|
انقلابات
اجتماعية
مفاجئة
أ.مؤيد
داود
البصام
ان الكتابات التي ظهرت ما
بعد احتلال العراق عن حال الاحزاب والحركات السياسية والدينية
المعارضة للنظام السابق، توضح الصورة الحقيقية للهشاشة التي
كانت عليها هذه الاحزاب في عملها وطروحاتها خارج العراق، او ما
كانت تملكه من جماهير داخل العراق، وكيف وضعت مصيرها ومصير
البلد في يد المحتل من اجل ان تجد فرصة لتبوء مركزا او وظيفة
تحلم بها ما بعد الاحتلال، وهو ما ادي الي ان توقع المحتل في
عدم فهمه لما حدث ويحدث في العراق، وازدحمت الجرائد والمجلات
بادبيات لكتاب ومحللين لا يفقهون من الصحافة او شؤون المجتمع
العراقي او الثقافة العراقية، الا بالقدر الذي يقبضون فيه،
وهذه الحالة افرزت معطيات جديدة لم تكن في الحسبان خصوصا وانها
جاءت مواكبة بما نفذه الحاكم المدني (بول بريمر) من تعهدات
الحكومة الامريكية لاسرائيل، بانهاء الجيش العراقي، الذي ظل
يقلق الكيان الصهيوني علي مدي عقود وتدمير الدولة العراقية
وبموافقة وتبريك ما يسمي بقوي المعارضة. عندما كانت في خارج
العراق او عندما تسلمت الحكم تحت ظل المحتل.
ان الصراع علي المصالح جعل هذه الحركات والاحزاب تضع نفسها في
صورة المدعي بمن يملك ما لا يملك، ومنحت المحتل فرصة هي اقرب
للخيال بما لا يحلم به، وامن الطرفان المحتل وما يسمي
المعارضة، ان فكرة القوة والمال هي اقرب الوسائل الكفيلة
باخضاع الشعب العراقي، والعصا السحرية لاذلال الانسان العراقي
وجعله يقبل بالأمر الواقع، وتغير بنية المجتمع العراقي، لانشاء
الدولة الجديدة علي وفق معايير الادارة الامريكية وخبرائها
الصهاينة. وتشكيل حكومة كرتونية تدار من قبل الادارة
الامريكية، من قادة احزاب وحركات كان لها نضال سابق، ولكنها لا
تملك قاعدة جماهيرية، فتكون بذلك مضطرة الي سند المحتل ودعمه،
ليكون لها القاعدة والحماية التي تستند عليها في حكمها للعراق،
وكانت مسالة استخدام القوة والعنف هي الفكرة المهيمنة لاخضاع
العراقيين (الصدمة والترويع) وجعلهم يستسلمون لمن جاء يبشرهم
بالتحرير، فما الذي واجهه المحتل والذي جاء معه.
اولا: جماهير اتعبتها الشعارات والطروحات السياسية الجوفاء،
والتي لم تحقق اي شيئا لها، والتي حرمت من ابسط حقوقها في
العيش الكريم.
ثانيا: لم يجد المحتل ما ادعته القوي السياسية والدينية
المعارضة من جماهير واسعة تتبعها، ووجد ان هذا الاحزاب
والحركات قد ساهم بطريقة واخري في تخريب الدولة العراقية،
واستولت علي منشاتها واغتصبت اموالها، واستحوذت علي ما تركه
رجالات العهد السابق، واحتلوا دوائر الدولة والمال العام
واتخذوها سكنا ومقرات لاحزابهم وحركاتهم التي ليس فيها الا
الاشخاص الذين يديرونها.
ثالثا: ام تطرح هذه الاحزاب والحركات اي برنامج وطني للمرحلة
المستقبلية لبناء العراق. واعتمدوا علي برامج ومشاريع المحتل.
رابعا: ادرك المحتل بعد الاحتلال، ان القوي الموجودة في
الداخل، ان كانت مع النظام السابق او ضده، هي الاقوي، وهي التي
تملك قاعدة جماهيرية واسعة، تلتف حولها وتؤمن بطروحاتها علي
الرغم انها هي الاخري لا تملك برنامجا وطنيا لما بعد الاحتلال،
وهذه القوي الداخلية بمختلف اتجاهاتها وطروحاتها الفكرية، قوي
مناهضة للاحتلال ولامريكا بالذات وتستمد قوتها وديمومتها لانها
عاشت بين الجماهير وتحملت معها الحروب والاضطهاد والحصار
والجوع والموت.
خامسا: ان القيادات التي جاءت ما بعدالاحتلال من الخارج والتي
سلمها المحتل مقادير البلاد، ولاتملك قاعدة جماهيرية، مما
جعلها تتصرف بنفس عقلية واساليب الانظمة السابقة لكسب
الجماهير، واتخذت من اساليب الاغراء والترغيب والترهيب
والاجتثاث سياسة اساسية في عملها لقيادة البلاد والتأثير علي
الجماهير. الكثير من الدراسات والكتب التي ظهرت ما قبل
الاحتلال وما بعد الاحتلال درست المجتمع العراقي والفرد
العراقي وقسم منها حديثة بكتابات علماء الاجتماع العراقيين،
ولكن لم تظهر كل الحقائق عن طبيعة المجتمع والفرد العراقي بسبب
الخلط في الفرز بين النخبة وعموم المجمتع وغطي اشعاع النخبة
وما قدمته علي مدي تاريخ العراق القديم والحديث علي الكثير من
القضايا التي كان يجب التمعن والنظر لها بعين البصيرة حتي تعطي
نتائج مهمة علي صعيد الواقع كما ان الخوف من حرية التعبير لئلا
يعتبر انتقاصا من فئة او طائفة هو الذي جعل الكثير من الدراسات
تتعثر في طرح الحقائق كما هي، ونظرا لان الاحزاب والحركات
السياسة والدينية لم تهتم الي هذه المسائل المهمة لانها هي
اصلا غارقة فيها وتستخدم اشعاع وتنوير النخبة في تاريخ الحضارة
والثقافة العراقية لاغراضها الخاصة من اجل الكرسي والمال ولم
تحاول ان تبني واقعها علي اساس بناء الانسان الصالح وايثار
المصلحة العامة علي الخاصة، انما مارست وجودها من اجل تحصيل
الحاصل واستخدام المجتمع والانسان لتحقيق مصالحهم الخاصة
والحصول علي اكبر قدر من المنافع الانية, مما حدا بهذه الحركات
والاحزاب ان كانت في داخل الحكومات او خارجهاأن تسحق المخلصون
والمضحون من اجل بناء الوطن والانسان، ولم ياخذوا دورهم الذي
كان يجب ان يتبوأه، دون أن يدرك هؤلاء المصلحون، ان بناء
الانسان الصالح والمواطن النافع، سيرفع من قدرهم كقيادات
واحزاب وحركات ويقضي علي الكثير من الامراض والعلل التي تطيح
بهم بين فترة واخري، الي جانب استفادتهم من النخبة لتكوين
المجتمع المتطور والمتقدم علميا وحضارياً.
لمصلحة من؟
توجب علينا وضع هذه المقدمة لايضاح بعض الحقائق، التي تبين لنا
الكثير من التساؤلات التي ستظهر عندما نجيب علي سؤال لمصلحة من
تم تجميد جيش المهدي.
وهو ما يجعلنا نعود الي المحتل، المحتل جاء لتحقيق برنامج معد،
يتيح له السيطرة علي العراق والسيطرة علي المنطقة وثراوتها
واخضاع النظام العالمي للقوي الراسمالية والامبريالية
العالمية. ويحدث تغييرا في البنية الاجتماعية والاقتصادية
للمنطقة، حتي يتاح له تنفيذ برنامجه في السيطرة التامة،
ولتحقيق هذا الغرض من أجل اجراء التغييرات حتي يتحقيق تقسيم
العراق الي اجزاء تحكمها فئات عرقية وطائفية متنوعة، تتقاتل
فيما بينها وتعيش دوامة الحروب والعنف والاقتتال الداخلي،
بينما تستمر الشركات الكبري في استثمار اقتصاد هذه البلدان،
وهو ما يتطلب التقسيم العرقي والطائفي.
فتكون مجلس حكم طائفية، واسس ما يسمي (البيت الشيعي) وقابله
(اهل السنة) ثم قسمت الاوقاف الاسلامية (الوقف الشيعي والوقف
السني) فتم تخريب النسيج الاجتماعي المتلاحم عبر العصور والذي
تعايش علي مدي قرون دون ان تحدث فيه فجوة الا عندما تتدخل
القوات الاجنبية الغازية لتحريك النعرات الطائفية والعرقية،
كما كان يحصل في الايام الغابرة عندما يحتل الصفويون العراق
يطاردون اهل السنة، وعندما يحتل العثمانيون العراق يطاردون اهل
الشيعة، وعندما احتل الانكليز العراق اسسوا لهذه النعرات
بحفريات داخل المجتمع وعمقوها ولكن علي مرور الزمن لم تتمكن
هذه القوي الخارجية من فرض اجندتها وظل النسيج الاجتماعي
العراقي يتمتع بهذه الميزة في تلاحم وقوة نسيجه الاجتماعي، ولم
تستطع القوي الخارجية من فرض اجندتها عليه، وظل النسيج
الاجتماعي العراقي يتمتع بهذه النعمة، فكان لزاما علي المحتل
ان يجري حسابات دقيقة لايجاد الكيفية في تغيير واقعا من الصعب
تبديله.
في حساب الفهم المعمق لابعاد الانسان العراقي ومجتمعه وأدراك
خصائص تكوينه الاجتماعي والفكري، ليست بمفاجئة ولكنها مفاجئة
لمن اخد الامور من منظورها السطحي وبما يوحيه له عقله المصلحي
والانتهازي. وهو ما يجعلنا نطرح السؤال التالي: لماذا الافكار
اليسارية والاشتراكية والايديولوجية الشيوعية، قوة حكمت الشارع
العراقي علي مدي عقود، وكانت تمثل اكبر كتلة وقوة بشرية وفكرية
في المنطقة؟ وكيف تحولت هذه الكتلة البشرية وقواها المفكرة من
الافكار اليسارية والشيوعية الي التدين والتطرف الديني.بدل ان
تترسخ وتتجذر الافكار وتتوسع قاعدتها، ان القواعد الكبيرة
والواسعة للحزب الشيوعي في الجنوب والمنطقة الغربية، وما كانت
تمثله مدينة الثورة (الصدر) كقلعة متقدمة فكريا وتنظيميا له،
انقلبت لتكون قلعة للافكار والاتجاهات الدينية المتشددة، ولم
يستطيع حزب البعث الذي حكم البلد لاكثر من ثلاثة عقود ان يحدث
التحولات والتغير، وهو الذي كانت له قواعد تنظيمية في الجنوب
والوسط وفي مدينة الصدر بالذات، ان لا يصمد امام الموجة
الدينية، ان هذا الانقلاب الجماهيري، لا يمثل حركة تخلف او
تراجع او انتهازية كما يصورها بعض المحللين الجدد، انما هو
حراك عفوي لمطالب هذه الجماهير التي لم تستطع الحركات المادية
والعلمانية ان تحقق الاحلام الموعودة التي وعدت الجماهير بها،
وحتي ادني متطلبات العيش الكريم لانسانها، فلجأت هذه الجماهير
للنظر الي الدين انه الخلاص بالرغم من تجريدية الفكرة، فالدين
فكرة مجردة وخروج علي الواقع الي ما وراء الواقع والطبيعة، الي
عالم آخر غير مرئي ولا محسوس، اي
انها
اختارات
المجرد
علي
واقع
حلمي
غير
موجود
الا
ضمن
الخطابات
وادبيات
الاحزاب
وقادتها
ووعود
بتحقيق
واقع
لم
يتحقق،
فاصبحت
المعادلة
الحصول
لكسب
الحلم
والسفر
الي
ما
وراء
الواقع،
ان
كان
الحصول
علي
الواقع
مستحيلاً،
حدث
هذا
التحول
الذي
لم
تستطع
جميع
القوي
ان
تخفف
من
انفجاره،
خصوصا
اذا
فهمنا
ان
احد
هذه
التيارات
الجارفة
هو
التيار
الصدري،
وان
الجماهير
المعدومة
والفقيرة
حينما
التفت
حول
السيد
محمد
صادق
الصدر
كونها
وجدت
بقيادته
انه
لا
يوعدها
باكثر
مما
هي
عليه،
ويهتم
بوجودها
الارضي
كما
يهتم
بوجودها
السماوي.
الزمان
5/8/2008
|