أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

جهاد السيد البغدادي - دراسة حوارية نقدية وثائقية خـلال نصف قرن لمسيرة الامام المجاهد السيد محمد الحسني البغدادي - الحلقة الثالثة

صرخة ضد الملكية

* المشهور بين قوى المعارضة في العراق ان الامام المجاهد السيد البغدادي.. بعث يوم السابع من ربيع الاول العام 1376- 1956 برقية استنكارية شديدة اللهجة الى الطبقة الحاكمة في العراق، لوقوفها الموقف المتفرج من العدوان الثلاثي على مصر.. وقد كتب عنها المؤرخون العرب بصفحات مشرقة، لانها تستهدف بصراحة متناهية اسقاط حكومة نوري السعيد، وعلى اثرها فوجىء سماحته بزيارة الدكتور محمد فاضل الجمالي احد اركان النظام، لتهدئة الموقف  المتأزم في النجف.. وهنا اسأل: ماذا دار من حوار بينهما؟..

** حين دخول الجمالي الى الدار صباحا.. كان برفقته السيد محمد علي كمونة رئيس بلدية النجف الاشرف.. وكنت انا، وابي في المكتبة.. فأخبرنا الخادم قائلاً:

الدكتور جاء لمقابلة السيد... فرحب به ابي وسالمه، ثم أدخله الى المكتبة.. وخرج مسرعا الى بيت العائلة ليخبره بهذه الزيارة المفاجئة.. فجاء سماحته، وأستقبل الجمالي مرحبا به.. ثم جلس سماحته، فجلس بجانبه الايسر.

وفي بداية الاجتماع بدأ الجمالي: يعرض تطورات الحوادث المؤسفة التي جرت على الساحة النجفية.. بسبب التظاهرات الجماهيرية الغاضبة.

ثم بدأ يعرض وجهات نظر الحكومة حول العدوان الثلاثي على مصر، واستمر الحوار ثلاث ساعات.

ثم ختم حديثه بالحرف الواحد ((والله يا سماحة العم.. ان جلالة الملك المفدى يعتز بمواقفكم الوطنية الاسلامية، ومتأسف من موقف الحكومة تجاه العدوان.. سيضع العراق امام امتحان صعب، وسألتقي بالملك المفدى، وسأكشف له ما دار من حديث بأمانة تاريخية، وان يرى ما يمكن عمله على الطبيعة.. وأني اناشدكم ان تتعاونوا معه الى اقصى حد ممكن.. ولما فرغ من كلامه.. رد عليه قائلاً:

لماذا اختارك الملك.. لهذه المهمة الصعبة من دون البقية من اركان نظامه؟.

هل تعلم سببه؟.. كان والدك الشيخ عباس (رحمه الله) صديقي، ويكن الولاء لي.. ويعلم الملك ان اركان نظامه لم ولن اقابلهم، بل اغلق الباب في وجوههم.. اما انت فقبلت مواجهتك على حساب والدك، لان المرء يحفض بولده.. وان مجيئك نتيجة الخطاب المكتوب الذي وجهته اليه الرامي الى اسقاط هذا النظام اللاشرعي واقامة نظام عادل يحل مكانه.. بعد ان لمسنا نحن التداعي والتدهور والاستغلال والانحراف عن خط ثورة الثلاثين من حزيران.. ولمستم انتم كذلك في هذه الايام انفجاراً جماهيريا هائلاً، بدأ اولاً في النجف الاشرف، وبعد قليل (وبدون تنسيق) انفجر في بغداد، وبقية المدن الاخرى.. اندفعت الى الشوارع في كل مكان كتل بشرية من عشرات ألوف الرجال والنساء في تظاهرات مستنكرة صاخبة وصارخة تعلن معارضتها للموقف المتفرج نحو العدوان الثلاثي الطاغوتي على مصر، واليوم تريدون منا التعامل معكم.. لم نكن على استعداد للقفز فوق حركة التاريخ.. ولم يكن لدينا ما يحفزنا الى نسيان كل الاسباب الحقيقية للصراع.. وفتح صفحة جديدة منقطعة الصلة بما كان.. ولا يزال قائما ً من اسباب هذا الصراع.. نحن لا نصافحكم بعد خراب البصرة.. كما يقول المثل المشهور.

 

 

 

 

ثورة 1958م.. وجماعة العلماء.. الى اين؟..

 

* عندما انتصرت ثورة الرابع عشر من تموز العام 1958 ميلادية ضد النظام الملكي في العراق.. حدثت مفاجئات على الساحة النجفية.. ماذا كان موقف الامام المجاهد السيد البغدادي تجاه هذه المفاجئات؟..

** جاء وفد عسكري على مستوى رفيع بقيادة اللواء فؤاد عارف الى النجف الاشرف يمثلون قيادة الثورة، وطلبوا مقابلة سماحته للتعرف على موقفه الصريح في اسقاط النظام الملكي.. فقدم لهم رسالة تهنئة الى الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس مجلس الوزراء، وحين وصولها رد عليها برسالة تحريرية بكل اعتزاز وارتياح.

الا اننا نجد برزت على الساحة النجفية مفاجئات خطيرة من اظهرها:

1- انحراف قاسم عن خط الثورة القائمة على اساس كفاح الصهيونية والعملاء والمستكبرين.. واتخذ الشيوعيين ركيزة ارهابية من اجل تثبيت نهجه الاستبدادي في البلاد.. وقد بلغ السيل الزبى فكان لابد للسيد البغدادي ان يواجه الارهاب الماركسي، ويعاني بنفسه كفاح الثورة المضادة.

2- ظهور جماعة العلماء المفاجيء.. وكنا نتساءل وقتها قبل كل شيء.. ما هو الموقف الرسالي الذي سيفعله السيد البغدادي بعد ان ظهرت على الساحة النجفية هذه الجماعة.. وهو في الوقت نفسه على تناقض اديولوجي مع مرشدها الذي يوجه رئيسها واعضائها من خلف الابواب المغلقة.

-  لماذا من خلف الابواب المغلقة؟..

= لان عليه الف علامة استفهام.. ولن يهتم بشيء ابدا.. مادامت مصالح حاشيته.. واولاده.. واحفاده على حسب ما يرام !..

- اذن.. هل يقيم علاقة تنسيقية مع (جماعة العلماء) سواء كانت على صعيد التكتيك او على صعيد الاستراتيج، او ان الظروف السياسية الغامضة، او الضاغطة تحول بينه وبينهما؟..

= في الحقيقة.. مهما تكن طبيعة الصراع الفكري مع هذا الانسان التضليلي.. ولكن السيد البغدادي يعتبر الاسس والمباديء الكبرى فوق كل هذا او ذاك.

ومن هنا.. صدرت المنشورات الاربعة على فترات متقاربة حيناً ومتباعدة احياناً بأسم (جماعة العلماء) تستهدف في خطوطها الرئيسية مكافحة الفساد والانحراف عن نهج الشريعة الاسلامية.. الاانك  تلاحظ ملامح الضعف في المنشورات حيث يعبرون عن قاسم العراق بـ (نصير الاسلام).. وسبحان من لا يخطىء، ولا جدوى في العتاب الهاديء، لان توجهاتها من حيث المبدأ اصلاحية، وليست ثورية حاسمة..

ومن هنا.. ظهرت الاشاعات القاسية في سبيل تحجيم تحركها، واتهمت بالعمالة لجهاز السافاك الشاهنشاهي من قبل ((رجال الدين الاحرار))، وقوى الثورة المضادة.

ومن هنا.. بادرت الجماعة بسرعة خاطفة للاتصال المباشر مع كبار مراجع الدين لدعم مسيرتهم الرسالية الملقاة على عاتقهم.. فكان التجاوب بشكل او باخر مع توجهاتهم بـ (استثناء) السيد حسين الحمامي، والشيخ فاضل القايني، والشيخ عبد الكريم الزنجاني !!..

ومن هنا.. اصدر السيد البغدادي فتواه الشهيرة بخط تلميذه الشيخ عبد الهادي العصامي، وتوقيع سماحته الشريف.

وعلى هذا الاساس.. بادر الشيخ مرتضى ال ياسين رئيس الجماعة مع اعضائه يعقد اجتماعان سريان في داره العامرة يتداولون فيما بينهم عن تغلغل الحزب الشيوعي العراقي في الحكم، وخطورته على عراق الاسلام.. وما قام من مجازر رهيبة ضد القوى الخيرة والشريفة.. فاقترح عليه باصدار فتوى صريحة بـ (كفر الحزب الشيوعي العراقي)، والاشتراك مع رفاقه علماء النجف الاشرف.

بيد ان السيد البغدادي (رضوان الله عليه) لم يتجاوب معه من حيث الصغرى.. الا انه اتفق معه من حيث الكبرى، لانها من الضروريات الاسلامية.. ولكن لم يستجيب شيخ الجماعة على ذلك.

-  والامام المجاهد السيد البغدادي ماذا كان موقفه؟!!..

= أخذ موقف الصمت المطبق من جهة الاعلام الرسالي، لان اليد الواحدة لا تصفق.

وفي العام 1383 هجرية.. وبأشارة من الشيخ عبد الحسين الاميني صاحب موسوعة الغدير الامامية نهض ولده الشيخ محمد الهادي بترجمة السيد البغدادي بعد دراسة موجزة عن مخطوطات مكتبته النفيسة وفي فصل جهاده نشر فتوى تكفير الشيوعية المقبورة، وكانت في عقيدتي وثيقة رسالية تأريخية كشفت قضيةً وحدثاً لم يكن في الحسبان.

 

كفاح ضد الشاه الطاغية

 

* المشهور عن الامام المجاهد السيد البغدادي انه: العدو اللدود للاسرة البهلوية منذ مجيئها لعرش ايران.. وفي بداية انتفاضة خرداد العام 1963م ضد الشاه محمد رضا بهلوي.. لم يكن الامام المجاهد سباقا ً في هذا الحدث التاريخي الحضاري.. في نفس الوقت نلاحظ كل القوى المعارضة من مراجع واحزاب استنكروا فورا الممارسات الوحشية ضد تطلعات الشعب الايراني الذي شجب قانون (كابتيو لاسيون) ما هو رأيكم في ذلك؟!.

** كان السيد البغدادي (رضوان الله عليه) من وراء المنظار يدرس حقيقة الاوضاع الجارية في ايران، وابعادها وتأثيراتها على الساحة الاسلامية بدقة موضوعية وعقلانية.. وشاءت الاقدار ان يكون السيد البغدادي مريضا في بغداد.. وبعد الاحداث المؤسفة في ايران جاء على الفور الى النجف الاشرف، وحضر مجالس الفاتحة المقامة على روح الشهداء. وهنا اجتمعت معه القوى المعارضة، وتداولوا فيما بينهم ما يجري على الساحة الايرانية من احداث خطيرة.. ثم عقب ذلك لقاء اخر (يعتبر هذا الاجتماع  بمثابة مؤتمر تمهيدي) في داره العامرة حضره السيد عبد الله الطاهري، والشيخ محمد اللاهيجي والشيخ نصر الله الخلخالي، والسيد عبد العزيز الطباطبائي.. وغيرهم.فكان حصيلة هذا اللقاء الموفق ان استجاب السيد البغدادي.. وبعث البرقية الثورية الشديدة اللهجة الى طاغية ايران محمد رضا بهلوي، وكان لهذه المبادرة العظيمة اثرها الفاعل في الساحة الاسلامية.. وحين اصدراها بمنشورات موزعة في كافة انحاء القطر.. بادرت باذاعتها صوت العرب القاهرية في تعليقها الذي يمثل وجهة نظر الحكومة المصرية من خلال معلقها السياسي المعروف: (أحمد سعيد)، ونشرتها صحف العربية المتحدة، وترجمة من قبل قوى المعارضة الاسلامية الى اللغات الاجنبية وطبعت مشفوعة بصورته الكريمة في منشوراتهم السرية في داخل سجنهم الكبير.. وفي النجف الاشرف بادرت الحوزة العلمية المعارضة يتقدمهم الشيخ الخلخالي بزيارة السيد البغدادي في داره العامرة.. يعبرون عن مشاعرهم الصادقة تجاه هذا المنعطف التاريخي الكبير.

- هل من حوادث هامة لفتت نظركم؟..

= نعم.. نقطتان:

الاولى: حينما اوكلت لي مهمة توزيع البرقية في بغداد وضواحيها.. كان بصحبتي السيد ابراهيم أحمد الفاضلي، والشيخ محمد سعيد الغبيني.. وقد احتجزونا في مقر الحرس القومي في الكاظمية، وكان الفاضلي يهتف: الم تروا الاجازة الممنوحة في المنشور؟! فلم يلتفت مسؤول الحرس القومي اليه، واستمر بمهمته يستفسر الجهات المختصة للتأكيد من السياسة الخارجية للحزب والدولة تجاه هذه البرقية الثورية.. فكان الجواب على الفور اتركوهم وشأنهم، وما نحن والشاه عدو العرب.

والثانية:تجد المعارضة الاسلامية الايرانية في الداخل وفي الخارج جندت كل طاقاتها في دعم هذا الموقف الثوري الذي تصدى له السيد البغدادي.. والعامل الاساس في ذلك ان السيد محسن الحكيم لم يستنكر اعمال الشاه الوحشية مباشرة، وانما ابرق في حينها لأحد (علماء طهران) السيد عبد الله البهبهاني المتعاطف مع شاه ايران الطاغية متأسفاً بشكل عام للاحداث الجارية في ايران..

- قالوا: بعد فترة ليست بطويلة اخذت المؤسسة الدينية في النجف الاشرف موقف الصمت المطبق حول ما يجري في ايران.. ماذا كان موقف الامام المجاهد السيد البغدادي (قدس سره)؟!..

= قد تسربت اخبار من ايران.. مفادها: ان الشاه اعتقل الخطباء الاسلاميين في كل مكان وفي مقدمتهم آية الله الشهيد السيد محمد سعيد السعيدي.. وهنا بادر الدكتور محمد الصادقي الطهراني، والشيخ مهدي الكروبي.. وكان برفقتهما الشيخ محمد هادي الاميني، والسيد ابراهيم أحمد الفاضلي، والشيخ محمد ابراهيم الشاهرودي الجناتي.. يلتمسوا من السيد البغدادي ان يستنكر هذه الاعمال اللاانسانية التي يقوم بها الشاه الطاغية.. الا ان سماحته امتنع في البداية.. قائلا ً: ((اذن.. اين المتصدين بالامس؟!.. لماذا لم يستنكروا اعمال الشاه مباشرة، ويبرقوا اليه شخصياًبدلاً من ان يبرقوا للعلماء هناك؟!..)).

- فرد عليه الصادقي هاتفا: انت يا مولاي رابعهم بالاجماع ما نحن وهؤلاء!!..

= اذن.. من هنا: سأبرق ضد الشاه العميل طالباً اطلاق سراحهم.

ومن خلال هذه المواقف الرسالية الثورية الجريئة في محاربة شاه ايران الطاغية.... حاولت الزمر الشاهنشاهية ان تسلك كل ما تستطيع لتلفيق شتى التهم، والصاق النعوت التي تطفح بها مخيلاتهم المريضة بالامام المجاهد السيد البغدادي.. بل وقد تعرض مراراً لحملات مضادة من جانب اجهزة الاعلام الشاهنشاهية.. بل وصل الامر الى ما هو اكبر من ذلك.. وصل الامر الى حد ندد به اعضاء المجلس النيابي الصوري الشاهنشاهي في ايران.. وسموه بـ ((المهرج الارهابي آية الله البغدادي))..

ولكن في حينها كانت تلك الزوبعة المثقلة بالسموم وبرمال الاحقاد الصفراء، والاتربة السوداء التي هبت عليه فقيه الاسلام السيد البغدادي (قدس الله روحه الطاهرة) في محاولة لتغطية وجه الشمس.. زوبعة في فنجان.. فلم تضعف عزيمته، ولم تلين قناته، واستمر في جهاده الاسلامي المتواصل بأيمان ويقين، ولم يستسلم حتى النفس الاخير.

 

الى بيت الله الحرام

 

* هل الامام المجاهد السيد البغدادي غادر القطر؟.. ومتى؟.. والى اين؟.. ولماذا؟. وكيف؟.. وماذا حدث من مفاجئات؟..

** وجهت للسيد البغدادي دعوات متتالية من مؤتمرات اسلامية.. واقليمية.. وعالمية.. الا انه رفضها بالمرة بدءاً من المؤتمر الاسلامي في باكستان، ومرورا بالمؤتمر الاسلامي المسيحي في بحمدون، ووصولاً للمؤتمر الاسلامي الاول في بغداد.. وذلك لسبب واضح ان هذه المؤتمرات من وجهة نظره انها اداة طيعة للسلطات الرجعية المعادية لتطلعات شعوبها. ولكن السيد البغدادي استجاب لدعوة فريضة الحج العام 1384 هجرية.

وعلى هذا الضوء.. اقول باختزال: حين عرف المسلمون من خلال وكالة الانباء العراقية ان السيد البغدادي والوفد المرافق له سيغادر بطريق الجو متوجها الى بيت الله الحرام.. ظهرت علا مات التعجب والاستغراب التي أرتسمت على وجوه الجماهير المؤمنة.. اذ لم يغادر السيد البغدادي الى خارج القطر.. بسبب شيخوخته التي تجاوزت العقد الثامن من عمره المديد، ومن الصعوبة بمكان ان يتحمل عناء السفر الطويل.

ومن هنا.. تهيأت الحوزة العلمية.. والجماهير المؤمنة لتوديع موكب الحاج الى مطار بغداد الدولي.. الا اننا نجد السيد البغدادي رفض في البداية هذه المبادرة الكريمة، وشاء ان يخرج من النجف الاشرف من دون ان تشعر الحوزة والجماهير بمغادرته لكي لا تقع في تجشم التوديع.

بيد ان الشيخ نصر الله الخلخالي ابى ان يتحرك موكب السيد البغدادي بهذا الشكل.. فألح عليه بناءًعلى رغبة المعارضة الاسلامية الايرانية الملحة.. قائلاً: ((اذا لم تستجب لهذه الرغبة.. فسوف يغدو مصير المعارضة في النجف في غاية الخطورة.. بسبب تهديدات حاشية السيد محسن الحكيم المتكررة في طردهم أو تصفيتهم، وان الحكيم شخصياً يخشاك بشكل او بآخر.. فالدعم والمساندة من سماحتكم  وبخاصة في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها المعارضة الاسلامية من خلال هذه الاستجابة خير دليل لدعمكم المباشر)).

وعلى هذا الضوء.. استجاب السيد البغدادي لهذا الطلب الرسالي، وفي ذلك اليوم المشهود من تاريخ النجف المصادف في السابع والعشرين من ذي القعدة العام 1384هجرية جندت المعارضة الاسلامية كل طاقاتها وامكانياتها لنجاح عملية التوديع.. فهيأت مئات السيارات الصغيرة والكبيرة في توديعه، وحين تحرك موكبه المبارك من بعد الظهر من النجف الى الكوفة.. تهيأت المدن التي في طريق سماحته للاستقبال، وأبداء المشاعر الاسلامية الصادقة تجاه زعيمهم الروحي الذي يشرف مدينتهم في طريقه الى بيت الله الحرام.. وصل ركب الحاج مدينة الكاظمية، والالوف المؤلفة من اهالي المدينة المقدسة خرجوا للاستقبال والتبرك بلقاء قائدهم الاسلامي.. وكانت اللافتات الترحيبية في الشوارع الرئيسية، وصادف دخوله قرابة غروب الشمس، فتشرف بزيارة الامامين (ع)، ثم صلى المغرب والعشاء في الصحن الكاظمي الشريف، وائتم خلفه المودعون والمستقبلون معا، فكانت  جماعة منقطعة النظير في تاريخ العراق الحديث وبعد انتهاء فريضة الصلاة توجه موكب المودعين الى المطار تتقدمهم سيارة السيد البغدادي تشق طريقها ببطىء في بعض الامكنة بين الجماهير البغدادية المحتشدة.. وعند وصول سيارته الى المطار حيث كان علماء الاسلام من سنة وشيعة في استقباله في القاعة، وبعد استراحة قصيرة صعد سماحته سلم الطائرة، وبعد بلوغه مدخل الطائرة التفت الى أمة القرآن المجيدة رافعا يديه الكريمتين الى السماء داعيا الله سبحانه ان يحفظهم ويرعاهم ويسدد خطاهم لخدمة الدين القويم، وصيانة شريعة سيد المرسلين.. وحين وصول سماحته المطار الدولي استقبل استقبالاً شعبيا مثيرا، ومن ثم انهالت عليه رؤساء البعثات الاسلامية حيث كان مجلسه العام الواقع في حي (الفلق) يزدحم بكبار علماء الاسلام.

وعندما اكمل برنامج مناسك الحج توجه السيد البغدادي، والوفد المرافق له الى المدينة المنورة حيث زيارة النبي محمد (ص)، وقد نزل ضيفا في ديوان السيد علي عمران الحبوبي.. وبالتالي اعلن المعنيون للامة من خلال عشرات السيارات التي تحمل اجهزة تكبير الصوت ان السيد البغدادي سوف يعقد مؤتمراً عاماًمع علماء الاسلام في مسجد الرسول الاعظم محمد (ص).. وذلك في الساعة السابعة والنصف من مساء يوم الخميس المصادف في السابع عشر من ذي الحجة العام 1384هجرية للاجابة على كافة الاسئلة والاستفسارات التي ترد عليه حول قضايا الساعة.

وحين انعقد المؤتمر الاسلامي في الوقت المحدد، وجهت مختلف الاسئلة للسيد البغدادي حول أئتلاف المذاهب الاسلامية.. ومن ثم حدثت مناقشة حادة بينه وبين احد المتزمتين عندما تعرض بالتهجم اللاذع ضد ضرورة الائتلاف الجبهوي بين كافة المذاهب.. ناقدا الامامية بالنكوص عن اهداف الدين القويم.. وقد غدت مناقشة السيد البغدادي في اطار الموضوعية والعقلانية بمستوى جعل هذا المتزمت يقف موقف المتلجلج الذي لا يعرف كيف الخلاص من هذا الحوار الهادف، وبعد ان افحمه وسد كل السبل في وجهه انكشف امره انه من مرتزقة الشاه الطاغية.

وهنا.. ((كانت بقية الجماهير كلها تترقب عودة السيد البغدادي.. وبخاصة اولئك الذين تخلفوا عن شرف المشاركة الفعلية بمشايعته، بيد انهم فوجئوا بنبأ نشرته الصحافة العراقية مؤداه عدم تحديد عودته لاعفاء الامة من استقباله.. وما ان اعلنت وكالة أبناء الشرق الاوسط نبأ مجيئه الى بغداد حتى هرع الناس من اهالي بغداد، وظلوا يترقبون ذلك المساء يوم موعد وصوله.. الا انه (رضوان الله عليه) تخلف لاعفاء امة القرآن من هذا التكليف حتى وصل الصباح الباكر بتاريخ الخامس والعشرين من ذي الحجة العام 1384هجرية)).. وبالتالي اتبعه الكثير من ابناء بغداد الى كربلاء المقدسة.. وما ان وصل داره العامرة في النجف.. حتى انهالت عليه مئات الوفود من مختلف المدن العراقية.. وفي طليعتهم علماؤنا العاملون، ورجالها المفكرون، وشعراؤها المجاهدون... والله مع المؤمنين الملتزمين.

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2010©