|
هل يظل العراق موحداً حتى عام 2025؟
أ .فاضل الربيعي
ثمة ترابط لا تماريه العين، بالنسبة للمراقب الحاذق، بين تزامن
توقيع الاتفاقية- المعاهدة الأمنية الإستراتيجية مع الولايات
المتحدة الأميركية من جانب حكومة المالكي، وبين تمرير قانون
انتخابات مجالس المحافظات، ولسوف يتجلى هذا الترابط بأوضح ما
يكون، حين يمعن المرء النظر في النتائج التي أسفرت عنها
الانتخابات من زاوية صلتها المباشرة، ولكن غير المرئية بصورة
صحيحة وكافية، بصعود قوى اجتماعية، أسهمت طوال سنوات الاحتلال
المنصرمة في تثبيت أسس الخطاب الفيدرالي في الثقافة السياسية
العراقية.
بكلام آخر، سوف يكون بوسع المراقب السياسي، أن يعيد قراءة مغزى
ودلالات إبرام الاتفاق الاستراتيجي (الأمني في الجوهر
والاقتصادي- الثقافي في الشكل) من خلال إعادة قراءة نتائج
الانتخابات المحلية، بما هي نتائج صماء لا تعكس بالقدر الكافي
من الحقيقة والوضوح مواقف كل الأطراف من مشروع الفيدرالية، وفي
الواقع، فمن بين كل القوى التي حصدت نتائج جيدة في صناديق
الاقتراع في الجنوب والوسط وبغداد، ليس ثمة مَنْ يمكن اعتباره
طرفاً مناوئاً للفيدرالية أو ناقداً لمشروعها التفكيكي، وعلى
العكس من ذلك، فسوف تبدو خريطة القوى المنتصرة وكأنها خريطة
مرسومة بعناية، إذ لا وجود لطرف رافض - بصدق وقوة- للأسس التي
صاغت مشروع الدستور كدستور دولة اتحادية- فيدرالية، كما لا
يوجد في الخريطة الجديدة أي طرف معارض لخطاب الفيدرالية،
والمثير للاستغراب، أن كثرة من المحللين السياسيين روجت لفكرة
زائفة مفادها أن الانتخابات أدت إلى «إلحاق هزيمة بمشروع
الفيدرالية»، وأن قبضة «القوى الدينية- الطائفية التقليدية» قد
تراخت في الجنوب والوسط لصالح قوى علمانية وليبرالية ودينية
جديدة تنادي بدولة القانون والمؤسسات.
لقد رسمت كل من المعاهدة الموقعة نهاية العام الماضي 2008، ثم
نتائج الانتخابات مطلع العام الحالي 2009 ملامح عراق جديد
بالفعل، سوف تتحدد صورته خلال المرحلة المقبلة، وربما لسنوات
طويلة قادمة داخل إطارين متلازمين:
الإطار الأول: أن المعاهدة مع واشنطن ليست (ولم تكن) مجرد
اتفاقية بين بلدين، يحتل أحدهما الآخر (نتيجة هزيمة عسكرية كما
هي الحال بعد استسلام اليابان في نهاية الحرب الثانية أو
ألمانيا بعد هزيمة هتلر) ذلك أن منطوقها القانوني والسياسي يشي
بوجود قاعدة ترتيبات سياسية وأمنية تتخطى الحاجة إلى ربط
انسحاب جيش الاحتلال، أو إعادة انتشاره بضمانات «أمنية بعيدة
المدى»، وهو ما يكاد يشكل «أرضية المعاهدة»، لتصبح «نواة» صلبة
لنظام أمني إقليمي أكثر منها اتفاقية أمنية بين البلدين، ولسوف
يغطي هذا النظام كامل أنحاء المنطقة العربية في المستقبل
القريب وحتى عام 2025، حيث يتوقع بزوغ «شرق أوسط جديد»، يصبح
فيه العراق قاعدة لمظلة أمنية أميركية عملاقة، يمكن أن تضم -
في مراحلها الأولى- جزءاً من معسكر الاعتدال العربي، ولاحقاً
كل الراغبين في رؤية نهاية للنزاع العربي- الإسرائيلي (وبالطبع
تضم أيضا كل الراغبين في رؤية مفهوم جديد للأمن القومي العربي،
تتبدل فيه محددات الصراع ومصادره وتصبح فيه إسرائيل جزءاً
عضوياً من أمن المنطقة)، وفي هذا الإطار، فسوف يلعب العراق
الجديد، أي عراق ما بعد المعاهدة والانتخابات المحلية، دور
نقطة الارتكاز الكبرى في إستراتيجية تغيير أولويات الصراع
ومفاهيمه، وذلك من خلال تنشيط وتصعيد - وحتى تهويل- الخطر
الإيراني وتحويله إلى تناقض رئيس بدلاً من إسرائيل أو الاحتلال
الأميركي.
الإطار الثاني: أن قانون انتخابات مجالس المحافظات، ليس (ولم
يكن في الأصل) مجرد قانون ينظم انتخابات تقليدية بأفضل وأيسر
الطرق والصيغ لأجل أن يتمكن الأفراد في المجتمعات المحلية من
إزاحة «طبقة فاسدة» من الإداريين والانتقال إلى حقبة الإعمار
والبناء وتسريع وتحسين وتيرة تقديم الخدمات. والأدق، أن
القانون غير المسبوق، هو قانون تأسيس «لحكومات محلية قوية»
تستطيع في أي ظرف، لا التنافس مع الحكومة المركزية وحسب، وإنما
أن تدخل معها في تسابق علني في ميدان التعاقد المباشر مع
الشركات الغربية الأوروبية والأميركية، وبدون الحاجة للعودة
إلى رقابتها البرلمانية، أو تدقيقها القانوني للعقود.
وأكثر من ذلك، أن تتوفر الظروف أمامها (أي أمام الحكومات
المحلية الطموحة والمتلهفة للعب دور مركزي) ومعها الطبقة
الجديدة من الإداريين في المحافظات الجنوبية والوسط، وبدعم خفي
من الجيش الجرار للمقاولين الطفيليين الذين ينتشرون اليوم في
كل مكان، لإثارة نزاعات قانونية وإدارية وسياسية مع المركز،
تحقيقاً لاستقلاليتها هي كمراكز طرفية. كما يتعين ملاحظة أن
النتائج الانتخابية تعكس، وبدرجات متفاوتة من الصراحة والوضوح،
حقيقة أن حلفاء إيران «التقليديين» قد هزموا بالفعل، لكن حلفاء
آخرين لها، تمكنوا من تحقيق انتصار لامع، وهذا وضع حقيقي لا
ينبغي تجاهله.
وإذا ما استخدمنا، لأغراض التصنيف وحسب، الاصطلاح الرائج في
الثقافة السياسية الإيرانية، حيث يجري تقسم قوى المجتمع إلى
«محافظين» و«إصلاحيين»، فإن القوى المهزومة (المجلس الأعلى
وحلفاءه) وهي قوى تنتسب إلى معسكر اليمين الديني التقليدي،
ستمثل أو تلعب دور «محافظي العراق»، بينما تبدو القوى المنتصرة
(تحالف المالكي والإصلاح والصدريين) وكأنها ارتدت أزياء
«الإصلاحيين» واستعدت بدورها للعب دورهم في العراق.
برأيي أن المعاهدة ونتائج الانتخابات المحلية سوف تبلوران
كلياً، وبالتدرج، شخصية العراق الجغرافية الجديدة، كما ستعيدان
صياغة سياساته ومستقبله، وبالدرجة نفسها من الزخم، ستقومان
بإعادة تعريف هذا البلد لنفسه، فهو مؤلف من حكومة مركزية
ضعيفة، محاطة بسلسلة من المراكز، قادرة وراغبة في الآن ذاته
بإنشاء أشكال من الاتحاد بعضها مع بعض، ولكن دون إلغاء الروابط
الهشة مع المركز (الحكومة المركزية في بغداد). ولذلك سيكون
العراق الجديد، الذي ستقوده حكومات محلية تلاشت أو ضعفت
روابطها القديمة مع المركز بينما تعاظمت ميولها إلى تطوير
وحداتها الجغرافية الجديدة، عراقاً أكثر من «فيدرالي» أو ما
فوق فيدرالي، يتحول فيه المركز إلى طرف، فيما تتحول الأطراف
إلى مراكز، وهذه هي بالضبط صورة «دويلات المدن» التي عاش
العراق عصرها التاريخي مع سومر وأكد، ما قبل ظهور سرجون الأكدي
2316 ق.م.
إن تفتت العراق المعاصر، وتفكك بنى الدولة المركزية فيه، سوف
يسمح بنشوء نظام جديد يقوم على أساس الروابط الهشة بين «دويلات
مدن».
|