرس الأمور دراسة بحيث تضع الجميع على مواقع
اللقاء بشكل علمي
وموضوعي عميق، وتفتح أبواب الحوار بشكل جادّ في ما يختلفون فيه..
وهذا لم
يحصل، إنما نلاحظ أن حركة التقريب التي أنشأها علماء في مصر
وعلى رأسهم الشيخ محمد
تقي التوني برعاية المرجع الإسلامي الشيعي السيّد حسين
البروجردي، وكان معه أيضاً
الشيخ محمد شلتوت والشيخ عبد المجيد سليم وهما من علماء الأزهر
الكبار جداً ومن
المثقفين والمخلصين للخط الإسلامي على هدى الشيخ محمد عبده
وجمال الدين الأفغاني،
وكانوا يمثلون التجربة الرائعة جداً في مسألة التقريب، لأنهم
بدأوا بإصدار مجلة «رسالة
الإسلام» التي يطرح فيها الشيعة كل أفكارهم، ويطرح فيها السنّة
كل أفكارهم،
بطريقة علميّة موضوعيّة، بحيث قادت المجموعتين إلى الإحساس
بوجود وحدة إسلامية
تتنوّع فيها الاجتهادات، سواء داخل المذهب الشيعي أو داخل
المذاهب السنيّة، ولعلّ
هذا أدّى إلى أن يصدر الشيخ المرحوم محمود شلتوت الفتوى بجواز
التعبّد بالمذهب
الشيعي.
ردا على القرضاوي
(
أين هي الوحدة الإسلامية بين ما تقوله
سماحتكم وتعملون له، وبين ما يقول به رئيس الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين الشيخ
يوسف القرضاوي ويعمل له؟
-
لعلّ المشكلة بالشيخ القرضاوي هي أن البعض يتهمه
أو يقول عنه أنه قد يتحدّث عن الوحدة الإسلاميّة في خطاباته،
لكنه يمارس دوراً
مغايراً عندما يحاول أن يركّز على بعض السلبيّات الموجودة في
الموقع الشيعي
ويردّدها أكثر من مرة، وربما يرفض أن يتحرّك حوارٌ على المستوى
الشعبي بين الشيعة
والسنّة، بحيث قد يقنع شيعي سنيّاً بالتشيّع وقد يقنع سنيّ
شيعياً بالتسنّن مثلاً..
ولكنه لا يتحدّث، مثلاً، عن آلاف الكتب التي تصدر وتكفّر
الشيعة وتتحدث عن دعوة
الشيعة إلى التسنّن وإلى ترك التشيّع.. وبقطع النظر عن الخطأ
أو الصواب في هذا
المجال، فإن تعبيره عن هذا النوع من أنواع الحوار الذي قد يحدث
في الساحة الإسلامية
بين السنّة والشيعة يعتمد على وصف الحالة بالغزو الشيعي،
تماماً وكأن هناك حرباً
يحاول الشيعة فيها أن يثيروا حرباً على السنّة في هذا
الموضوع.. ونحن نعرف أن مسألة
الغزو، مثلاً، ليست واردة لا في عقول السنّة ولا في عقول
الشيعة.. هناك سلبيّات عند
الشيعة قد يتعقّد منها السنّة، وهناك سلبيّات عند السنّة
يتعقّد منها الشيعة. ونحن
كنا مع كثير من المخلصين نتحدّث عن محاولة تخفيف هذه السلبيّات
من أجل إزالتها
وإبقاء القضيّة الشيعيّة- السنيّة في الموقع الاجتهادي الذي
يتحرّك فيه العلماء من
هنا وهناك ليدرسوا الأمور الخلافيّة بعقل علمي منفتح، وذلك
انطلاقاً من قوله تعالى: «فإن
تنازعتم في شيء، فردّوه إلى الله والرسول»، ولاسيما أمام
التحديات الكبرى التي
تواجه الإسلام كلّه مما نتابعه ونشاهده في الغرب، في الصور
المسيئة للنبيّ وفي
موضوع فيلم «فتنة» في هولندا وفي الهجوم الذي ينطلق من خلال
مواقع كثيرة بإشراف
الصهيونيّة لإيجاد هوّة بين السنّة والشيعة ولأجل محاربة
الإسلام كلّه والمسلمين
كلّهم.. ونحن نعلم أنه عندما سقط الاتحاد السوفييتي واجتمع
قادة الحلف الأطلسي
وسألوا من هو العدو الجديد، قيل إن العدو الجديد هو الإسلام،
وقد قال القائد الأعلى
السابق لقوات الحلف الأطلسي آنذاك: «إننا ربحنا الحرب الباردة
وها نحن نعود اليوم
بعد 70 سنة من الصراعات الضالة إلى محور الصراع القائم منذ
1300 سنة، إنها المجابهة
الكبيرة مع الإسلام» لأنهم يعتبرون أن الإسلام كله يمثل خطراً
على بنيتهم الثقافية
والسياسية ولا يفرقون بين السنة والشيعة في ذلك.
لذلك، كنا ندعو إلى محاولة
تجميد بعض الخلافات الثانويّة من أجل البحث في الخلافات
الأساسيّة، والتي يستغلّها
أعداء الإسلام بشكل عام، يعني إسلام السنّة وإسلام الشيعة، إذا
صحّ أن يكون هناك
إسلامان كما يعبّر بعض الناس في هذا المقام.. لذلك، نحن نتصوّر
أن صديقنا الشيخ
القرضاوي يحاول بين وقت وآخر أن يثير مثل هذه السلبيّات، من
خلال الحديث عن الشيعة،
من دون أن يثير سلبيّات في الجانب الآخر، ثم تعبيره عن الشيعة
بـ «المبتدعة»، علماً
أن الابتداع في المصطلح الفقهي عبارة عن الابتداع في العقيدة،
ونحن كنا نتمنّى أن
يقدّم الشيخ القرضاوي، بصفته عالماً مهتمّاً بالقضايا
الإسلاميّة، دراسة عن البدع
التي يرتكز عليها الشيعة ليدخل في حوار مع علماء الشيعة الذين
يلتقي بهم بين وقت
وآخر ويحضر مؤتمراتهم.. علماً أننا كنا استبشرنا بتأسيس اتحاد
علماء الإسلام، الذي
كان يمكن أن يطرح هذه الأمور في داخله ولكني أتصوّر أن الشيخ
القرضاوي، من خلال
اعتباره أن الشيعة من الفئات المبتدِعة، وأنهم يعتبرون أن
القرآن ناقصاً ومحرّفاً،
وإن كان لا ينكر إسلامهم، في الوقت الذي نجد فيه قدامى العلماء
من الشيعة يصرحون
بأن هذا هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه ولم يزد فيه
حرف ولم يُنقص منه حرف.
وإذا كان بعض الناس يقولون إن الشيعة يستعملون
التقيّة، فإننا نقول إن التقيّة كانت تستعمل في مقابل الحفاظ
على الحياة، أو الحفاظ
على القضايا الحيويّة المهمّة.. ونحن نرى أن الشيعة قد نشروا
كل كتبهم، سواء ما
يخالف التقيّة أو ما يوافقها..
وهناك نصّ من أحد أئمة أهل البيت أن التقية
لا تجوز إذا استلزمت فساداً في الدين، ولاسيما فيما يتصل
بالثوابت العقيدية، أما
ترديد بعض الناس كلاماً عن اتهام العلماء الذين يتحدثون عن
القضايا الإسلامية بأن
كلامهم يأتي على سبيل التقية، فهو يمثل نوعاً من أنواع الإساءة
المتعمدة للعلماء
الطليعيين المنفتحين الوحدويين العاملين للوحدة الإسلامية بصدق
وإخلاص، ومن يتحدث
بهذه الطريقة قد ينطلق من خلفيات مضادة لحركة الوحدة الإسلامية.
ومن جهة
أخرى هناك إجماع من علماء الشيعة، ماضياً وحاضراً، على أن الله
تكفّل بحفظ القرآن
الكريم بقوله تعالى: (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له
لحافظون). ونحن نقرأ في
أحاديث الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام، الذين يدين الشيعة
بهم وبإمامتهم، أنهم
قالوا بأن عليهم أن يصحّحوا الأحاديث المرويّة عن النبي وعنهم
بعرضها على القرآن، «فما
وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض
الجدار»، أو «ما
خالف كتاب الله هو زخرف»، مما يدلّ على أن الأئمة يريدون
للشيعة أن يعتبروا أن
القرآن هو الكتاب الذي لا نقص فيه، وإلا فكيف يطلبون من شيعتهم
أن يعرضوا كل ما
يصلهم من أحاديث عن النبي وعن أهل البيت على القرآن في هذا
المجال؟
إن
المشكلة في الواقع الإسلامي إنه ليس هناك حوار علمي موضوعيّ
بين العلماء، بحيث
يعيشون الذهنيّة العلميّة الموضوعيّة، ونحن نعيش في عالم حضاري
يُتقبَّل فيه الرأي
الآخر ويُعترف فيه بالإنسان الآخر، وحتى أنه ليس هناك شيء لا
يقبل الناس الجدال
فيه، إلا في المسألة اليهوديّة التي حاول الصهاينة أن يحصلوا
على قرار من الأمم
المتحدة في تجريم معاداة الساميّة أو تجريم النقاش حول قضية
«الهولوكوست»، وإلا فإن
كل شيء في العالم الآن، سواء على المستوى الديني أو الفلسفي أو
السياسي أو
الاقتصادي، قابل للنقاش.. وقد أعلنت خلال محاضرة ألقيتها في
الجامعة الأميركية، قبل
سنين، أن ليس هناك مقدّسات في الحوار، لأن الله سبحانه وتعالى
حاور إبليس وحاور
الملائكة، والقرآن حاور الجميع، حاور الملحدين والمشركين وأهل
الكتاب والمنافقين..
لذلك، أعتقد أن مسألة مؤتمرات التقريب ينبغي أن تختصر هذه
الاحتفالات وأن يجتمع
مجموعة من العلماء المتخصّصين في جلسات مغلقة ويطرحوا الخلافات
الفقهيّة والخلافات
الكلاميّة، ليدرسوها دراسة موضوعيّة بالطريقة التي يمكن أن
يتوحّدوا فيها على قاعدة
إسلاميّة واحدة، أو يتقاربوا فيها على أساس التركيز على مواقع
اللقاء والتفاهم حول
مواقع الخلاف.
لقد كنا نتمنى من الشيخ القرضاوي الذي يتحدث عن الغزو الشيعي
أن يتحدث عن خطر التنصير والإلحاد وعلى الواقع الإسلامي كله،
حيث كان عليه أن يثير
الحديث عن ذلك إلى جانب ما يعتبره اختراقاً للمجتمع الإسلامي
السني.
ونحن لا
ندري لماذا يتحدث بطريقة الإثارة عما يعتقده فريق من المسلمين
تجاه الفريق الآخر
بطريقة علمية موضوعية، وهل أن القرآن الذي أسس للحوار بين
المسلمين وأهل الكتاب
يرفض الحوار بين المسلمين في إقناع أحدهم بوجهة نظره للآخر.
ونحن نعتبر أن اختلاف
المذاهب الإسلامية في بعض الآراء لا ينبغي أن يكون الحوار
حولها يمثل غزواً من هذه
الجهة لتلك.. إننا في عصر يعيش العالم فيه الحوار في كل شيء،
ولكننا نؤكد أن يكون
الحوار علمياً وموضوعياً لا يعتمد الإساءة إلى هذا الفريق أو
ذاك. ونريد لدعاة
الوحدة الإسلامية ميدانياً حتى لا تكون كلماتهم مصدراً للإثارة
التي قد تؤدي إلى
الفتنة مع احترامنا لسماحة الشيخ القرضاوي في دعواته الوحدوية
في كثير من التصريحات
والمواقف.
إيران ودول الخليج العربي
{
الملاحظ أن دور إيران المتعاظم
كان ولايزال منذ انتصار ثورتها يثير مخاوف جيرانها من دول
عربية وغير عربية، والبعض
يجد فيها «بعبعاً» لا يمكن الركون إليه. إلى أي مدى يمكن أن
نشهد مستقبلا ذوبان هذا
الوضع بما يجعل إيران منسجمة في إطار واقع إسلامي موحد؟
-
إني أتصوّر أن
المسألة بين إيران وبين العالم العربي ليست مسألة مذهبيّة، وإن
كان البعض يحاول أن
يستغلّ الاختلاف المذهبي ولاسيما في بعض السلبيّات التي قد
تصدر في إيران مثلاً كما
قد تصدر في العالم العربي من خلال بعض فتاوى التكفير وما إلى
ذلك.. والمسألة هي،
بحسب عمقها السياسي، من المسائل السياسيّة، وخصوصاً الصراع بين
أميركا وبين إيران..
ونلاحظ أن إيران تحاول أن تتقرّب من دول الخليج، حتى إنها حضرت
أحد مؤتمرات مجلس
التعاون الخليجي، والزيارات بين مسؤولي دول الخليج ومسؤولي
إيران متتابعة، وهناك
عرض إيراني على دول الخليج في شأن العلاقات الاقتصادية
والسياسيّة وما إلى ذلك..
لكن أميركا، بنتيجة صراعها مع إيران والتزامها بإسرائيل،
وخصوصاً بالنسبة لقضية
المشروع النووي الذي تؤكّد إيران أنه مشروع سلمي وتتهمها
أميركا والاتحاد الأوروبي
بأنه مشروع عسكري في هذا المقام.. ولذلك، تقوم الوزيرة رايس
وديك تشيني بزيارات من
أجل إيجاد هيئات الاعتدال العربي، والذي يحاول الإيحاء بأن
إسرائيل صديقة وإيران
عدوّة.
نلاحظ أن إسرائيل تملك ترسانة نوويّة ذريّة، بحيث إنها تستطيع
أن
تهدّد المنطقة كلها، وهي لم توقّع على معاهدة حظر الأسلحة
النوويّة، بينما وقّعت
إيران عليها، مع بعض التعقيدات بينها وبين الوكالة من وقت
لآخر.. لذلك، فإن أميركا
تحاول الإيحاء لبعض الدول العربية بأن إيران هي الخطر وهي
المشكلة، ولكننا لم نلاحظ
هناك أي خطر.. هم يتحدّثون عن تدخّل إيران في العراق، لكننا
نتساءل: إن تدخّل إيران
في العراق هو من أجل مواجهة الاحتلال الأميركي.. فهل أن
الاحتلال الأميركي لدى
العرب يمثل الصديق الذي يملك شرعيّة الوجود في العراق.. لماذا
لا يتحدّثون عن
التدخل الأميركي في العراق، أو التدخّل البريطاني في العراق؟
-
إن الحديث عن
التدخّل الإيراني في العراق، سواء كان يشتمل على بعض السلبيّات
أو لا يشتمل، معناه
أنهم يسجّلون نقاطاً سلبيّة على التدخّل الإيراني في العراق،
لكونه يسيء إلى الوجود
الأميركي.. وهذا أمر كأنه لا يشرّف أي مسؤول عربي أو إسلامي في
هذا
المجال.
أنا
أعتقد أن إيران لا تمثّل خطراً على أي بلد عربي، لكن المسألة
بينها وبين أميركا هي التي أصبحت تعقّد علاقاتها مع أكثر من
بلد عربي.. علماً أن
إيران كانت أسبق من الدول العربية إلى الاعتراف بالوضع الجديد
في العراق، وهي كانت
قد عانت ما عانته من خلال الحرب العراقيّة الإيرانيّة التي
فرضت
عليها.
لذلك، أنا أتصوّر أن المسألة ليست مذهبيّة، وإن كانت القضايا
المذهبيّة إحدى الأسلحة التي تحارَب بها إيران في العالم
العربي، لتعقيد الشعوب
العربية من إيران، والمسألة هي مسألة سياسيّة.. وأتصوّر أنه
سيتغيّر كل هذا الوضع،
إذا انطلقت العلاقات الأميركية- الإيرانيّة في الاتجاه السلمي.
الحديث عن
الهلال الشيعي نكتة سخيفة
)
البعض يقول إن ما يحصل في المنطقة هو حرب بين
مشروعين: المشروع الأميركي الإسرائيلي، والمشروع الشيعي؟ هل
هناك فعلاً مشروع شيعي
في المنطقة؟
-
أنا أقول: ماذا يمثّل الشيعة في العالم العربي؟.. إنهم يمثلون
أقليّة في العالم الإسلامي.. ولذلك فإن الحديث عن الهلال
الشيعي يمثل نكتة سياسيّة
سخيفة، لأنه ليست هناك أي ظروف في أي منطقة يسكنها الشيعة،
سواء أكان في العراق أو
لبنان أو إيران، يملك فيها الشيعة أن يصادروا الواقع السياسي
والاقتصادي في
المنطقة، على أساس دولي لا على أساس إقليمي أو على أساس محلي..
ولذا فإن الحديث عن
هلال شيعي، أو عن سيطرة شيعية هو حديث غير واقعي. نعم إن
أميركا تحاول، من خلال
احتلالها للعراق وأفغانستان، وحتى من خلال تحرّكها في لبنان
وسوريا، أن تنطلق من
جهة إستراتيجيتها في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والأمنيّة
والسياسيّة. وإلا،
ولو فرضنا أن العراق باعتبار أن فيه غالبية شيعيّة، فهل هناك
غالبيّة شيعيّة في
أفغانستان؟ إن أميركا تحارب السنّة والشيعة لمصلحة
إستراتيجيتها في المنطقة،
والمسألة ليست أن هناك صراعاً شيعيّاً عربياً، بل هناك أن
الشيعة (وليس كلهم)
يرفضون الاحتلال الأميركي لأي بلد مسلم ولأي بلد عربي، ويرفضون
السياسة الأميركية
في هذه، كما هناك سنّة يرفضون هذا الاحتلال، وأنا أزعم أن
شعوبنا ترفض الاحتلال
بشكل حاسم وعلى اختلاف مذاهبها وألوانها وانتماءاتها.
دعوتي الدائمة إلى
الكويتيين
{
نلاحظ أن هناك إقبالاً إعلامياً كويتيّاً عليكم ، ما سرُّ كل
هذا الحب؟ وماذا تقول للكويت بسُنتها وشيعتها وأحزابها وشعبها؟
-
أعتقد أن
هناك نوعاً من الحكمة في إدارة المسألة السياسيّة في الكويت،
وأن القائمين على شؤون
الكويت يعملون على أساس إيجاد وحدة بين المسلمين في دولتهم..
ولذلك، لقد كان شعاري
مع كل أصدقائنا في الكويت هو: لا تطالبوا بحقوق الشيعة أو حقوق
السُنة، ولكن طالبوا
بحقوق المواطَنة الكويتيّة.. ودعوتي الدائمة للسنّة والشيعة في
الكويت كما في
خارجها أن يتحركوا من خلال الوحدة الإسلامية ليحفظوا أوطانهم
ومجتمعاتهم ويصونوا
أنفسهم وليكونوا يداً واحدة على أعداء الأمة والدين، وليعتصموا
بحبل الله جميعاً
ولا يتفرقوا، وأن يعملوا على حل كل الخلافات بالطريقة العلمية
الموضوعية بعيداً عن
التشنج والاتهامات السلبية.
رابط
الجريدة:
http://www.awan.com.kw/node/115867
|