أتصل بنا الصفحة الرئيسية

www.alsaed-albaghdadi.com 

عد الى الخلف  
 

جهاد السيد البغدادي - دراسة حوارية نقدية وثائقية خـلال نصف قرن لمسيرة الامام المجاهد السيد محمد الحسني البغدادي  -الحلقة الخامسة

 

دعم الشعائر الحسينية

 

* للشعائر الحسينية تأريخ وبين فترة واخرى ينهض المصلحون الرساليون بتصفية الشوائب والبدع والخرافات المتعلقة بها.. والمعروف بين الشرائح الاجتماعية ان الامام المجاهد السيد البغدادي مواقف لا تنسى.. ان للتاريخ حقاً عليك بأن تكشف لنا تلك المواقف وما طرأ عليها من مردودات ايجابية وسلبية؟!..

** عندما حولت الشعائر الحسينية الى قضية سياسية في سياق صراعات مخبوءة تستهدف العمل الإسلامي, وجد حشد من الفقهاء أنفسهم في موقع جدل هذه الشعائر,ومن ثم التمسك بها متى أستخدمها السلطان في سبيل مئآربه, ولذا أن السيد البغدادي صار مدافعاً عن هذه الشعائر متى أحس باستخدام السلطان لها في سبيل تحقيق أهدافه المناهضة للثورة الحسينية ومنجزاتها الحقيقية, وليس الشعائر الدخيلة المشبوهة لمسارات هذه الثورة التي تستهدف تحقيق المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية. وفيما يلي تلك المواقف التي صدرت منه:   

اما اولا: شجب السيد محسن الامين العاملي (ت1371) في رسالته التنزيهية العام 1344 هجرية بعض الشعائر التي تقام فعاليتها بمناسبة ذكرى استشهاد الامام الحسين(ع).

وهنا.. قامت القيامة عليه.. وواجه معارضة غوغائية عنيدة على الساحة الشيعية في سوريا ولبنان.. فانقسم الجمهور الى حزبين: حزب يؤيد تلك الفعاليات، والاخر معارض لها.. حتى تسربت تلك الفتنة المشتعلة الى ربوع العراق.. وبخاصة مدينة النجف.

فالسيد ابو الحسن الموسوي الاصفهاني اتخذ موقف الصمت المطبق، بيد ان الشريحة المثقفة في العراق تؤكد بأنه: يساند موقف العاملي من طرف خفي خشية من السواد الاعظم !!.. والشيخ محمد حسين النائيني على النقيض من ذلك.. فقد افتى بجواز تلك الفعاليات على نحو (الاستحباب)!!!..

 ان الدافع والمحرك الاساس باصدار تلك الفتوى الصريحة هو: السيد البغدادي... فقد كانت بأنشائه وبخطه كذلك، وحينما فرغ النائيني من توقيعه عليها.. بادره السيد البغدادي  قائلا:

شيخنا اصدارك لهذه الفتوى (التشجيعية) يدخلك (الفردوس الاعلى)، وان تضلعك بفقه الشريعة العملية الاسلامية، وتدريسك له السنين الطوال لا يوصلك الى المبتغى الاخروي، انما العامل الاساس هذه الفتوى الصريحة، وهي التي حقا توصلك الى نعيم الاخرة الازلي!!..

ولكن الشيخ النائيني لم يسمع هذه المقولة الحاسمة بوصفه ثقيل السمع.. الا ان الشيخ جواد الجواهري (ت1325) كان موجودا في الاجتماع المغلق، وكان له صوت جهوري.. فصرخ هاتفا بما صرح به السيد البغدادي بالحرف الواحد.. وبمجرد ان سمع الشيخ النائيني: اتكأ على وسادته ضاحكاً مرتاح الضمير !!..

وهنا زعيم المعارضة السيد العاملي يعيش المأساة، والوحشة القاتمة.. يشكو من هذه المعارضة الشديدة العريضة، ويحمل المسؤولية على عاتق السيد البغدادي، وبخاصة انه كان يصرح اكثر من مرة مخاطبا بالخصوص ابن عمه وهو: السيد محمد السيد حسن (الذي كان مقيماً في ربوع الشام ودفن فيها) لقد قصم ظهري ابن عمك في العراق، وهو الذي كهرب الاجواء العراقية (ضدي) من خلال فتوى الشيخ النائيني، وخطابات السيد صالح الحلي.. ولكن اقول والحق يقال: سمعت مراراً وتكراراً السيد البغدادي يترحم عليه، ويقول صراحة: ((كان عالماً تقياً نزيهاً سليم النية في تصرفاته، والله يغمده برحمته الواسعة)).

واما ثانياً (5): فقد كان الشيخ محمد رضا المظفر (ت1383) عميد كلية الفقه في النجف الاشرف ((يؤمن بان الخطابة الحسينية تعتبر من اهم الوسائل الدعائية، ولا تكاد تفي الخطابة الحسينية بوضعها الحاضر بمهامها الرسالية، ولا بد من العمل لانقاذ الخطابة من وضعها الحاضر، وتربية نشىء من الخطباء يملكون الكفاءات التي تؤهلهم للخطابة الاسلامية، وتدريس العلوم التي يلزم الخطيب الالمام بها، والتي تتصل برسالته بوجه من الوجوه.. وكان فتح معهد بهذا المستوى من اكبر آمال الشيخ محمد رضا المظفر التنويرية الاسلامية.

ففي التقرير السنوي الذي رفعه الى الهيئة العامة سنة 1363هجرية تصريح بهذه الفكرة.. فقد جاء فيه ((كلية الوعظ والارشاد تخول المتخرج ان يعظ بأسم الدين، وان يكون ذاكراً للحسين (ع)، والمنوي السعي في فتحها في فرصة قريبة اذا سهل الله تعالى)).

وتألفت هذه اللجنة العام 1363هجرية برئاسة الشيخ محمد علي قسام، وذلك على اثر الحس العام الذي ظهر في جميع الاوساط المثقفة في العراق بضرورة تهذيب ناشئة خطابة المنبر الحسيني، وتثقيفهم ثقافة عالية تليق برسالة الامام الشهيد (ع)، وقد باشرت هذه اللجنة اعمالها، وشرعت بالفعل (قبل ان يتم منهاج المدرسة وفتحها رسمياً) في فتح صف بمثابة تجربة لعملها لدراسة الفقه، والعلوم العربية، واصول الدين، واصول الحديث.. غير انه لم يمض على فتح هذا الصف التجريبي قرابة شهر واحد، حتى ثارت على غير انتظار زوبعة عنيفة على هذه اللجنة بحجة انها تسعى لتحديد نوع خطابة المنبر الحسيني، وتحديد اشخاص الخطباء... وبحجة انها تريد التقليص من ذكرى ثورة الحسين (ع)، وغيرها من الاتهامات التي تكال على هذه اللجنة... وقد تكهرب جو النجف بهذه التهم ‍!.‍.

- كل هذا صحيح.. ولكن من هو زعيم المعارضة الحسينية ضد هذه الاطروحة التصحيحية؟‍‍..

= كان زعيم المعارضة هو السيد البغدادي.. حيث كان يساهم بنفسه في تحريك الموقف.. ويجتمع مع العلماء والخطباء  والزعماء من العنصر المشهدي.. في داره المتواضعة، او في غير داره ليدرس الاطروحة الجديدة.. دراسة موضوعية دقيقة، ليسعى لانقاذ المنبر الحسيني من هذه اللجنة.. وكان يؤكد دائما وفي كل اجتماع يعقد ان هذه الاطروحة الجديدة من حيث المبدأ ستقضي بالتالي على المئات من خطباء المنبر الحسيني.. رجالاً ونساءً.. نوعا وكماً.. الذين هم يعتبرون القاعدة الفكرية للتوعية والتثقيف الرسالي على صعيد الامتداد الافقي بأي صورة من الصور.

ومن هنا.. كان الاجتماع الحسيني الموسع في داره العامرة.. والتمسوا من قائد المعارضة السيد البغدادي القاء خطبة توجيهية مرتجلة.. وتعقبها فتوى فقهية صريحة في الصحن الحيدري الشريف من اجل ان يحث ابناء هذه البلدة المقدسة على احباط خطط هذه اللجنة.

بيد ان السيد البغدادي قال لهم: كانت النجف في يوم تعيش في محنة لا تطاق.. فهرع ابناؤها الاوفياء بمختلف شرائحهم الاجتماعية، واتجاهاتهم السياسية.. الى الشيخ محمد طه نجف (ت1323) يلتمسون منه الخلاص من هذه المحنة الجديدة التي امتحن الله بها ابناء هذا البلد الامين، ولكنه (رضوان الله عليه) قال لهم بالحرف الواحد: (اذهبوا الى مشايخنا ال كاشف الغطاء) في الوقت الذي هو مرجعا دينياً، وزعيماً مطاعاً.

كذلك اني اقول لكم (كما قال الشيخ نجف لابائكم من قبل) اذهبوا للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.. هو: السبيل الوحيد لأحباط (مآرب) هذه اللجنة وفعلاً استجابوا لهذا التخطيط المدروس، فكانت قوى المعارضة (منتصرة) ضد من قال بـ ((تطوير وتجديد المنبر الحسيني))، وبالتالي اختفى اصحاب اللجنة خارج مدينة النجف الاشرف قرابة شهر تفاديا من وقوع ما لا تحمد عقباه من الضوضاء والغوغائية.

واما ثالثاً: بمناسبة مرور ذكرى السنة الثانية على سقوط النظام الملكي في العراق.. بعث برقية استنكارية الى عبد الكريم قاسم رئيس مجلس الوزراء على المهرجانات غير المشروعة التي قامت بها الدوائر والنقابات والجمعيات الرسمية وشبه الرسمية بالتصفيق والرقص في شوارع القطر في ذكرى استشهاد الحسين (ع) في العاشر من محرم الحرام.. ومن جراء ذلك حدثت مصادمات دامية في المسيب، وفي الديوانية، وفي الحي، وفي وسط وجنوب العراق، وغيرها... راح ضحيتها عدد لا يستهان به من كلا الطرفين.

وعلى اثر ذلك.. بعث عبد الكريم قاسم الزعيم السيد حميد حصونة قائد الفرقة الاولى بتاريخ 23تموز 1959ميلادية لينقل اليه رسالة شفاهية.. كان السيد البغدادي وقتها في الكوفة، وبرفقته السيد حسام الدين الهادي الحسني.. وقيل لسماحته ان قائد الفرقة الاولى يرغب في مقابلة سماحة الامام المجاهد لينقل اليه رسالة هامة تتعلق بالمفارقة الفادحة يوم عاشوراء.. وهو الموضوع الذي يعرف عبد الكريم قاسم حساسيته من لدن السيد البغدادي.. وبعد الحاح شديد قبل سماحته مقابلة السيد حميد حسين، ولكنه اعتذر له بأنه مريض وهو غير قادر على الحديث في ما حدث من قبل الشيوعيين في يوم عاشوراء من جرح عميق وتحدي صارخ لتقاليدنا وشعائرنا.. فاذا كان لديه ما يقوله من مفارقات شرعية واخلاقية حدثت على الساحة العراقية فمن الخير ان يقول لمستشاريه.

وهكذا.. فأن قائد الفرقة الاولى تمنى للسيد البغدادي الشفاء العاجل، ونقل اليه تحيات عبد الكريم قاسم وتمنياته.

ثم اردف يقول: ((ان سيادة الزعيم الركن يقدم مخصصات شهرية لسماحة السيد ليستعين بها في شؤونه الخاصة والعامة))..

الا ان السيد حسام الدين الهادي بادره بجفاء قائلاً: ((ومن العجيب لم تكن لديكم خبرة موضوعية عن قدسية هذا الامام المجاهد بمواقفه المشهورة بعدم قبض مخصصات من أي سلطان مهما كانت هويته)).

وهنا.. استغرب ممثل عبد الكريم قاسم من هذه المقولة الرسالية الثورية.. ثم تكلم بصوت خافت:

((الم يكن بعض زملائه من علماء النجف يستلمون مخصصات الزعيم!!.. بل البعض طالب شخصياً بذلك، ويبدو ان سماحته على سيرة السلف الصالح؟!..)).

واما رابعاً: في العاشر من محرم الحرام العام1385هجرية افتى السيد محسن الحكيم بتحريم الدخول في النار التي تقام مراسيمها في مدينة كربلاء المقدسة في السنتين الاخيرتين بأسم عزاء سيد شباب اهل الجنة الامام الحسين (ع)، فدخل فيها من دخل، واصطلى بها من اصطلى بين مظاهر التقديس، والتبرك بمخلفات النار ورمادها.

قالوا: فتوى الحكيم كانت توجهاتها تقدمية رسالية ضد احياء السنن المجوسية عباد النار.. الا انها انكشف زيفها، لان المحركين لاصدار هذه الفتوى يقصدون من ورائها تحجيم المخصصات الاتية من الاوقاف الحسينية الهندية التي خصصت لهذا الغرض، لان تلك النقود الزرقاء لم تأت عن طريقهم وتدخل في حسابهم الخاص، وبالامس افتى الحكيم بجواز الدخول بتلك النار التي اضرمت في الهند وباكستان بايدي الجهال وبتزيين من بعض الذين اتخذوا دين الله (سبحانه وتعالى)تجارة رابحة.. وتجدها في كراس صدر في هذا الشأن تحت عنوان ((فتاوى العلماء الاعلام في تشجيع الشعائر الحسينية))!!..

- اذن. ما اشبه الليلة بالبارحة؟!..

= ومهما يكن من هذه الفتوى التقدمية.. او تلك الفتوى الرجعية.. انبرى السيد البغدادي ليلة الخامس عشر من محرم الحرام العام 1385هجرية ليصدر فتواه (الفقهية) بأحياء الشعائر الحسينية بشكل (مطلق).. ونشرت بشكل مكثف بمناسبة يحتشد فيها نصف مليون مسلم ومسلمة تلك هي: زيارة اربعين الحسين(ع).

بيد اننا نرى حاشية السيد محسن الحكيم.. وبتنسيق مع الاجهزة المختصة، وفي مقدمتهم سلطان امين كرماشة متصرف اللواء وقتها.. قاموا بمطاردة جماعة السيد البغدادي واتخذوا اجراءات تعسفية ابرزها:

1 - اعتقال مقلديه وانصاره.. اذكر قد بلغت الاحصائية بعدد المعتقلين في جميع انحاء القطر، وبخاصة مدينتي النجف الاشرف، وكربلاء المقدسة ما يتجاوز الثلاثمائة يمثلون مختلف طبقات الشعب من رجال دين.. وكسبة.. ومثقفين.

2 - ازالة آلاف الصور فجأة من المحلات التجارية، والشوارع الرئيسية.

3 - محاولة كامل جاسم العاني قائممقام النجف بأعتقال ابنائه.. بسبب نشاطهم الدؤوب في توزيع المناشير.. وبسبب تهجمهم اللاذع على رموز النظام في الشوارع العامة.. ولكن مسؤول الاتحاد العربي الاشتراكي عبد الامير مديد البازي نصحه وحذره سوء العاقبة.

4- ارسلت حاشية الحكيم مجموعات عديدة الى المدن الرئيسية التي يوجد فيها مقلدوه وانصاره.. ومن ابرز تلك المجموعات مجموعة الشيخ الخطيب محمد علي اليعقوبي كانت مهمته منوطة في سوق الشورجة.. وبداية تحركه على تجارها، واجه معارضة قاسية ادت الى سقوط عمامته البيضاء..ولم يهب لنجدته خلا رجل واحد هو محمد حسين الدلال (المحامي) وأخذ يصرخ وينادي: (وآديناه) لكي يثير عواطف الناس، فلم ينفعه ذلك شيئاً..

وهنا اقول للتاريخ: بدا لسنوات طويلة.. وكأن حاشية الحكيم لها ثأر لدى السيد البغدادي تريد ان تقتص منه.. واتخذت حملتها على السيد البغدادي في بعض الاحيان شكل حرب مقدسة.. وقد تحدثت بنفسي اكثر من مرة الى اقرب المقربين للسيد محسن الحكيم وهو.. الشيخ محمد الرشتي، وقلت.. له في احداها ان السيد البغدادي ارتكب بالتأكيد خطأ من منظورهم في فتوى الدخول في النار، وان كان لا يناقش في دينه، واجتهاده، بل وحتى في اعلميته.. وربما كان ضروريا تصحيح هذا الخطأ، لكن الادانة الكاملة لشخصيته الرسالية على هذا النحو ظالمة لم تكن ممارسة اخلاقية، بل من ورائهم بـ ((التأكيد)) عناصر وقوى ظالمة وطامعة ومرتبطة بمؤسسة السافاك الايرانية (6).

- ولكن من حقنا ان نسأل: ما هو منشأ الخلاف بين السيد البغدادي والسيد الحكيم (قدس الله سرهما)؟!.

= لم يكن هناك خلاف بينهما.. بل كانت بينهما علاقة صداقة حيناً، ووحشة حيناً آخر..وبسبب الوحشة على ما يبدو اختلاف مزاجهما.. فقد كان البغدادي صريحاً لايخشى ان يقول ما يعتقد حتى في المسائل السياسية الخطرة.. وكان الحكيم مغلقاً يتحرج ان يقول ما يؤخذ عليه !..

وقد بدأت الوحشة بلا انقطاع في اواخر العقد الخامس، وذلك بعد وفاة الشيخ محمد حسين النائيني المتوفى 1355هجرية.

والسبب الاساس في ذلك.. طلب السيد الحكيم من السيد البغدادي التنسيق والتعاون من اجل انتزاع المرجعية من الحوزة الفارسية في النجف الاشرف بوصفها ظلمت الحوزة العربية بكل الطرق والاساليب اللاشرعية !..

بيد ان السيد البغدادي لم يتجاوب معه.. لأسباب يمكن فهمها للخبير في شؤون المرجعية (الدينية)...

 

رفض المخصصات المشبوهة

 

* المشهور بين الحوزات العلمية والواجهات السياسية.. ان الامام المجاهد السيد البغدادي كان يرفض مخصصات السلطات، وهداياها بأي شكل كانت.. وبأي طريقة قدمت.. لماذا.. وكيف...؟!..

** السيد البغدادي (رضوان الله عليه) لن يقبض طيلة حياته النبيلة مالاً مشتبهاً.. وقد ضرب في حياته عشرات الامثلة النادرة.. وكيف لا يكون كذلك؟.. وهو الذي زهد في الحلال المباح.. وهو الذي مات مديناً للناس على الرغم من الحقوق الشرعية التي تجبى اليه من مقلديه وانصاره.. فكان ينفقهافي سبيل مساعدة الفقراء والمحرومين.. حتى انه ليلة وفاته.. لم يكن عنده ما يصرفه لعزائه، او يقوم بكفالة عائلته الكبيرة التي تركها من بعده في التيه المظلم بلا دليل..ولولا المحسنين من عشيرته الملتزمين، فتحوا من ديوانه الواقع على الشارع العام محلات اجروها ليكتسبوا منها لقمة العيش الزهيد.

وعلى هذا الضوء.. اكشف اليك الاسرار الكامنة من خلال اهم النقاط الرئيسية التالية:

اولاً - قبل نشوب الحرب العالمية الاولى العام 1333هجرية اجتمع في ندوته العلمية الكبرى خلال انعقادها صباحاً الحاج محمود اغا الهندي (ت1343) من اجل ان يقوم بأقناعه، والالحاح عليه بقبول الراتب الشهري الصادر من عائدات الاوقاف الهندية المشهورة بـ ((خيرى اوده)).. أو بـ (فلوس الهند)) اسوة بـ ((بعض العلماء والطلاب الدينيين)).. الا ان السيد البغدادي رفض رفضاً صارماً استلام هذه المخصصات الشهرية المشبوهة.. التي من خلالها غدا للانجليز صلات وثيقة، وعلاقات ودية مع بعض من قبضها من ضعاف النفوس الدنيئة.. وبخاصة من ترأس تقسيمها في النجف الاشرف وكربلاء !.. وغدوا في نظر الناس البسطاء في موقع الهمز واللمز.. والحر تكفيه الاشارة!!..

ويجب ان تعرف: ان محمود اغا الهندي كان ضابط ارتباط بين السيد محمد كاظم اليزدي.. وحكومة الاحتلال، وكان من ابرز ((علماء الحفيز)).. وما كانت النجف الاشرف تعرف عنه شيئاً، الا انه ظهر على الساحة النجفية بعد أن تقدم الإنجليز من البصرة الى بغداد، وغدا في واقع الحقيقة مرجع طلاب المناصب والزعامات (الديماغوغية)، واصحاب المصالح الشخصية من ابناء النجف، وحينما انتصر الثوار العراقيون على العدو المحتل في الثلاثين من حزيران العام 1920ميلادية هرب الى ايران.. وقيل بقى صهره (السيد) ابو القاسم الخوئي يرعى مصالحه الخاصة !!..

وثانياً - قد اكتشفت اسرار موقفه الرسالي الثوري في المقابلة السابقة وذلك في اجابتنا عن موقفه في مسألة الشعائر مع عبد الكريم قاسم، وكيف رفض مخصصات الزعيم؟!..

وثالثاً - فوجىء السيد البغدادي في شهر رمضان المبارك العام 1385هجرية بزيارة احد اركان النظام العارفي المدعو: السيد نجم الدين النعيمي، وكان برفقته الشيخ عبد الوهاب الاعظمي، يتقدمهما السيد الحلو، والاخير طلب من سماحته ان يجتمع هذان الشخصان معه في جلسة مغلقة.. بسبب وجود طلابه في مجلسه وقتها.. فاستجاب السيد البغدادي لذلك.. اقول ذلك وقد كنت بنفسي واحداًمن شهود هذا الاجتماع.. واذا كانت ذاكرتي ما تزال دقيقة فأن النعيمي بدأ يتكلم بمزاجه الهاديء، ونبرات صوته البطيئة.

 قال: ((ان السيد الرئيس (يقصد عبد السلام محمد عارف) بحاجة ان يتعاون مع سماحتكم.. وبخاصة ان البلاد تمر عبر ظروف صعبة ومعقدة.. وكما انتم تعلمون لقد حرك شاه ايران: من هنا الشيخ محسن الحكيم..  ومن هناك ملا مصطفى البارزاني.. ويقدم لسماحتكم مخصصات شهرية قدرها عشرة الاف دينار (7) من اجل ادارة شؤون حوزتكم العربية، وتغطية نفقات نشاطكم.. يرجو سيادة الرئيس قبولها مع فائق التقدير والاحترام..)).

الا ان المرحوم السيد البغدادي رفض هذا الطرح الطاغوتي بلا حوار ونقاش.. وخرج من الجلسة الخاصة متوجهاً الى داخل الدار وهو يقول:

((لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.. انا لله وانا اليه راجعون.. والى الله المشتكى ومنه نتمسك بدينه القويم)).

فخرج هؤلاء وذهب سعيهم، وضاعت هباء، وتبددت في الهواء.. ولم ولن تنجح عملية اختراق السيد البغدادي في العمل لصالح قوى الثورة الرجعية المضادة.. وهؤلاء نسوا أوتناسوا ان هناك اشياء كثيرة تفوق الاغراء ومهاوي الوقوع في حبائلهم.. هي: قوة الانتماء للمثل والمباديء الكبرى، وقوة الولاء للرسالة التي يحملها، وقوة الشخصية في تجاوز الحصار الاقتصادي الاخير.

الا ان هؤلاء بالتالي اتصلوا مع ضعاف النفوس من رجال الدين من عرب وفرس الموالين منهم، والمعارضين سواء بسواء.. ولم اشر الى اسمائهم لاسباب يمكن فهمها.

ورابعاً- اجتمع الدكتور عبد المجيد الرافعي والوفد المرافق له مع السيد البغدادي في داره العام 1389هجرية وكان الحديث بخصوص ما يجري على الساحة اللبنانية من ارهاصات حرب اهلية ظالمة فكان الاجتماع في واقع الحقيقة على مستوى رفيع لما يجري من مناقشات هامة حول قضايا الساعة، وخلال هذه الجلسة التي دامت قرابة الساعة كان حشد جماهيري واقفاً على باب الدار يهتف بحياة امتنا المجيدة في كل الميادين.

ومن هنا.. جرت احاديث هامة في بهو البلدية حول اهمية هذه الشخصية الاسلامية الثائرة بينه، وبين السيد شبيب لازم المالكي الذي كان برفقته بوصفه متصرفاً لكربلاء المقدسة وقتها بادره قائلاً:

((قد رأيت ظاهرة غريبة لاول مرة في حياتي تلك هي الحياة التقشفية التي يعيشها سماحة هذا الامام المجاهد في ملبسه ومسكنه.. وهذا مالا نجده في رجال الدين بلبنان فهم يعيشون حياة (ارستقراطية) في نفس الوقت نجد لهذه الشخصية مواقف بطولية لا تنسى في مساندة حركة التحرر العربية)).

فرد عليه المالكي قائلاً:

((ان هذه الشخصية بعيدة عن المال والجاه كزهد الامام علي (ع)، ولا اخفي عليك سراً: ان الملفات الموجودة لدى الاجهزة المختصة حاليا اكثر من مرة ان السيد البغدادي يرفض الهدايا التي تقدم الى سماحته)).

وشيء اخر اود ان ابرأ ذمتي منه امام التاريخ سمعت انا شخصياً من الحاج خير الله طلفاح كان وقتها رئيس مجلس الخدمة العامة.. حينما قدم التعزية لي بمناسبة رحيله الى الرفيق الاعلى المصادف اواخر ذي القعدة العام 1392هجرية.. يقول:

((قد وجهت للرئيس أحمد حسن البكر عتاباً مفاده ان الشيخ محسن الحكيم يقدم له شاه ايران مليون دينار كمخصصات شهرية بأسم (الاوقاف) الايرانية ولم يقدم الشاه منها مليما واحدا الى المرحوم الشيخ المجاهد البغدادي بوصفه مرجعا شيعياً))!!..

فرد على الرئيس قائلاً:

((المرحوم الشيخ البغدادي رفض المال مني شخصياً.. فكيف تتوقع ان يأخذ من تلك المخصصات.. وهو الخصم العنيد لشاه ايران؟..)).

ومهما يكن من هذا كله.. فهناك اجماع بين السياسيين والمفكرين على انه: كان نزيها مترفعاً عن الدنايا، وقد كان بأمكانه من خلال موقعه المرجعي الحساس ان يكسب الملايين.. سواء كان من شركة اود (الخيرية).. او من (اوقاف) شاه ايران الطاغية، او من السلطات الرجعية.. كما فعل البعض من رفاقه ؛ ولكنه فارق الحياة الفانية الزائلة، ولم يملك من حطام الدنيا الا دار واحدة.. والواقع انه افضل واقدس من اولئك الذين كسبوا الملايين باسم الدين اذ هم تركوها لابنائهم ينعمون بها وتحملوا  اوزارها!!..

 


استفتاءات
 بيانات
أحاديث
مقابلات
مؤلفات
قراءات

اطلالات
خفايا واسرار
وثائق
صور شخصية
جريدة براءة 



الموقع الرسمي لسماحة آية الله العظمى
المرجع القائد السيد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله
 2004-2010©